قراءة متأنية في كتاب -يهود العراق والمواطنة المنتزعة!- في ست حلقات

كاظم حبيب
2016 / 12 / 2


المرحلة الأولى (1921 - 1933)
من أجل أن يتجنب شعب العراق، ما تعرض له يهود"
العراق من تهجير قسري كامل في الفترة 1950-1951،
ما يــراد له أن يحصـل في المـرحـلة الراهنة لمسيحيي
العراق ومندائييه وإيزيدييه في محافظة نينوى والعراق
عموماً، في ظل النظام الطائفي السياسي، وممارسته
التمييز والتهميش والإقصاء المذلة، ودور قوى الإرهاب
الإسلامي السياسي المتطرفة كافة".

الحلقة الأولى
كان لي لقاءان حميمان مع حشد طيب من العراقيات والعراقيين بلندن، وبحضور مجموعة طيبة من النساء والرجال من مواطنات ومواطني العراقي الذين أجبروا على الهجرة، اللقاء الأول دعا له التيار الديمقراطي العراقي، وكان موضوعه استعراض كتابي الموسوم "يهود العراق والمواطنة المنتزعة" الصادر في العام 2015 عن دار المتوسط بإيطاليا، وعن أوضاع العراق المحتملة ما بعد داعش. اما اللقاء الثاني فتم بلقاء مع تجمع كبار السن من العراقيات والعراقيين الذي ينظمه المنتدى العراقي ويشرف عليه الصديق الطبيب والشاعر الدكتور صباح جمال الدين، واقتصر على موضوع الكتاب. كما حصلت عدة لقاءات حميمة مع أصدقاء عراقيين وعراقيات بدعوات على عشاء، منها على سبيل المثال لا الحصر في دار السيد داوين شكر، والصديق أميل كوهين، أو زيارة للكاتب الساخر والرائع خالد قشطيني أو الكاتب والمترجم الرفيق عادل حبة أو الناشط في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني الرفيق سمير طبلة وزيارة لعائلة أبو عادل أو أبو أوس المحترم، إضافة إلى الرفقة الدائمة مع الكاتب الدكتور محمد الموسوي.
لقد حاولت في هذين اللقاءين أن أقدم كتابي بصيغة جديدة وبشكل مكثف يجسد المحنة الكبيرة والكارثة التي حلت بالعراق وشعبه بسبب خسارته لجزء كبير ومهم وأصيل من بنات وأبناء الشعب العراق الذين عاشوا في العراق ما يقرب من 2800 سنة، إنهم يهود العراق الذين أجبروا على مغادرة العراق بعدد زاد عن 120 ألف مواطن ومواطنة ومن مختلف الأعمار والكفاءات والاختصاصات والمهن والحرف ومجموعة كبيرة من المثقفات والمثقفين اليهود. وأهمية نشر وتقديم الكتاب بمحاضرة أو محاضرات لاحقة في دول أخرى تبرز في ما يتعرض له المسيحيون والمندائيون في العراق، إضافة إلى جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق أبناء شعبنا الكردي والعراق، بحق الإيزيديين وأتباع الديانات الأخرى. وبأمل تحصين شعب العراق ضد هؤلاء المتطرفين الذين يسعون إلى إلغاء وجود هذا الموزاييك العراقي الجميل وتشويه اللوحة الرائعة باقتطاع أجزاء أخرى من اللوحة، أي بإلغاء وجود أتباع ديانات أخرى غير المسلمين في العراق، تماما كما حصل مع يهود العراق!
لقد مرَّ يهود العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 حتى منتصف السبعينيات من القرن العشرين بست مراحل متباينة يمكن بلورتها فيما يلي:
المرحلة الأولى: تمتد هذه المرحلة من العام 1921 حتى العام 1933، أي بين ارتقاء فيصل الأول عرش العراق ووفاته الغامضة في سويسرا في العام 1933.
تمتع يهود العراق في هذه المرحلة بحياة هادئة وهانئة ومشاركة نشطة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي النشاط السياسي في ظل دولة ملكية ذات دستور ديمقراطي وملك كان حريصاً على التعامل مع أبناء الشعب بالمساواة، بالرغم من وجود العراق تحت الانتداب البريطاني حتى العام 1932، والتخلف الشديد الذي ساد المجتمع وهيمنة الأوضاع والأجواء العشائرية والدور البارز للمؤسسات والمرجعيات الدينية وشيوخها. ولم يحصل في هذه الفترة أي اعتداء أو تجاوز فظ على يهود العراق، بل شاركوا بفعالية كبيرة في تأسيس المدارس الحديثة واحتضان تلاميذ من مختلف الديانات والمذاهب، وتشكيل منظمات وجمعيات المجتمع المدني واحترام الهيئة الدينية الموسوية وحاخامها والتمتع بالحرية الدينية وصدور قانون يرسي دعائم لأتباع هذا الدين وأتباع بقية الديانات والمذاهب. ورغم بروز نشاط قومي متطرف (صهيوني) لمجموعة صغيرة من يهود العراق وبشكل رسمي، فأن هذا النشاط والدعوة لهما لم يكسبا أي قاعدة له في أوساط يهود العراق.
لقد ساهم يهود العراق بدور بارز وكبير في مجالات عديدة في حياة الشعب العراقي نشير إلى البرز منها:
** في الاقتصاد عموماً ولاسيما في التجارة الخارجية (الاستيراد) وفي التجارة الداخلية؛
** العمل في وظائف الدولة في حقول التشريع (القضاء) وفي الإدارة العامة للمؤسسات التابعة للدولة كالموانئ والسكك الحديد والجمارك ومصفى النفط والبرق والبريد وغيرها وفي الحياة السياسية. وكان لهم بشكل خاص دور بارز في صياغة الذهب وفي سوق البزازين (القماش)؛
** في مجال الموسيقى والغناء حيث برز أفضل وأكثر الموسيقيين والمغنيات والمغنيين من الأوساط اليهودية العراقية؛
** في المحاسبة والبنوك والصيرفة وفي بدايات انشاط التأمين؛
** وكان لليهود دور بارز في الصحافة الوطنية وفي الإبداع الثقافي كالشعر والقصة والمقالة ونشر الثقافة وتأسيس المطابع. وكان أنور شاؤول (1904 – 1984م) أول من رفع شعار فصل الدين عن الدولة بالعراق ووضع في صدر صحيفته "الحاصد" في العام 1932 شعار "الدين لله والوطن للجميع"، بعد أن كان سعد زغلول قد رفعه بمصر في أوائل العشرينات من القرن العشرين.
