7 العقائد الدينية والمعقولات ومستوياتها

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 2

7 العقائد الدينية والمعقولات ومستوياتها
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
هذه هي الحلقة السابعة من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن ما زلنا مع مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل».
مستويات التعقلات الثلاثة:
هناك لكل من التعقلات الثلاثة (الوجوب، الامتناع، الإمكان) ثلاثة مستويات:
1. المستوى الفلسفي: وهو أوسع المستويات.
2. المستوى العلمي: وهو أضيق دائرة من الفلسفي. (التطبيقي منه أضيق من النظري).
3. المستوى العملي: هو أضيق المستويات. (العملي الخاص منه أضيق من العملي العام أو المجرد).
علاقة العقيدة بكل من التعقلات الثلاثة ومن مستوياتها الثلاثة
- الوجوب العقلي: العقيدة لا بد أن تكون منسجمة مع الوجوب العقلي لتكون صادقة.
- الامتناع العقلي: العقيدة لا يمكن أن تشمل على شيء من الممتنعات العقلية، بل لا بد أن يكون موقفها من هذه الممتنعات إما موقف الرفض بالتصريح، وهذا هو الرفض الإيجابي، وإما موقف عدم اشتمالها على ممتنعات عقلية، وهذا هو الرفض السلبي، وإلا فهي عقيدة غير صادقة، ويصدق عليها نعت الخرافة أو الوهم.
- الإمكان العقلي: من خلال اشتمال العقيدة على ممكنات عقلية، لا نستطيع أن نحكم عليها، ولا على مقولاتها الممكنة تلك، لا إيجابا ولا سلبا، لأن الممكنات في الغالب قضايا ترجيحية أو احتمالية، يتفاوت الناس في مدى قبولهم أو رفضهم لها، بحسب التشخيص النسبي لمدى راجحيتها أو مرجوحيتا، أو بتعبير آخر لدرجة احتمالها. فالحكم عليها يأتي في مرحلة متأخرة بعد ثبوت صحة أو خطأ العقيدة، وما يتفرع منها من تشريعات، وهذا ما يتخذ منه العقل موقف الحياد قبل ثبوت صدق المصدر (الوحي) أو عدمه. نعم، كلما اشتملت العقيدة أو ما يتفرع عنها من شريعة (أحكام)، على عدد أكبر مما ترجحه عقول العقلاء (العقلانيين) وفطرة الطيبين (الإنسانيين)، كان احتمال صدقها أقوى، وبالعكس كلما اشتملت على عدد أكبر مما تأباه عقول العقلاء (العقلانيين)، وتنفر منه فطرة الطيبين (الإنسانيين)، كان احتمال صدقها أضعف.
العقيدة ومستويات التعقل الثلاثة
ماذا لو اشتملت العقيدة على ممتنع عقلي (فلسفي)، أو ممتنع علمي (طبيعي)، أو ممتنع عملي (عقلائي).
اشتمال العقيدة على الممتنع العقلي الفلسفي منه والأخلاقي: يكون مبررا لرفض العقيدة، لأنها لا يمكن إلا أن تكون خرافة، وليست بدين حق.
