مع يهود العراق والمواطنة المنتزعة ثانية! المرحلة الأولى (1921 - 1933)

كاظم حبيب
2016 / 12 / 1

د. كاظم حبيب
مع يهود العراق والمواطنة المنتزعة ثانية! المرحلة الأولى (1921 - 1933)
من أجل أن يتجنب شعب العراق، ما تعرض له يهود"
العراق من تهجير قسري كامل في الفترة 1950-1951،
ما يــراد له أن يحصـل في المـرحـلة الراهنة لمسيحيي
العراق ومندائييه وإيزيدييه في محافظة نينوى والعراق
عموماً، في ظل النظام الطائفي السياسي، وممارسته
التمييز والتهميش والإقصاء المذلة، ودور قوى الإرهاب
الإسلامي السياسي المتطرفة كافة".

الحلقة 1 - 6
كان لي لقاءان حميمان مع حشد طيب من العراقيات والعراقيين بلندن، وبحضور مجموعة طيبة من النساء والرجال من مواطنات ومواطني العراقي الذين أجبروا على الهجرة، اللقاء الأول دعا له التيار الديمقراطي العراقي، وكان موضوعه استعراض كتابي الموسوم "يهود العراق والمواطنة المنتزعة" الصادر في العام 2015 عن دار المتوسط بإيطاليا، وعن أوضاع العراق المحتملة ما بعد داعش. اما اللقاء الثاني فتم بلقاء مع تجمع كبار السن من العراقيات والعراقيين الذي ينظمه المنتدى العراقي ويشرف عليه الصديق الطبيب والشاعر الدكتور صباح جمال الدين، واقتصر على موضوع الكتاب. كما حصلت عدة لقاءات حميمة مع أصدقاء عراقيين وعراقيات بدعوات على عشاء، منها على سبيل المثال لا الحصر في دار السيد داوين شكر، والصديق أميل كوهين، أو زيارة للكاتب الساخر والرائع خالد قشطيني أو الكاتب والمترجم الرفيق عادل حبة أو الناشط في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني الرفيق سمير طبلة وزيارة لعائلة أبو عادل أو أبو أوس المحترم، إضافة إلى الرفقة الدائمة مع الكاتب الدكتور محمد الموسوي.
لقد حاولت في هذين اللقاءين أن أقدم كتابي بصيغة جديدة وبشكل مكثف يجسد المحنة الكبيرة والكارثة التي حلت بالعراق وشعبه بسبب خسارته لجزء كبير ومهم وأصيل من بنات وأبناء الشعب العراق الذين عاشوا في العراق ما يقرب من 2800 سنة، إنهم يهود العراق الذين أجبروا على مغادرة العراق بعدد زاد عن 120 ألف مواطن ومواطنة ومن مختلف الأعمار والكفاءات والاختصاصات والمهن والحرف ومجموعة كبيرة من المثقفات والمثقفين اليهود. وأهمية نشر وتقديم الكتاب بمحاضرة أو محاضرات لاحقة في دول أخرى تبرز في ما يتعرض له المسيحيون والمندائيون في العراق، إضافة إلى جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق أبناء شعبنا الكردي والعراق، بحق الإيزيديين وأتباع الديانات الأخرى. وبأمل تحصين شعب العراق ضد هؤلاء المتطرفين الذين يسعون إلى إلغاء وجود هذا الموزاييك العراقي الجميل وتشويه اللوحة الرائعة باقتطاع أجزاء أخرى من اللوحة، أي بإلغاء وجود أتباع ديانات أخرى غير المسلمين في العراق، تماما كما حصل مع يهود العراق!
لقد مرَّ يهود العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 حتى منتصف السبعينيات من القرن العشرين بست مراحل متباينة يمكن بلورتها فيما يلي:
المرحلة الأولى: تمتد هذه المرحلة من العام 1921 حتى العام 1933، أي بين ارتقاء فيصل الأول عرش العراق ووفاته الغامضة في سويسرا في العام 1933.
تمتع يهود العراق في هذه المرحلة بحياة هادئة وهانئة ومشاركة نشطة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي النشاط السياسي في ظل دولة ملكية ذات دستور ديمقراطي وملك كان حريصاً على التعامل مع أبناء الشعب بالمساواة، بالرغم من وجود العراق تحت الانتداب البريطاني حتى العام 1932، والتخلف الشديد الذي ساد المجتمع وهيمنة الأوضاع والأجواء العشائرية والدور البارز للمؤسسات والمرجعيات الدينية وشيوخها. ولم يحصل في هذه الفترة أي اعتداء أو تجاوز فظ على يهود العراق، بل شاركوا بفعالية كبيرة في تأسيس المدارس الحديثة واحتضان تلاميذ من مختلف الديانات والمذاهب، وتشكيل منظمات وجمعيات المجتمع المدني واحترام الهيئة الدينية الموسوية وحاخامها والتمتع بالحرية الدينية وصدور قانون يرسي دعائم لأتباع هذا الدين وأتباع بقية الديانات والمذاهب. ورغم بروز نشاط قومي متطرف (صهيوني) لمجموعة صغيرة من يهود العراق وبشكل رسمي، فأن هذا النشاط والدعوة لهما لم يكسبا أي قاعدة له في أوساط يهود العراق.