لقد شكل يهود العراق جزءاً أصيلاً من المجتمع العراقي وفاعلاً حيوياً فيه، ولم ينعزل عن بقية أتباع الديانات والمذاهب في "گيتوات" خاصة به، بل كان في سكنه في مناطق عديدة من بغداد مثلاً ومعه عاش المسيحيون والمسلمون، من سنة وشيعة. وكانت تركيبة المجتمع اليهودي لا تختلف عن تركيبة بقية المجتمع من الناحية الاجتماعية أو الطبقية، فكان هناك بعض كبار الملاكين والتجار الكبار والبرجوازية المتوسطة والبرجوازية الصغيرة، ولاسيما المثقفون والحرفيون، ثم العمال، وكذلك الفلاحون المعدمون الذين كانوا يعملون في أراضي الأغوات الكرد، وخاصة بإقليم كردستان العراق، والباعة الجوالة والفقراء الذين كانوا يعانون من شظف العيش، كالغالبية العظمى من شعب العراق حينذاك. ولا بد من الإشارة إلى أن ببغداد مثلاً تعانقت جوامع أو مساجد المسلمين مع كنائس المسيحيين وكُنس اليهود، وفي مدن أخرى وجد المندي بجوار المسجد. وحصلت زواجات بين أتباع الديانات العديدة بالعراق أيضاً. كان هناك شكل من اشكال الاعتراف المتبادل بوجود هذه الديانات وحقها في ممارسة طقوسها الدينية وحياتها الخاصة إلى جانب حياتها العامة فيما بين جميع أتباع الديانات والمذاهب. ولا يشك الإنسان المقارئ للتاريخ عن احتمال وجود نظرة تمييزية مستترة غير مكشوفة تماماً لدى بعض الجماعات المتدينة بشكل خاص.
والحالة الوحيدة التي تظاهر فيها العراقيون في هذه الفترة، ولم تكن ضد يهود العراق، بل شارك يهود بغداد فيها، كانت حين قام الوزير البريطاني والداعية الصهيوني المعروف السير ألفريد مورتس موند Alfred Moritz Mond (1868-1930م) في العام 1928 بزيارة للعراق بدعوة من الملك فيصل الأول. [أنظر: الراوي، عبد اللطيف د. عصبة مكافحة الصهيونية بالعراق 1945-1946. دار وهران. الجزائر. 1986. ص 12].
وقد جاء في نص تقرير دار الاعتماد البريطاني ببغداد حول هذه الزيارة ما يلي: "اللورد الفريد موند معاضد للحركة الصهيونية زار العراق في أوائل شباط وقبل ذلك قام برحلة إلى فلسطين وحصل على اطلاع تام على أعمال الصهيونية، غير أن زيارته للعراق كانت تعود دراسة الأحوال الزراعية والوقوف على عدم إمكان أو تحسين الزراعة بالإكثار من السماد الكيماوي لها" [ أنظر: كورية،يعقوب يوسف. يهود العراق. ط 1. منشورات الأهلية. لبنان. 1998. ص 110]. وكان هذا غطاء مهلهل للدعوة المذكورة.
• انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية حول المرحلة الثانية من مقالة "يهود العراق والمواطنة المنتزعة ثانية".

المرحلة الثانية (1934- 1941)
الحلقة الثانية
حصل العراق في العام 1932 على قرار بإنهاء الانتداب البريطاني ودخوله عضواً في عصبة الأمم، بعد أن كانت بريطانيا قد أنهت وضع الدستور العراق في العام 1925، وانتهت قبل ذاك من التوقيع على اتفاقية منح امتياز النفط لشركات البترول الاحتكارية الدولية في العام 1924، ومن ثم التوقيع على معاهدة 1930، التي منحت بريطانيا حق استخدام قاعدتين عسكريتين في سن الذبان (الحبانية) والشعيبة (البصرة) وبضمنها البرتوكولات الملحقة بها، والتي اعتبرت مخلة باستقلال وسيادة العراق. ومن الجدير بالذكر أن عصابات الأمم قد اشترطت على العراق التعامل الإنساني الملزم مع الأقليات بروح الاعتراف بحقوقها ورعايتها، كما في الموقف من القضية الكردية مثلاً، والتي لم تلتزم بها الحكومات العراقية المتعاقبة في العهد الملكي.
وفي العام 1933 توفى الملك فيصل الأول في ظروف غامضة بجنيف-سويسرا. وكان قبل ذاك قد نصب الأمير غازي نائباً عن الملك في فترة غيابه، ثم نصب ملكاً على العراق في عام وفاة فيصل الأول. لقد وقعت في العام 1933 مجزرتين بشعتين نفذهما رئيس الوزراء رشيد عالي الگيلاني، ووزير الدفاع جعفر العسكري ووزير الداخلية ناجي شوكت وقائد العمليات العسكرية بكر صدقي العسكري، ضد الآشوريين في موقع ديرابون على الحدود العراقية السورية أولاً وفي بلدة سميل في سهل نينوى ثانياً. وقد حصدت الثانية أرواح عدد كبير من النساء والرجال والأطفال قدر بـ 600 شخص من جانب بريطانيا و3000 شخص من جانب الآشوريين كما دمرت 65 قرية من مجموع 97 قرية أشورية. وقد عرفت بكونها من المجازر الدموية والإبادة الجماعية ضد الأشوريين، وكانت عملية ذات مضمون شوفيني وانتقام عدواني ضد الآشوريين. وفي العام 1935 قاد بكر صدقي العسكري معركة أخرى في الفرات الأوسط ضد العشائر المنتفضة حينذاك. وإذ حصلت الأولى في عهد فيصل الأول حين كان في سويسرا وكان الأمير غازي نائباً عنه، وحظيت بعدم رضا الوالد، فأن الثانية حصلت بعد أن أصبح غازي ملكاً على العراق.
لقد تميز الملك الشاب غازي الأول بروح قومية عربية وبعداء واضح ضد الدولة البريطانية ووجود الإنكليز بالعراق، وكان يسعى إلى "استعادة" الكويت لتكون ثانية جزءاً من ولاية البصرة، كما كانت في العهد العثماني. وقد نصب إذاعة خاصة به في قصر الزهور ببغداد كان يذيع منها رؤيته بشأن الكويت وغيرها من القضايا التي آمن بها وعمل لإنجازها. وخلال هذه الفترة اقترب من بكر صدقي العسكري الذي كان يتفاعل بشكل ما مع الاتجاهات القومية العربية، رغم إنه كان كردي القومية. وليس هناك ما يؤكد اعتناقه للفكر القومي المماثل للفكر النازي، رغم اقترابه من القادة العسكريين القوميين في القوات المسلحة العراقية واستقباله للوزير الألماني فرتس گروبة. وفي عهده أقدم ارشد العمري، وزير الاقتصاد والمواصلات، في العام 1934، وبموافقة الحكومة العراقية ورئيسها علي جودت الأيوبي، على فصل 150 موظفاً في وزارته من يهود العراق بذريعة النشاط الصهيوني. [ممارسة السيد ارشد العمري وزير الاقتصاد والمواصلات حين أقدم في العام 1934، وبموافقة الحكومة العراقية، على فصل 150 موظفاً في وزارته من يهود العراق بحجة النشاط الصهيوني . [أنظر: عبد الله، سعد سلمان. النشاط الصهيوني اليهودي بالعراق. مصدر سابق. ص 141. - أنظر أيضاً: السوداني , صادق حسن. النشاط الصهيوني بالعراق 1914-1952. منشورات وزارة الثقافة والإعلام-الجمهورية العراقية, سلسلة دراسات 206. بغداد 1980. ص 84/85. – أنظر أيضاً: عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء الرابع، ص 29].