اشتمال العقيدة على الممتنع العلمي: لا يكون بالضرورة مبررا للرفض، لكنه يمكن أن يكون مبررا للتحفظ، لحين التثبت والتبين. وأقصد هنا بالممتنع العلمي ما يستحيل على العلم أن يقوم به، وليس ما يتعارض مع الحقائق الفلكية والطبيعية التي ثبت صدقها على نحو القطع واليقين، ككروية الأرض ودورتها حول نفسها وحول الشمس، فمعارضة المقولات الدينية لمثل هذه الحقائق الثابتة مؤشر على عدم صدقها. [قولي أني لا أقصد بالممتنع العلمي ما يستحيل على العلم أن يقوم به، كنت أقصد به نفي كون القول بالمعجزات أو الخوارق الطبيعية على يد الأنبياء سببا لعدم صدق الدين بسبب تعارضه مع الحقائق العلمية، باعتبار أني كنت أفهم المعجزة أنها إما تعطيل من الله القدير قدرة مطلقة لقانون من قوانين الطبيعة، أو استخدامه على يد نبيه لقانون طبيعي لم يكتشفه الإنسان، كما كان يذهب إليه محمد حسين فضل الله، لا أقل في زمن المعجزة. ولكن المعجزة، كما ذكر المفكر سعدون محسن ضمد في كتابه «هتك الأسرار»، لا تصلح كدليل على صدق دعوى النبوة، لاختلاف موضوع المعجزة عن موضوع النبوة، كمن يمشي على الماء كدليل على كونه أمهر طبيب لجراحة العيون. ثم كيف يتأتى لنا التثبت من حدوث تلك المعجزات المدعاة في ذلك الزمان؟ إذا قيل التواتر، فالتواتر غير حاصل، وحتى مع فرض حصوله، فكم من الأساطير الخيالية والخرافية قد تُنوقِلت عند قوم ما من جيل إلى جيل، دون أن تملك أي أثر حقيقي على أرض الواقع.]
اشتمال العقيدة على الممتنع العملي: من قبيل الأَولى ألا يكون ذلك مبررا لرفض العقيدة وتكذيبها، لأن دائرة الممتنعات العملية ضيقة جدا.

توافق أو تعارض العقيدة مع بعض المعقولات
لكل من التوافق أو التعارض من قبل العقيدة مع المعقولات أدناه سبب في اتخاذ موقف ما تجاه تلك العقيدة، إيجابا أو سلبا على نحو الإطلاق، أو على نحو النسبية:
1. التوافق أو التعارض مع الحقائق الفلسفية. (العقل الفلسفي).
2. التوافق أو التعارض مع الحقائق العلمية.
3. التوافق أو التعارض مع قواعد الحكمة الإنسانية. (العقل العملي، أو العقلانية).
4. التوافق أو التعارض مع قواعد الحكمة الإلهية.
5. التوافق أو التعارض مع موازين العدل الإنساني فيما هي الأحكام.
6. التوافق أو التعارض مع موازين العدل الإلهي فيما هو الجزاء أو القول بالجبر.
7. التوافق أو التعارض مع قيم الأخلاق والتحسين والتقبيح العقليين. (العقل الأخلاقي).

أهم القواعد العقلية
ربما يمكن اعتبار القوانين المذكورة لاحقا هي أهم القوانين العقلية التي يجب الإقرار بها، خاصة فيما يتعلق الأمر ببحوث العقائد:
1. قانون استحالة التناقض.
2. قانون العلية أو السببية.
3. قانون استحالة الدور.
4. قانون استحالة التسلسل اللامتناهي للعلل.
فالإقرار باستحالة التناقض شرط لكل معرفة، وإلا [كما يعبر في أحد كتبه محمد باقر الصدر] لصحّ القول عن كل المعارف العقلية منها والتجريبية أنها صادقة وكاذبة في آن واحد، هذا الذي إذا عُمل به، لما صح التعويل على أي معلومة وأي قانون وأي استنتاج أو تحليل، مهما بدا صحيحا، لأنه سيكون خاطئا في نفس الوقت. فاستحالة اجتماع أو ارتفاع النقيضين، أو وجود شيء وعدمه، يعني ببساطة استحالة أن يكون الشيء نفسه، في الوقت نفسه، وفي المكان نفسه، وبنفس المعنى المقصود، وبالنسبة إلى نفس الشيء، موجودا ومعدوما، كما يستحيل أن يكون ذات الشيء، في ذات الوقت، وذات المكان، لا هو موجود ولا هو معدوم، وكما يجري الكلام عن الوجود والعدم، يجري عن الصدق والكذب [التحقق وعدم التحقق].