لقد ساهم يهود العراق بدور بارز وكبير في مجالات عديدة في حياة الشعب العراقي نشير إلى البرز منها:
** في الاقتصاد عموماً ولاسيما في التجارة الخارجية (الاستيراد) وفي التجارة الداخلية؛
** العمل في وظائف الدولة في حقول التشريع (القضاء) وفي الإدارة العامة للمؤسسات التابعة للدولة كالموانئ والسكك الحديد والجمارك ومصفى النفط والبرق والبريد وغيرها وفي الحياة السياسية. وكان لهم بشكل خاص دور بارز في صياغة الذهب وفي سوق البزازين (القماش)؛
** في مجال الموسيقى والغناء حيث برز أفضل وأكثر الموسيقيين والمغنيات والمغنيين من الأوساط اليهودية العراقية؛
** في المحاسبة والبنوك والصيرفة وفي بدايات انشاط التأمين؛
** وكان لليهود دور بارز في الصحافة الوطنية وفي الإبداع الثقافي كالشعر والقصة والمقالة ونشر الثقافة وتأسيس المطابع. وكان أنور شاؤول (1904 – 1984م) أول من رفع شعار فصل الدين عن الدولة بالعراق ووضع في صدر صحيفته "الحاصد" في العام 1932 شعار "الدين لله والوطن للجميع"، بعد أن كان سعد زغلول قد رفعه بمصر في أوائل العشرينات من القرن العشرين.
لقد شكل يهود العراق جزءاً أصيلاً من المجتمع العراقي وفاعلاً حيوياً فيه، ولم ينعزل عن بقية أتباع الديانات والمذاهب في "گيتوات" خاصة به، بل كان في سكنه في مناطق عديدة من بغداد مثلاً ومعه عاش المسيحيون والمسلمون، من سنة وشيعة. وكانت تركيبة المجتمع اليهودي لا تختلف عن تركيبة بقية المجتمع من الناحية الاجتماعية أو الطبقية، فكان هناك بعض كبار الملاكين والتجار الكبار والبرجوازية المتوسطة والبرجوازية الصغيرة، ولاسيما المثقفون والحرفيون، ثم العمال، وكذلك الفلاحون المعدمون الذين كانوا يعملون في أراضي الأغوات الكرد، وخاصة بإقليم كردستان العراق، والباعة الجوالة والفقراء الذين كانوا يعانون من شظف العيش، كالغالبية العظمى من شعب العراق حينذاك. ولا بد من الإشارة إلى أن ببغداد مثلاً تعانقت جوامع أو مساجد المسلمين مع كنائس المسيحيين وكُنس اليهود، وفي مدن أخرى وجد المندي بجوار المسجد. وحصلت زواجات بين أتباع الديانات العديدة بالعراق أيضاً. كان هناك شكل من اشكال الاعتراف المتبادل بوجود هذه الديانات وحقها في ممارسة طقوسها الدينية وحياتها الخاصة إلى جانب حياتها العامة فيما بين جميع أتباع الديانات والمذاهب. ولا يشك الإنسان المقارئ للتاريخ عن احتمال وجود نظرة تمييزية مستترة غير مكشوفة تماماً لدى بعض الجماعات المتدينة بشكل خاص.
والحالة الوحيدة التي تظاهر فيها العراقيون في هذه الفترة، ولم تكن ضد يهود العراق، بل شارك يهود بغداد فيها، كانت حين قام الوزير البريطاني والداعية الصهيوني المعروف السير ألفريد مورتس موند Alfred Moritz Mond (1868-1930م) في العام 1928 بزيارة للعراق بدعوة من الملك فيصل الأول. [أنظر: الراوي، عبد اللطيف د. عصبة مكافحة الصهيونية بالعراق 1945-1946. دار وهران. الجزائر. 1986. ص 12].
وقد جاء في نص تقرير دار الاعتماد البريطاني ببغداد حول هذه الزيارة ما يلي: "اللورد الفريد موند معاضد للحركة الصهيونية زار العراق في أوائل شباط وقبل ذلك قام برحلة إلى فلسطين وحصل على اطلاع تام على أعمال الصهيونية، غير أن زيارته للعراق كانت تعود دراسة الأحوال الزراعية والوقوف على عدم إمكان أو تحسين الزراعة بالإكثار من السماد الكيماوي لها" [ أنظر: كورية،يعقوب يوسف. يهود العراق. ط 1. منشورات الأهلية. لبنان. 1998. ص 110]. وكان هذا غطاء مهلهل للدعوة المذكورة.
• انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية حول المرحلة الثانية من مقالة "يهود العراق والمواطنة المنتزعة ثانية".