وكان أرشد العمري من اشد المعادين لليهود من منطلق إيديولوجي مناهض للسامية. وكان أرشد العمري من اشد المعادين لليهود من منطلق إيديولوجي مناهض للسامية. وكانت أولى العلامات الفارقة بين سياسة فيصل الأول وسياسة غازي الأول، أي العداء المستتر لليهود والتي نفذها رئيس الوزراء ووزير مواصلاته حينذاك. وفي عهد الملك غازي الأول برز نشاط واسع للوزير المفوض الألماني الدكتور فرتس گروبة بتنشيط الفكر والدعاية النازية المعادية لليهود بألمانيا والعراق. واقترن نشاطه الواسع مع تأسيس نادي المثنى بن حارث الشيباني القومي النزعة والتوجه الفكري والسياسي في العام 1935. ونشأ تعاون وثيق بين الوزير المفوض الألماني ونادي المثنى عبر ثلاثة أساليب: 1) تقديم المحاضرات من محاضرين ألمان في النادي، 2) توزيع النشرات والكتب الألمانية عبر النادي، 3) تنظيم زيارات للشبيبة والفتوة العراقية إلى المانيا.
وكان قبل ذاك قد نشط يونس بحري بعد أن زار ألمانيا في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين وقبل وصول هتلر إلى السلطة، واتفق مع الفريد گوبلز، وزير الدعاية الألماني لاحقاً، بإصدار جريدة "العُقاب" ببغداد. وقد تم هذا فعلاً، وكانت بوقاً صارخاً للدعاية النازية ومؤيداً لغازي في توجهه القومي العربي، كما أصبح فيما بعد مذيعاً في إذاعة الملك غازي الأولى الخاصة، ثم في العام 1935 مسؤولاً عن إذاعة ألمانية العربية وعضواً في الحزب النازي وعضواً في جهاز الغستابو برتبة ملازم وكان اسمه يوهانس بحري. [أنظر: Source: Re--print--ed from The Journal of Historical Review، vol. 19، no. 1، p.32] وكان مسؤولاً عن الجواسيس الألمان العرب بالدول العربية.
بعد توقف ثورة الشعب الفلسطيني في الفترة 1936 - 1939 وعجزها عن تحقيق الأهداف المنشودة، بسبب دور بريطانيا وسياستها في تأييد هجرة يهود العالم إلى فلسطين، وصل إلى العراق الحاج محمد أمين الحسيني مفتي القدس وبدأ يعمل مع المجموعة القومية، وبضمنهم رشيد عالي الگيلاني ويونس السبعاوي، الذي قام بترجمة ونشر كتاب كفاحي لهتلر، والعقداء الأربعة [صلاح الدين الصباغ، فهمي سعيد، محمود سلمان وكامل شبيب]، ومحمد علي محمود، داود السعدي، محمد حسن سلمان وعثمان حداد وصديق شنشل وغيرهم وبالتعاون الوثيق مع ساطع الحصري، وتم تأسيس "حزب الشعب" سرياً وترأسه كل من رشيد عالي الگيلاني والمفتي.
خلال هذه الفترة نشطت الجماعات القومية المعادية للصهيونية والوجودالانگليزي بالعراق وضد اليهود على نطاق واسع وبدأ التحرش الواضح ضد اليهود في الشوارع وضد تلاميذ المدارس الابتدائية والمتوسطة وتوقف تعيين اليهود عملياً في وظائف الدولة. وفي العم 1939 توفى الملك غازي الأولى في حادث سيارة غامض، اتهمت فيه السفارة البريطانية وحلفاء بريطانيا العراقيين بقتله.
بدأ حزب الشعب الذي تأسس في العام 1940 يعمل على تسلم الحكم بأي وسيلة ممكنة، ولكنه توجه أساساً صوب تنظيم انقلاب عسكري ضد الحكومة القائمة، لاسيما وأن نفوذ القوميين العرب قد تعزز في السياسة العراقية بعد فشل انقلاب الفريق بكر صدقي العسكري واغتياله بالموصل، حين كان يرمي القيام بزيارة إلى تركيا. وقد تم القتل بتدبير من السفارة البريطانية وبالتعاون مع حكام العراق وانتقاماً لترتيب اغتياله للفريق جعفر العسكري.
لقد تسنى لحزب الشعب والعقداء الأربعة القيام بانقلاب عسكري في الأول من شهر مايس/أيار 1941، وهروب أركان الحكومة من بغداد، وكذلك الوصي على عرش العراق عبد الإله بن علي (1913 -1958م)، خال الملك الطفل فيصل الثاني (1935 -1958م). إلا إن القوات العراقية دخلت بمعركة مع القوات البريطانية، ومعها قوات الليفي التابعة للقوات البريطانية (1915 – 1955م) وانتهت باندحارها أمام القوات البريطانية في 30/31/ حزيران/يونيو 1941، حيث هربت اركان الحكومة والعقداء الأربعة، ومنهم رشيد عالي الگيلاني والمفتي ويونس السبعاوي، وزير المالية والذي أطلق على نفسه في حزب الشعب اسم "فرهود". وكانت القوات البريطانية قد وصلت أطراف بغداد (الكرخ) ولم تدخلها، بعد أن تشكلت هيئة مؤقتة للحفاظ باسم لجنة الأمن الداخلي تحت رئاسة أرشد العمري على الأمن والاستقرار. إلا أن هذه الهيئة لم تمارس واجبها الملزم بالحفاظ على أمن سكان بغداد، ومنهد اليهود. ففي يومي الأول والثاني من شهر حزيران/ يونيو 1941 توجهت مجموعات من فدائيي يونس السبعاوي، وهي منظمة شبه عسكرية شكلها حزب الشعب والحكومة لصالح الدفاع عن يونس والنظام الجديد، ومعه جمهرة من الجنود المحبطين والخائبين الذين عادوا من معركة خاسرة مملوئين حقداً وكراهية للانگليز وبعض أفراد الشرطة العراقية، إضافة إلى جماعات من الريفيين وأبناء العشائر المحيطة ببغداد، توجهوا لأنزال جام غضبهم على يهود العراق، وكأنهم المسؤولين عما حصل للجيش العراق والانقلاب المناهض لبريطانيا. فوعت في هذين اليومين مجزرة رهيبة وعدوان شرس يمكن اعتباره محاولة جادة لإبادة جماعية ضد يهود بغداد، علماً بأنه قبل ذاك قد حصل فرهود مماثل ضد اليهود بالبصرة، ولكن لم يقتل فيها أحد، كما إن الكثير من المنهوبات قد أعيدت لأصحابها بفعل تضامن أهل البصرة مع المواطنات والمواطنين اليهود. وفي الآونة الأخيرة "أعلن مدير معهد الأبحاث في مركز تراث يهود العراق، الدكتور تصفي يهودا، عن أسماء 145 طفل رجل وامرأة من قتلى الفرهود التي جمعها خلال ثلاثين عاما من شهادات أقرباء المقتولين". [أنظر: مركز الرافدين للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أقسام الدراسات" بحوث ودراسات ثقافية، يهود العراق ومؤلفاتهم باللغة العبرية،أ. د. شموئيل موريه". وقد أطلق على هذه العملية الإجرامية بـ "نكبة فرهود اليهود". وتشير الكثير من المصادر إلى أن القوات البريطانية لم تتدخل لوقف نزيف دم اليهود، رغم كونها كانت قادرة على إيقاف المجزرة، ولم يستجب السفير البريطاني كينهان كورنواليس ببغداد لنداءات الاستغاثة. [أنظر: المصدر السابق نفسه ومصادر كثيرة أخرى].