أما بالنسبة لأهمية قانون العلية، فلأن لكل معلول علة، أو لكل مسبَّب سببا أو مُسبِّبا [ولست بصدد التمييز بين العلة والسبب هنا، كما سيعترض ربما بعض النقاد]. وكل الموجودات وكل الظواهر في عالَم الممكنات، أي عالَم الحادثات معلولة لعلل، سواء في وجودها، أو في ماهياتها وتحولاتها الماهية، أو في انعدامها. والمقصود بعالَم الممكنات هو عالَم الموجودات التي هي موجودة فعلا، ولكنها ليست واجبة الوجود، بل هي ممكنة الوجود، وبالتالي ممكنة العدم افتراضا، أو - وإن كانت موجودة - فهي معدومة فعلا في زمان ما أو في مكان ما غير زمان ومكان تحقق وجودها [قبله وبعده]. والمقصود بعالَم الحادثات هو عالَم الوجودات التي كان وجودها قد حدث في نقطة زمنية، أي أن لوجودها لحظة ابتداء، ولم تكن موجودة منذ الأزل، وهذه الممكنات الحادثات هي ما تُنعَت بالمخلوقات من قبل المؤمنين بالخالق. وبالتالي تكون مصطلحات الممكن والحادث والمخلوق مترادفة عندهم. هذا بقطع النظر عن وجود علة أولى واجبة وليست ممكنة، وقديمة وليست حادثة، ومستغنية وليست محتاجة إلى علة قبلها، فبحثه في محله. أما كلامنا هنا فعن عالم المادة [عالم الطبيعة] الذي يؤمن به الإلهيون والماديون على حد سواء، وليس عن عالم ما وراء المادة [عالم ما وراء الطبيعة] الذي يؤمن به الإلهيون حصرا.
ومن القواعد العقلية الأساسية أيضا استحالة التسلسل، كاستحالة أن يكون لكل معلول علة، ثم يكون لعلته علة، ثم علة أخرى، إلى ما لا نهاية تراجعيا، أي بتعبير آخر وأدق إلى ما لا بداية. وكذلك استحالة الدور، وهو أن تكون علة لشيء معلولة له في نفس الوقت، فلا يكون وجود (أ) إلا بوجود (ب)، وفي نفس الوقت لا يكون وجود (ب) إلا بوجود (أ)، لأنه بذلك لن يتحقق وجود أبدا، لا لـ(أ) ولا لـ(ب).
ما يوجب العقل الاعتقاد به مستقلا أي بقطع النظر عن الوحي
هناك أمور لا بد للعقل أن يؤمن بها مستقلا، ولا يحتاج في ذلك إلى وجود وَحي، أو أي دين أو عقيدة تخبره به. ولا أعني بالإدراك المستقل للعقل بأن هذه الأمور كلها من البديهيات، التي يتوصل ذهن كل إنسان إليها بالضرورة والبداهة. فبعضها واضح وجلي وبديهي، وبعضها يحتاج إلى تأمل وتدبر وإمعان نظر أو إعمال عقل، وبعضها يحتاج إلى تنبيه من قبل شخص آخر في حالة الغفلة، فإما أن يسرع الذهن إلى الإذعان والقبول به بعد انتباهه من غفلته، وإما يطلب الدليل، فيسلم بذلك الأمر بعد التعرف على الدليل، والتثبت من صحة الاستدلال. ومثال ذلك إننا نعرف أن 1+1=2 بالبداهة، ولكننا لا نعرف أن الجذر التربيعي للعدد 974169 = 987، إلا بعد إجراء عملية حسابية، أو استخدام الحاسبة، لنصدق بصحة الادعاء، ولكننا بالنتيجة نصدق بكليهما، وبوجوب صدقهما وامتناع كذبهما، أو صدق ما يخالفهما؛ سواء البديهي منهما أو النظري على حد سواء، لأن كليهما ضرورتان عقليتان، بقطع النظر عن مدى الجهد المبذول في العملية الذهنية للتعرف على صحة كل منهما. وهنا لا بد من التنبيه إلى أن مصطلح (الضرورة) أو (الضروري) يُستخدَم تارة بمعنى الوجوب العقلي في مقابل الإمكان العقلي، وتارة أخرى يستخدم مصطلح (الضرورة) أو (الضروري) بمعنى البداهة في مقابل إعمال العقل أو إمعان النظر أو (النظري).

