الكاو بوي Cowboy واللوغوس!!

سامي عبد العال
2016 / 12 / 2

أحياناً تصبح "الانتخابات السياسية" أعمق تأثيراً مما نتوقَّع. لأنَّها تحددُ الآفاق المتصارعة للعلاقات والأفكار والأشخاص. وتؤكد اختيارات معينة يترقبها المتابعون. حيث تتبلور يومياً كأنَّها في مواجهة شاملة مع سواها. ورغم أن الاختيارات بدائل لكنها تتسابق على احساسنا بالخطر النيتشوي. أي "العيش في خطر" دائم حتى اللحظة الفاصلة. لا لشيء إلاَّ لأنَّها تخنق صور الواقع لدينا. تعرضها للتهديد إذ تقتحم ما نمتلكه من أشياء مألوفة.
أمام هذا يثار التساؤل التالي: ماذا لوكان الاختيار الفائز هو الأخطر؟ من أين ينيع الخطر في حالة ترامب؟
إذا كان الأمر كذلك لماذا تأتي الصدمة ذات طابع تاريخي نتيجة اختيار سياسي ما؟ إن طبيعة الاختيار يرتبط بالاحتمال غير المتوقع متى عمدنا إلى استبعاده. ذلك بالضبط ما راهن الاعلام والسياسيون عليه في الانتخابات الأمريكية الأخيرة. عندما توقعوا فوز المرشحة هيلاري كلينتون. لكن بقدر رمي التوقعات في اتجاه ما بقدر ما كانت المفاجأة من الاتجاه المستبعد أكثر دلالة. دلالتها أنها تستند إلى معطيات خاصة بتكوين الثقافة الأمريكية. وإذا اقصيت في حالة فسرعان ما تتجلى خلال حالة غائبة كسبت الرهان. وربما نمط الرئيس المنتخب هو الأقرب إليها. لأنَّه لم يكن نمطاً اقتصادياً فقط بل كان بنية خفية وراء الوقائع والظواهر.
من هنا لم يكن فوز ترامب عملاً اجرائياً لكنه حالة زلزلت المجتمع الأمريكي. حيث طفحت رواسب الثقافة فوق سطح الأحداث. أشار المعلقون أن المجتمع لن يتفادى تلك النتيجة الخطيرة. كيف سيجري الوضع عقب تعرية وتسليخ وتفتيت الصورة العاكسة للسياسة والنظام الاجتماعي؟ فالرئيس المنتخب كرجل الغاب الذي دخل قصراً من المرايا والقوارير والانتيكات ودمى أعياد الميلاد. ماذا سيفعل غير التكسير والتحطيم؟ لقد كان ترمب في مناظراته قناصاً للفرص. وأحدث برسائله شروخاً أعمق مما أراد. لأن خطاباته ضربت الأوتار والأعصبة الحية للأعراق والقوميات المغطاة بغطاء ثقافي يومي ما.
لدرجة أنه بعد اعلان النتيجة أطلقت صيحات الأمل لرتق الانقسام بين الناخبين. وحاول المحللون اعتبار ترامب مرحلة عابرة. ثم تعود الأمور إلى أمسها القريب. يبدو أنَّ التاريخ أشباحٌ لا تفتأ تختفي حتى تظهر. لأول وهلة يستدير التاريخ ماثلاً أمام المجتمع الذي أنتجه. ليست المفاجأة في كون ترامباً هو القادم فقط لكن كيف جاء رئيس بمواصفات ثقافية تلخص تاريخاً أمريكياً ما؟!
الناس يعتقدون أن تكويناً سياسياً هو عصر زائل إلى غير رجعة. لكن إذا كان اللوغوس اليوناني بنية تجميع للأشياء ونداء صامتاً حول الكل فلدى السياسة الأمريكية يغدو بذرة تفريق. لقد كان اللوغوس الأمريكي American logos لوغوس سياسة بالمقام الأول. وكان بمثابة الانحراف الأبرز في اللوغوس اليوناني الأوروبي بجذوره الوجودية الميتافيزيقية. وكان مطلوباً من كل رئيس إيجاد الصيغة التركيبية التي تتحدد على أثرها إدارة الحياة والعالم. من ثم لجأت امريكا في ادارتها للأحداث- المحلية ولدولية- إلى تفكيك وتركيب العناصر وفقاً لمصالحها.
أمريكا طوال تاريخها تتهرب من ماضٍ ليس يبعد عنها إلا بضع خطوات. والتحسب من القادم أكبر من جميع الأزمنة الماضية. وهذا طابع المخاطرة دوما: يفتح المجتمعات على مجهول يحمله رأس ملفوف بالغموض. ولا يعرف الرأس كيف يدير القوة الأكثر سطوة في العالم. وعادة يعيد المخاطر إلى نقطة الصفر. لأنَّ الأوضاع السياسية تحتاج خبرة قد لا تعالجها الأيام والسنون. هكذا كان انفراد ترامب انفراداً بلعبة المراهنات على الاحتمال البعيد.
إنَّ فوزاً لرجل بمواصفات ترامب يستطيع تفجير القشور التي يتغطى بها أي مجتمع. وبإمكانه إحياء ذاكرة قديمة مرتبطة بتشكل قارة المغامرات والصراع والحروب. ونقس القوة التي أسهمت في صياغة الحياة الأمريكية كانت هي الخيول الجديدة التي وصل بها إلى البيت الأبيض. أقصد قوة الرأسمال الحر والمفتوح بلا حدود. أليس ترامب نموذجا لملياردير متنوع الثروات والشركات والعقارات؟! وهو القادر أيضاً على حسم الصفقات السياسية كما يحسم صفقات تجارية مربحة؟ لكن مع من يعقد ترامب الصفقات السياسية؟ لقد عقدها هذه المرة مع ماهية أمريكا على حساب كل أشكال الديمقراطية!!