ومن المحزن والمخزي أن نشير هنا إلى إن مجموعة من العنصريين المعادين لليهود وبعض الجهلة والأميين من مستويات منخفضة في وعيها السياسي والاجتماعي والثقافي كانت تردد الأقوال القبيحة والعدوانية التالية:
حلو الفرهود كون أيصير يومية"
" حلو الفرهود كون ايصير يا خاله"
" أذاني أطرشت من كسر القفاله"
" حلو الفرهود كون أيصير يا عمه"
" أنظر على الشباب اشلون ملتمه".
"حلو الفرهود كون أيصير يومية"!!!
لقد تضافرت كل العوامل السابقة لتنتج هذه الحصيلة المرة لا بالنسبة لليهود فحسب، بل ولكل الشعب العراقي، إذ كانت الأساس الذي بني عليه ما حصل لاحقاً وفي المراحل اللاحقة.



المرحلة الثالثة (1942 - 1947)
الحلقة الثالثة
لقد هزَّت هذه الفاجعة المريعة الوضع النفسي وأعصاب يهود العراق ووضعتهم جميعاً أمام محنة جديدة ذات أبعاد خطيرة، وأمام سؤال صعب هو، وماذا بعد هذه الأحداث؟ لقد كانا يومان بشعان أتيا على علاقة اجتماعية وإنسانية مديدة، رغم مرورها بمصاعب ومشكلات وتجاوزات جمة على مدى تاريخ العراق منذ وصول اليهود الأسرى إلى بلاد ما بين النهرين مروراً بالدولة الفرثية والساسانية ودخول الإسلام إل هذه البلاد وفي الإمبراطوريات الأموية والعباسية والدويلات التي نشأت قبل نشوء الإمبراطورية العثمانية والدولة الفارسية في فترة حكم الصفويين، إلى احتلال العراق من قبل البريطانيين وقيام الدولة العراقية الملكية. لقد أحس اليهود بأن حياتهم بالعراق ستواجه المزيد من المصاعب والانتهاكات. ولكن عودة النظام الملكي إلى البلاد ثانية واستتباب الأمن ومواجهة مخلفات فترة الانقلاب وعواقبه، بدأ المواطنون اليهود يستعيدون وضعهم الطبيعي ويمارسون أعمالهم في مختلف المجالات ولاسيما في الاقتصاد والتجارة والحياة الفنية وتأسيس مدارس جديدة. وحين انتهت الحرب العالمية الثانية انتعشت الحياة الديمقراطية بالعراق تناغماً مع النصر على النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية، وبرزت قوى وأحزاب جديدة علنية وسرية، وتشكلت منظمات مجتمع مدني، كما برزت في الحياة العامة نشاطات متباينة بعضها معادٍ لليهود تمارسه القوى القومية العربية، لاسيما حزب الاستقلال، ونشاط مدافع عن اليهود تجلى في مواقف الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وكثرة من مثقفي العراق.
وفي ذات الفترة برز نشاط أوسع لعناصر قومية متطرفة (صهيونية) حاولت بكل السبل أن تستثمر فاجعة الفرهود ضد اليهود لتؤكد لليهود أن لا مستقبل لهم بالعراق وأن عليهم مغادرة العراق. ولكنها لم تجد تجاوباً واسعاً ولم تحصل هجرة واسعة بل مهاجرين قلة عبر إيران. ومقابل هذا النشاط الصهيوني ونشاط القوى القومية العربية المتطرفة، دعا الحزب الشيوعي إلى تشكيل منظمة مناهضة للصهيونية أطلق عليها " عصبة مكافحة الصهيونية" التي أسسها الحزب الشيوعي العراق وقادها كوارد شيوعية مثل رئيس العصبة الأستاذ هارون يوسف زلخة، وسكرتيرها العام المناضل يعقوب مصري، ومديرها المسؤول القيادي الشيوعي محمد حسين أبو العيس، التي قامت بنشاطات كثيرة منها المحاضرات والندوات وإصدار الكراسات التي تندد بالصهيونية وأهدافها. وفي البداية ايدها نوري السعيد، ولكنه حاربها بعد أن تم الاتفاق على خطة عدوانية ضد الوجودي اليهودي بالعراق.
لقد امتدت هذه الفترة من عام 1942 حتى العام 1947 وتميزت بالإيجابية والنشاط السياسي الحيوي ليهود العراق ضمن الأحزاب الوطنية العراقية، ولاسيما الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي، وفي الصحافة العراقية والنشاط الثقافي والأدبي العام، ولكنها اقترنت بظواهر سلبية ايضاً ومحاولات جادة لإلحاق الأذى باليهود وتنكيد عيشهم ونشاطهم من جانب جماعات قومية ورجعية صغيرة.