العقائد التي يوصل العقل إلى الاعتقاد بها مستقلا
[كان العنوان لغاية مراجعتي في 20/10/2012 «العقائد التي يوجب العقل الاعتقاد بها مستقلا»، فرأيت تعديله إلى «العقائد التي يوصل العقل إلى الاعتقاد بها مستقلا»، ليكون العنوان أكثر حيادية، فهناك من لن تقنعه كل الأدلة بما يراه الكتاب، ومن يتفق معه من العقليين، أنه من الواجبات العقلية.، وإن كنت مقتنعا بذلك من دون أدنى شك، لا أقل حتى كتابة هذا الهامش. إذن ما أرى أن العقل يوجب الاعتقاد به مستقلا، أي بدون وحي إلهي، حقيقياً، كان أم مدَّعىً أم متوهَّماً، وبدون دين، أو ما يوصل العقل إلى الاعتقاد به مستقلا، هو:]
1. وجود الخالق (العلة الأولى للوجود = علة العلل = واجب الوجود = أزلي الوجود). وكما بينا إن ما كان من الواجبات العقلية، لا يجب أن يكون من البديهيات، بل قد يحتاج إلى إقامة الدليل، وهذا ما سنحاول تبيانه عبر دليل واجب الوجود. وهناك إشكال من قبل بعض اللاإلهيين على هذا الاستدلال لا يخلو من قوة من جهة، ولكننا سنناقشه في محله. والإشكال الأساسي يتلخص في سؤالين يعبران عن صعوبة استيعاب عقيدتين يؤمن بهما الإلهيون العقليون، عقيدة أزلية الخالق، وما يرتبط بها من عقيدة لامعلوليته سبحانه، وهذا الذي يعبر عنه سؤال الأطفال المشهور: ومن خلق الله؟
2. اتصافُ الخالقِ المطلقُ بكل كمال، وتنزهه المطلق عن كل نقص. (واهب الكمالات يجب أن يكون أكمل من كل كمال أعطاه لأي كامل نسبي أو محدود). وإلا فالنقص أو الكمال النسبي، الذي يعني من جهة أخرى نقصا نسبيا، من صفات الوجودات الممكنة الحادثة الفقيرة المعلولة الكثيرة، وليس من صفات الوجود الواجب الأزلي الغني غير المعول الواحد. وحيث أن حتى الكامل كمالا نسبيا، وبالتالي المدرك لمعنى الكمال، يدرك بالضرورة حسن الكمال وقبح النقص، أو أحسنية الأكمل بالنسبة للأقل كمالا، وبالتالي يسعى لسد نقصه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وهذا ما يصطلح عليه بالتكامل، الذي لا يبلغ النسبي حده المطلق، بل يظل مستقبِلا إياه في كدحه التكاملي، وهذا لا يصدق على الله لاستحالته، لأن ذلك يفرض إما عدم إدراكه سبحانه لحسن الكمال، أو عجزه عن بلوغ المطلق منه، أو إنه مدرك له غير عاجز عنه، لكن مزاجه شاء ألا يتصف به، وهذا افتراض محال للنقص في علمه، أو في قدرته، أو في حكمته، وعن كل ذلك متعال هو سبحانه كل التعالي. ثم إذا افترضنا أنه متكامل، لزم علاوة على ما مر من إشكال، كونه متحولا وليس ثابتا، والتحول من لوازم الممكن الحادث الفقير، لا الواجب القديم (أي الأزلي)، الغني.
3. العدل (كلازم للكمال).
4. الجزاء (الثواب [أو التعويض] والعقاب كلازم للعدل).
5. الحياة الأخرى (كلازم للجزاء). ولو تحقق العدل بالجزاء الأوفى في هذه الحياة، لانتفى من الناحية العقلية سبب أساسي للإيمان بالحياة ما بعد الحياة، إلا إذا كانت هناك أدلة عقلية أخرى غير العدل الإلهي بمعنى الجزاء، وهو أن الله قد أودع في الإنسان حب البقاء من جهة، ومنعه من البقاء من جهة أخرى، ولكن هذا متضمن في تحقق العدل الأوفى، فمن العدل أن الخالق الذي أودع في الإنسان حب البقاء ألا يحرمه منه.