فإذا كان الكاو بوي القديم يسابق الريح ويقتل الأعداء ممتطياً الأحصنة وقطارات الفحم فالرئيس جاء بنفس الوسيلة. رأسمالية الكاو بوي هي المفاجأة التي كانت مطرقة الدهشة وراء انتصاره. ذلك بكل ما يرتبط برأسمال من مظاهر ثقافية طاحنة للمنافسين وكاشفة لطبيعة العلاقات واستعراضية الافعال لاعبةً على طبائع الشعوب. الكابوي المعاصر هو الذي تغير فقط ليحلق في الفضاء ويعبر البحار والمحيطات ويطارد هنود العالم في كل مكان. هذا معناه أن اينما يخطو يصنع هنوده الملاحقين عن قصد.
تردد مؤخراً أن هناك تهديدات للمسلمين وبعض المهاجرين. تشمل الدعوة لمغادرتهم البلاد تاركين تاريخهم القديم. وتشمل أيضاً تصفية الكيانات المهاجرة إذ ليس لهم (الحق) في التمتع بامتيازات أمريكا. ويعرف أن الوجه المقلوب للدعوة هو أولوية الرجل الأبيض. والتطهير العرقي الذي مازال سارياً بين التشققات والأجساد والأصول. كما أن ثمة أصلاً ما يراد له الغلبة، وأن ثمة انحيازاً ما لنمط معين من الوجود دون سواه.
هل يتحول الفضاء الأمريكي إلى عمليات كر وفر عرقي وديني مرة أخرى؟. لقد نجح ترامب ليس فقط أمام الرأي العام العالمي بأكثر الديمقراطيات انفتاحاً. لكنه كان مثالاً لاستنفار من نوع ما. وهو يعيد إلى الأذهان صراعاً تاريخياً بين الرجل الأبيض الأوروبي والسكان الأصليين.
السكان الأصليون مصطلح ينسحب على القارة الأمريكية وعلى قارة العولمة. ففي الجانبين هناك لاعب يستفرد بمجموعات من البشر تتلاعب بهم إرادة غامضة اسمها النظام الأمريكي. ويشعرون بضيق الآفاق وصراعها حتى النهاية. ليس مصادفة القول بأن أمريكا آخر الحضارات العظيمة. وأنه لن يبلغها مجتمع آخر. وهذه – كما يُزعم- هي البذرة الأولى لآباء الأمة الأمريكية. فالرأسمالية تنطلق باكتمال ماهيتها عملياً من خلال القوة الاقتصادية الجبارة.
والأسواق ليست مرحلة لكنها الطاقة الاستهلاكية القصوى لجميع الامكانيات. إن الاقتصاد السياسي الذي يبنى عليها يمثل ظاهرة التضخم إلى حد الانفجار. وللأسف لن يوجد انفجار بلا خسائر. فرأس المال دوماً يجعل الآخرين وقوداً لاحتراقه. وذلك أنه لا ينتج مزيداً من نفوذه إلاَّ بهذا الحرق السياسي والإنساني للرغبات. سواء أكانت مشبعة أم جائعة للمزيد. لهذا لو كان اللوغوس الأمريكي حاضراً بقوته فهو بائع اقتصادي عابر للحدود والقارات. لقد دخل اللوغوس في الأطعمة والماركات التي تنتجها الصناعة الأمريكية ثقافياً وتجارياً.
إن أمريكا هي البلد الوحيد تقريباً الذي يعيش على هذه الحافة نحو الصعود أو الانهيار. لأنها تمتطي مغامرة أن تكون أو لا تكون. وهي استراتيجية ترامب في خوضه لأدنى ممارسة سياسية نجح بها. وجميع رؤساء أمريكا كانوا على ذات الدرب الممتد وراء الجبال والسهوب والبراري. حيث ساحات المطاردة لأشباح الأعداء واللصوص. أمريكا الدولة الوحيدة أيضاً التي تعتبر أن خلق العدو أهم من الانتاج. لأن الأول هو الذي يفتح لها مخازن ومناجم وآبار الانتاج بكل صنوفه. وهو الذي يحقق حالة الاتحاد ويجددها في مواجهة الغير مهما يكن. دوما تحتاج إلى عدو خارج ذاتها. لكن ماذا لو جاء من داخلها؟
بالنسبة لقارة أمريكا كانت مزرعة تاريخية لصنف من البشر لا يعبأ بالمشكلات الإثنية. لأن القضاء عليها يأتي من الجذور بحسم المعارك الوجودية. إما ترك المكان فارغاً للأوروبي القادم وإما فالمصير قتالٌّ حتى آخر نقطة دم. وثمة الملايين من السكان الأصليين وقعوا ضحايا هذا التصور. هل ينشط رؤساء أخر الزمان الأمريكي هذا التطهير الوجودي؟
طبعا طالما وجد نموذج كان سائدا في الثقافة الأمريكية لم يكن ليغب عن أكبر الاستعراضات عمومية. فأمريكا بلد الاستعراض العولمي للرجل الأبيض. مساحة جيوسياسة تشغلها الاتجاهات والآراء والعرقيات بآفاق بالغة التنوع والاختلاف. ليس فقط في إدارة شؤونها الداخلية, إنما إزاء العالم كله بالأساس. كان ذلك وراء اسقاط مفهوم القارة الأمريكية على العالم. فترامب اعلن أنه سيحارب الإرهاب بمنطق الكاو بوي أيضاً. وسيكون رأس المال سلاحاً مزدوجاً سينال من الأعداء وسيجلب الأرباح الطائلة. ويقلص العولمة في قرارات ومنظمات يقبع فيها اللوغوس الجديد بصيغة ما.