من يتابع دور اليهود في الحياة التجارية العراقية سيجد أن كان لليهود الدور البارز والرئيسي في التجارة وفي عدد التجار وحجم التعامل التجاري وفي تبوء اليهود المواقع الأساسية في غرفة تجارة بغداد. ويمكن للجدول التالي توضيح عدد اليهود في الهيئات الإدارية لغرفة تجارة بغداد بين 1935 – 1951:
عدد التجار اليهود في الهيئة الإدارية لغرفة تجارة بغداد
السنة العدد الإجمالي لأعضاء الهيئة
(1) عدد الأعضاء اليهود
فيها
(2) نسبة %
اليهود
1935-1936 20 12 60
1939-1940 20 9 45
1940-1941 21 10 47,6
1941-1942 21 10 47,6
1946-1947 19 10 52,6
1950-1951 19
7
ثم تقلص العدد إلى 4 36,8
21,1

وخلال هذه الفترة برز بالعراق مجموعة مميزة من الأطباء اليهود البارعين والصحفيين المميزين وكتاب القصة والشعر والأغنية العراقي وكثرة من الموسيقيين العازفين والملحنين وعدد كبير من المغنين والمغنيات المبدعات. واحتل بعضهم مواقع قيادية في الحزب الشيوعي العراقي، منهم على سبيل المثال لا الحصر ساسون دلال ويهودا صديق يهودا، وقد أعدما في العام 1949 في فترة إعدام يوسف سلمان يوسف (فهد) وزكي بسيم وحسين محمد الشبيبي، إضافة على العشرات من المناضلات والمناضلين اليهود الذين زج بهم في السجون لنشاطهم في الحزب الشيوعي العراق، كما كان هناك صحفيون مرموقون مثل السادة أنور شاؤول، سليم البصون، مير بصري، والسيدات استرين إبراهيم، فهيمة إبراهيم حييم، ماتيلدا يوسف داود، رني طويق، إيلانا بصري مارسيل طويق، مليحة أسحيّق ومريم الملا.
وكان أول مناضل عراقي سقط في مظاهرة 28 حزيران 1946 ببغداد هو الشهيد الشيوعي الشاب شاؤول طويق بأيدي شرطة النظام الملكي العراقي التي استخدمت الحديد والنار لتفريق المظاهرة السلمية.


المرحلة الرابعة (1947 - 1958)
الحلقة الرابعة
ما أن تنفس يهود العراق هواءً نقياً في الأجواء الاجتماعية العراقية وعودة الصفاء نسبياً إلى علاقات الناس الطبيعية بعيداً عن التمييز الديني نسبياً، رغم استمرار فعل الأحداث الأليمة والخانقة لفاجعة الفرهود في ذاكرة اليهود حية وحاضرة دوماً، حتى صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 بتاريخ 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، أي بعد 30 عاما و27 يوماً من صدور وعد بلفور في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917. وفي أوائل كانون الأول/ديسمبر قررت الدول العربية المجتمعة في القاهرة رفض القرار والدخول في حرب ضد إسرائيل في العام 1948. ومع إعلان قرار تقسيم فلسطين إلى ثلاثة كيانات، إسرائيل، وفلسطين، والقدس، ووضعها الأخيرة تحت الوصاية الدولية، حتى بدأت النشاطات المناهضة لليهود بالعراق وفي بقية الدول العربية. وصدرت قرارات مجحفة من جانب الحكومة العراقية، بما فيها إبعادهم من الوظائف الحكومية ومنع قبول الطلبة اليهود في الجامعات والمعاهد العراقية، ومنعهم من السفر والتضييق على نشاطاتهم الاقتصادية والتجارية إلى حدود بعيدة، والتحرش بهم في المدارس والشوارع وفي محلات العمل والإساءة لهم بكل السبل المتوفرة. كما حصلت مظاهرات منددة بإسرائيل ويهود العراق وكأن يهود العراق هم المسؤولون عما أطلق عليه بـ"نكبة" فلسطين. وقد منع الحكام ببغداد والقضاء العراقي "عصبة مكافحة الصهيونية ومنعوا صدور جريدتها "العصبة ونشاطاتها وفعاليات مثل الندوات والاجتماعات العام، وقدمت هيئة إدارة العصبة إلى القضاء العراقي وحكم عليهم بالحبس مدداً متفاوتة بذريعة إن معنى عصبة مكافحة الصهيونية هو تأييد الصهيونية لا غير، وكان قراراً بائساً ومضحكاً في آن واحد. وحين كان الحزب الشيوعي العراقي يدافع عن يهود العراق كان يتهم بأنه صديق الصهيونية كذباً وزورا.
ورغم هذا الجو الخانق واصل يهود العراق نشاطهم في فتح المدارس الجديدة والمشاركة في الحياة العامة وفي الحياة السياسية العراقية، ولاسيما في الحزب الشيوعي العراقي وفي الحزب الوطني الديمقراطي، وفي الإعلام والصحافة العراقية. وقد القي القبض على الكثير من الكوادر الشيوعية وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي من اليهود وزجوا في السجون لمدد طويلة. وفي ذات الفترة بدأ بعض يهود العراق يحاولون الخروج من العراق تفادياً لاحتمالات حصول فراهيد جديدة كما حصل في العام 1941 بالبصرة وبغداد. إلا إن العدد كان محدوداً. وخلال هذه الفترة برزت ظاهرة التفجيرات بقنابل صغيرة في مناطق مختلفة من بغداد اتهم فيها مجموعة من أتباع الصهيونية وعملاء في الموساد الإسرائيلي العاملين بالعراق أرسلوا أو انتدبوا خصيصاً لهذه الأفعال الإجرامية، بهدف نشر الخوف والرعب في صفوف اليهود ودفعه للهجرة إلى إسرائيل. وقد تم إلقاء القبض على بعض من هؤلاء وقدموا على المحاكمة، كما نشر بعض هؤلاء سيرة حياتهم في الموساد وأشاروا إلى دورهم في ذلك. وفي ذات الوقت اشير إلى أن عدداً من الأشخاص من الجماعة القومية العربية المتطرفة المعادية لليهود قد ارتكبوا مثل هذه الجرائم أيضاً لتحقيق ذات الهدف، أي لدفع اليهود إلى ترك العراق. وفي اعقاب هذه الحالة ارتفع عدد الراغبين في الهجرة، ولكنه كان محدوداً جداً والغالبية العظمى كانت إلى جانب البقاء بالعراق ولم تفكر في الهجرة، رغم تفاقم العداء والتضييق الشديد على اليهود وتحويلها إلى جحيم لا يطاق. وتجدر هنا الإشارة إلى أن إعدام رجل الأعمال اليهودي العراقي شفيق عدس بالبصرة في 23/9/1948 بتهمة تصدير مخلفات الحديد للقوات البريطانية في البصرة إلى إسرائيل عبر إيران وتعليق حثته عل عمود الشنق، دون اعتقال شريكيه المسلمين في التهمة، اعتبر انتقاماً ضد خسارة القوات العربية في الحرب ضد إسرائيل، مما اثار رعب اليهود بأنهم جميعاً مرشحون لمثل هذه التهم والأعمال الانتقامية. [رفعة عبد الرزاق محمد، حدث في مثل هذا اليوم: إعدام شفيق عدس، جردية المدى، العدد 2899، في 22/9/2013].
في هذه الفترة كان مطبخ التآمر الدولي على يهود العراق ويهود الدول العربية كما انفك يعمل بجدية وحماس كبيرين لدفع اليهود على الهجرة إلى إسرائيل، وكأنهم كانوا يريدون إفراغ الدول العربية منهم، وتعزيز إسرائيل بهم وبكفاءاتهم المعهودة والمعروفة. وأحد تلك المطابخ كان يعمل بالعراق حيث تم الاتفاق، كما تشير إلى ذلك تسلسل الأحداث، بين بريطانيا وإسرائيل والعراق عبر سفارة المملكة المتحدة بالعراق، وبدعم من الولايات المتحدة، على إصدار قانون يسمح لليهود بالهجرة النهائية من العراق، أي إسقاط الجنسية العراقية عنهم. وقد صدر هذا القانون بنصه التالي:
قانون رقم (1)
قانون ذيل مرسوم اسقاط الجنسية العراقية رقم 62 لسنة 1933
الوقائع العراقية - رقم العدد: 2816 | تاريخ: 09/03/1950 | عدد الصفحات: 2 | رقم الصفحة: 1
بموافقة مجلسي الأعيان والنواب أمرنا بوضع القانون الآتي : -
المادة الأولى – لمجلس الوزراء أن يقرر [اسقاط] [الجنسية] العراقية عن اليهودي العراقي الذي يرغب باختيار منه ترك العراق نهائيا بعد توقيعه على استمارة خاصة أمام الموظف الذي يعينه وزير الداخلية.

المادة الثانية – اليهودي العراقي الذي يغادر العراق أو يحاول مغادرته بصورة غير مشروعة تسقط عنه [الجنسية] العراقية بقرار من مجلس الوزراء .
المادة الثالثة – اليهودي العراقي الذي سبق ان غادر العراق بصورة غير مشروعة يعتبر كأنه ترك العراق نهائيا اذا لم يعد اليه خلال مهلة شهرين من نفاذ هذا القانون وتسقط عنه [الجنسية] العراقية من تاريخ انتهاء هذه المهلة .
المادة الرابعة – على وزير الداخلية أن يأمر بإبعاد كل من أسقطت عنه [الجنسية] العراقية بموجب المادتين الأولى والثانية ما لم يقتنع بناء على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق موقتا أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية أو حفظ حقوق الغير الموثقة رسميا .
المادة الخامسة – يبقى هذا القانون نافذا لمدة سنة من تاريخ نفاذه ويجوز انهاء حكمه في أي وقت خلال هذه المدة بإرادة ملكية تنشر في الجريدة الرسمية.
المادة السادسة – ينفذ هذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية .
المادة السابعة – على وزير الداخلية تنفيذ هذا القانون .
كتب ببغداد في اليوم الخامس عشر من شهر جمادي الأول سنة 1369 واليوم الرابع من شهر مارت سنة 1950 .
عبد الاله
صالح جبر توفيق السويدي
وزير الداخلية رئيس الوزراء
)نشر في الوقائع العراقية عدد 2816 في 9 - 3 – 1950(

وفي فترة لاحقة صدر قانون آخر شمل من ترك العراق من اليهود بصورة مشروعة ولم يعد بعد 3 أشهر إلى العراق، يعتبر قد ترك العراق وتسقط عنه الجنسية، واستثنى من ذلك من تأخر عن العودة لأسباب مرضية أو دراسية. ألغى عبد الكريم قاسم هذا القانون أيضاً، إلا إن عبد السلام عارف قد أعاد العمل بباقانونين.

لقد كان هذا القانون جريمة بشعة بحق العراق وشعبه، كان القشة التي قصمت ظهر البعير. لقد بدأ العد الفعلي للهجرة الجماعية ليهود العراقي إلى قبرص، ومنها إلى إسرائيل أو إلى دول أوروبية غربية أو إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا. كما إن القانون وصمة عار في جبين من صادق عليه في مجلسي النواب والأعيان والوصي عبد الإله ورئيس الوزراء توفيق السويدي ووزير الداخلية صالح جبر، وكل من وافق عليه وساند إصداره. وقد لعبت دوائر التحقيقات الجنائية والشعب الخاصة التابعة لها في الألوية والمدن العراقية وأجهزة الدولة الأخرى والقوى القومية والعناصر الرجعية دوراً كبيراً في تنشيط الهجرة بأعمال دعائية واعتقالات مريبة وتضييق الخناق، مما أدى إلى ارتفاع عدد المهاجرين خلال الفترة الواقعة بين 1950 – 1951 إلى 112 ألف مهاجر تقريباً، حيث حط الرحال أكثر من 95% منهم بإسرائيل. وتشير المعلومات إلى أن توفيق السويدي قد حقق له مكاسب مهمة عن كل شخص يستقل طائرة الهجرة باتفاق مع شركة النقل الأمريكية، إضافة إلى ما تم من سلب ونهب للأموال المنقولة لليهود المهاجرين، وكذلك الكثير من الأموال غير المنقولة كدور السكن ومحلات العمل...الخ، بعد صدور قانون تجميد أموال اليهود في سنة 1951.
لقد سجل هذا القانون الظالم كارثة حقيقية لليهود وللشعب العراقي، خسارة فادحة لهم وللشعب في آن واحد، هم خسروا العراق والعراق خسرهم، إذ فقد أحد مكونات شعبه الأساسية، يهود العراق، الذين عاشوا فيه ومع بقية سكانه ما يقرب من 28 قرناً وساهموا في بناء حضارته في العهود القديمة وفي مراحل التاريخ اللاحقة وفي العهد الملكي لاسيما بين 1921-1951. ولم تقتصر الهجرة على يهود بغداد بل شملت يهود الوسط والجنوب وشمال العراق وكردستان العراق. ثم استمرت الهجرة ببطء لاحقاً حتى قيام انتفاضة الجيش العراقي في 14 تموز 1958 ومحاولة الشعب تحويلها إلى ثورة وطنية ديمقراطية بهدف تحقيقها جملة من المهمات الوطنية والديمقراطية.

المرحلة الخامسة (1958 - 1974)
الحلقة الخامسة
يشار إلى أن النظام الملكي بالعراق كان شبه مدني، شبه علماني، مع وجود مظاهر واضحة للتمييز بين أتباع القوميات والديانات والمذاهب. ومع مرور الزمن فقد الكثير من طابعه المدني والديمقراطي الذي تميز به في الفترة الأولى من تأسيس الدولة العراقية وعلى وفق دستوره الديمقراطي. وتجلى ذلك في تشويهه للدستور وتزييف الانتخابات العامة وإصدار قوانين منافية للدستور وحرية الرأي والعقيدة والتنظيم والتظاهر والتجمع التي نص عليها. كما حافظ على علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية والتحالف غير المتكافئ مع الدولة البريطانية وممارسة سياسة غير حيادية بين المعسكرين ولاسيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان الفقر شديداً والبطالة واسعة والسجون مليئة بالمناهضين لسياسات النظام الملكي وحكوماته المتعاقبة. وقد أدى ذلك إلى تحرك شعبي واسع مناهض للحكم الملكي وحكوماته وحصلت العديد من الوثبات والانتفاضات لاسيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كما في أعوام 1948 و1952 و1956. وقد حرك هذا الأحزاب السياسية العراقية التي شكلت جبهة الاتحاد الوطني، كما تحركت تنظيمات الضباط الأحرار لتعلن الانتفاضة على الملكية وإسقاطها في 14 تموز/يوليو 1958. وقد اقترنت بالعنف النسبي حين قتل عدد من أفراد العائلة المالكة، منهم الملك الشاب فيصل الثاني وخاله الأمير عبد الإله بن علي الوصي على العرش وبعض الأميرات، الذي لم يكن في كل الأحوال ضرورياً، إذ كان بالإمكان نفيهم خارج الوطن. ولعبت المرارات السابقة والغضب والجهل وروح الانتقام البدائية دورها في ذلك.
أعلنت الجمهورية بالعراق واتخذت خطوات سياسية ديمقراطية عامة على الصعيدين الداخلي والدولي في أجواء احتفالية شعبية كبيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر ألغاء حلف بغداد، والخروج من منطقة الإسترليني، وإصدار قانون الإصلاح الزراعي الديمقراطي، وإقامة العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد السوفييتي والعديد من الدول الديمقراطية الشعبية في أوروبا الشرقية، إضافة إلى إلغاء قانون إسقاط الجنسية ضد يهود العراق وتلك المادة التي كانت تشير إلى إسقاط الجنسية عن أي يهودي غادر العراق ولا يعود قبل نهاية ثلاثة شهور.
وإزاء من تبقى من يهود العراق أنهى النظام الجديد قانون إسقاط الجنسية لعام 1950 واتخذ إجراءات جديدة بما في ذلك السماح للطلبة اليهود بالدراسة في جامعة بغداد وفي المعاهد والكليات العراقية، والمشاركة في البعثات الدراسة في الخارج، وكذلك الحق في العمل في دوائر الدولة وفي النشاط الاقتصادي. واعتبر اليهود إن الثورة جاءت لإبقاء من تبقى من اليهود بالعراق وعدم الهجرة، إذ كان من تبقى لا يرغب بالهجرة فعلاً، ومنهم الحاخام ساسون خضوري ومجموعة من الكتاب البارزين والمميزين أنور شاؤل وسليم بصون ومير بصري وغيرهم. والمؤسف حقاً أن عبد الكريم قاسم قد ارتكب خطأ بحق اليهود حين أصر على إقامة برج باسمه في موقع مقبرة اليهود ببغداد. وقد أزيلت المقبرة فعلاً ولكن لم يبن البرج في مكانها إذ قد حصل الانقلاب ضد الجمهورية الأولي في 8 شباط/فبراير 1963. وكانت إساءة كبيرة ليهود العراق في موتاهم وقبورهم. لقد عاش يهود العراق فترة طيبة في أعقاب الثورة، اطلق عليها اليهود بالعهد الذهبي الثاني، إشارة إلى العهد الذهبي الأول في الفترة الملكية الأولى وخاصة في فترة وجود فيصل الأول على رأس الدولة العراقية الحديثة، ولكنها لم تدم طويلاً، إذ جاء انقلاب البعثيين-القوميين ليطيح بحكومة عبد الكريم قاسم ويشن حملة شعواء ضد الشيوعيين والديمقراطيين والمستقلين المؤيدين لعبد الكريم قاسم، كما تعرض يهود العراق إلى حملة مماثلة من جانب الحكم الجديد الذي استحق التسمية بكونه نظاماً فاشياً دموياً.

المرحلة الخامسة (1963 - 1974)
الحلقة السادسة والأخيرة
في 8 شباط/فبراير 1963 وقع انقلاب عسكري قاده البعثيون والقوميون العرب الناصريون بدعم مباشر من أطراف دولية ثلاثة أساسيين هم: الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإيران، إضافة إلى شركات النفط الاحتكارية التي ارعبها قاسم بإجراءاته النفطية وتشكيله منظمة الدول المصدرة للنفط، والسعودية وتركيا ودول الخليج العربي، ومن أطراف محلية حيث عقد التحالف السياسي بين القوى القومية والرجعية، ولاسيما قوى بقايا كبار الملاكين والكومبرادور التجاري والعقاريين، وكذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني. وتسلم البعثيون والقوميون السلطة ومارسوا مباشرة حمام دم رهيب ضد الشيوعيين والديمقراطيين وقادة ثورة 14 تموز، وفي مقدمتهم عبد الكريم قاسم، وقادة الحزب الشيوعي العراقي، وزح بعشرات الألاف من المناضلين في السجون والمعتقلات وفي قصر النهاية حيث فقد الكثير منهم تحت التعذيب الهمجي حياته. وتعرض اليهود في هذه الفترة القصيرة على المزيد من الأذى ايضاً.
وفي خريف العام 1963 حصل انقلاب قام به القوميون بقيادة عبد السلام محمد عارف ضد البعثيين وزج الكثير منهم في السجون. استمر هذا النظام حتى العام 1968 حيث وقع انقلاب بعثي جديد ضد حكومة عبد الرحمن محمد عارف. ولكن في خلال فترة حكم البعث حصلت حرب الأيام الستة في العام 1967 بين الدول العربية وإسرائيل والتي خسر فيها العرب هذه الحرب أيضاً. وقبل بدء الحرب وبعدها شنت حملات ظالمة ضد يهود العراق، سواء عبر الصحافة والتشكيك بوطنية اليهود وكونهم طابوراً خامساً لإسرائيل بالعراق، مما أدى إلى تحول حياتهم إلى جحيم لا يطاق. ورغم ذلك بقي الكثير منهم صامداً راغباً في البقاء في وطنه الحبيب، العراق.
وبعد انقلاب البعثيين الثاني بدأت مأساة جديدة لمن تبقى من يهود العراق. فالنظام البعثي لم يكن مناهضاً للقوميين اليهود المتطرفين، أي الصهاينة، بل كان مناهضاً لليهود أينما كانوا. ولهذا بدأ حكمه وبعد عام من وجوده في السلطة بتنظيم مجزرة رهيبة ضد 13 شخصاً من يهود العراق، تم إعدامهم وتعليقهم في ساحة التحرير ببغداد بتهمة التجسس لإسرائيل، وهم براء من هذه التهمة. وقد حشد البعث جماهير واسعة يصل عددهم إلى نصف مليون إنسان، منهم نسوة ليزغردوا فرحاً بارتكاب هذه الجريمة الجديدة. ثم كان قتل عائلة بكامل أعضائها، فيما عدا ثلاثة من أبناء العائلة كانوا خارج البيت، في العام 1973. فقد جاء في كتاب البروفيسور ساسون سوميخ الموسوم "بغداد أمس" بهذا الصدد ما يلي:
"حدثت هذه المصيبة حين داهم جنود أو رجال شرطة بيتهم وذبحوهم ذبح النعاج، الوالدين وأولادهم الثلاثة الذين كانوا معهم في البيت، وقد نجا الأولاد الثلاثة الآخرون بأعجوبة". (ص 150). وقبل ذاك كان قد نفذ البعثيون أحكاماً بالإعدام ضد يهود عراقيين بتهمة العمل لإسرائيل، كما قتل الكثير من المسلمين بتهمة العمل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا، وكل التهم كانت باطلة والأحكام ظالمة متعسفة." [أنظر: أ. د. ساسون سوميخ، بغداد أمس، ترجمة د. محمود عباسي (الكتاب بالأصل باللغتين العبرية والإنجليزية وترجم عن اللغة العبرية إلى العربية)، دار المشرق للترجمة والطباعة والنشر م. ض. – شفا عمرو/ إسرائيل، ص 150.].
وخلال الفترة الواقعة بين 1963-1975 تعرض يهود العراق إلى مضايقات وتجاوزات شديدة من جانب قوى الأمن العراقي وابتزاز مستمر وانتهاك فظ ومتواصل لحقق الإنسان، كما تم اعتقال الكثير من الأشخاص وقتلوا تحت التعذيب وأعلن عن كونهم هاربين من العراق، من بينهم بعض التجار الأغنياء لكي تتم السيطرة على أموالهم ونهبها! وحين حصلت الاعدامات في العام 1969 ومن ثم حادث العائلة الجبان في العام 1973 من جانب أجهزة الأمن، والاعتقالات والقتل تحت التعذيب، قرر الكثير ممن بقى من يهود العراق مغادرة البلاد، إذ لم يكن قد بقي منهم سوى 3300 نسمة تقريباً، إذ أدرك هؤلاء بأن العراق لم يعد آمناً لهم في كل الأحوال، مما أجبرهم على ترك العراق قسراً، منهم الشخصية الوطنية والشاعر المبدع والصحفي البارع أنور شاؤل والكاتب مير بصري والصحفي المميز سليم البصون وغيرهم، وكانوا على حق كبير، إذ كان النظام البعثي الفاشي قد قرر الإجهاز عليهم تدريجاً في واقع الحال.
لقد كانت نهاية المطاف لوجود اليهود بالعراق ولم يبق اليوم سوى مجموعة صغيرة لا يتجاوز عددها أصابع اليدين ومن كبار السن. كما أغلق عملياً كنيس "مير طويق" في البتاوين منذ سنوات كثيرة، وهو الكنيس الوحيد المتبقي من كُنس اليهود العراقيين ببغداد.

الخاتمة
** لقد تراوح عدد نفوس يهود العراق في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بين 120000-140000 نسمة، ولم يبق منهم الآن سوى عشرة أشخاص لا غير.
** تراوح عدد نفوس مسيحيي العراق في سبعينيات القرن الماضي بين 1500000-1700000 نسمة، واليوم وبعد ما تعرض له المسيحيون بالوسط والجنوب والموصل في أعقاب سقوط الدكتاتورية الغاشمة في العام 2003 ومجيء النظام السياسي الطائفي وممارسة الإرهاب ضد المسيحيين من جانب المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة وتنظيم القاعدة الإرهابي، ثم اجتياح الموصل ومناطق من سهل نينوى من جانب عصابات داعش تقلص وجود المسحيين بالعراق إلى حدود 300000 نسمة لا غير.
** تراوح عدد نفوس المندائيين بالعراق في التسعينيات من القرن الماضي بحدود 70000 نسمة، أما اليوم فالتقديرات تشير إلى أن عددهم لا يزيد عن 5000 نسمة فقط، بعد أن تعرضوا لعمليات إرهاب وتهديد وتشريد ونهب وقتل من جانب المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة في الوسط والجنوب وبغداد.
** وقد أُجبر عشرات ألوف الإيزيديين المسالمين في سهل نينوى على مغادرة العراق في أعقاب اجتياح سنجار وزمار وبعشيقة وغيرها من مناطق سكن المسيحيين من جانب عصابات داعش المجرمة التي وغلت في دمائهم وارتكبت أبشع الموبقات بحق النساء والأطفال وأسرت ما يزيد عن 6000 امرأة وطفل، وباعت الكثير من النسوة الإيزيديات في سوق النخاسة "الإسلامي" الإجرامي. لقد كانت عملية إبادة جماعية بكل معنى الكلمة، كما اعترفت بذلك الأمم المتحدة والكثير من منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية.
** وبسبب الإرهاب الدموي والصراعات الدموية والقتل على الهوية والصراع على السلطة والمال والنفوذ الاجتماعي ازداد عدد اللاجئين العراقيين بالخارج ويتراوح اليوم بين 4،5 – 5,0 مليون نسمة من مختلف الأعمار والديانات والمذاهب، علماً بأنه بلغ في فترة حكم البعث ما يقرب من 3,5 مليون نسمة. وإذا ما استمر النظام الطائفي في السلطة وممارسة المحاصصة الطائفية في توزيع سلطات الدولة العراقية الثلاث ومؤسساتها، فأن عدد اللاجئين سيصل إلى أكثر من ذلك بكثير حتى بعد الانتهاء من تطهير العراق من رجس عصابات داعش، إذ إن رجس الطائفية السياسية نفسه سيساهم في تدمير العراق وشعبه، فالظلم إن دام دمر، ولا يجوز له أن يدوم!
من هنا تأتي أهمية كتاب "يهود العراق والمواطنة المنتزعة" انتزاعاً، إذ أن هناك جهود حثيثة لإفراغ العراق من أتباع الديانات الأخرى ليفرغ الجو في البلاد للصراع بين الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية والتي ستحصد المزيد من الشيعة والسنة وتدفع بالكثير منهم إلى النجاة في دول الشتات العراقي، في أوروبا وأمريكا وأستراليا وغيرها من الدول. إن الكتاب يحمل في كل صفحة من صفحاته تحذيراً جدياً للشعب العراقي وقواه الوطنية والديمقراطية وكل القوى الخيرة التي لا تريد للعراق هذا المصير، وكذلك للرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، ودعوة ملحة للعمل من أجل مساندة الشعب وقواه الوطنية في جهده لتغيير واقع الحال، لتغيير النظام الطائفي السياسي والتحول صوب الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية، الدولة التي تفصل الدين عن الدولة والسياسية، وتؤكد بأن "الدين لله والوطن للجميع"!، إنه الطريق الوحيد للخلاص من الكوارث المحتملة القادمة والمحن الرهيبة التي يمكن أن تكون أبشع مما عانى منه الشعب حتى الآن، والتي يمكن أن يعيشها الشعب أن استمر أولئك الذين أطلق عليهم الشعب صيحته المدوية " باسم الدين باگونة الحرامية"، "باسم الدين كتلونة العمامچية"!!!