رسالة البارزاني المقتضبة

ماجد ع محمد
2016 / 12 / 1

في الثقافة المجتمعية ببلادنا ثمة تعميم لا شعوري لدى أغلب المواطنين بتفضيل ذكر محاسن الموتى على مساوئهم إن وجدت، لذا سنذكر إحدى مقولات الزعيم الكوبي فيدل كاسترو الذي رحل عن عالمنا منذ أيام قليلة، والتي يقول فيها "وصلت لاستنتاج ربما متأخر قليلا، وهو أن الخُطَب يجب أن تكون قصيرة" ووفق ما قاله كاسترو، إذن كان خطاب البارزاني الذي بعثه لكرد سوريا من أبو ظبي عبر وسائل الإعلام قصيراً ومقتضباً جداً ولكنه غنياً كان بالمعاني والدلالات.
وبخصوص قراءة الخطاب وصاحبه فمعلوم عن البارزاني بأن خطابه في العادة رزين يتمتع بشحنات صدقٍ عالية، بعيد عن القدح والتجريح، ولكن هذا لا يعني بأنه مجامل أو ماحاباتي، بالعكس تماماً فواقعيته المنطوقة أحياناً تكون مؤلمة لبعض الأطراف السياسية أو الخصوم، باعتبار أنه لا ينطلق من حيز المناورة السياسية، ولا يمارس التلاعب في كل خطاباته، ووضوحه أحياناً يذكرنا بعنوان أحد دواوين رياض الصالح الحسيني "بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدَّس" واقعي الى حد الإنثلام الشعوري إن كان الخصم ممن يمتلك شعوراً مرهفاً، ولكن لا يُشم من خطابه لا طعنٌ ولا تشفي، رؤيته مبنية على الوقائع والمسلمات والشهادات الحية أو الأحداث الجارية أو التي جرت، لذا يداهم الخصمُ شعور الانثلام لأنه لا يقدر على نكران ملاحظاته أو دحض أقواله بسهولة، لذا عادةً يلجأ الخصم السياسي إلى اختلاق أحداث اخرى أو إشغال الناس من خلال البالونات الإعلامية بأشياء أخرى حتى تنصرف أفكار الرعية إلى مناطق أخرى والانشغال لوقتٍ ما بمواضيع ثانوية تم تفجيرها لصرف أنظار الناس عن الموضوع الرئيسي.
وعادةً لكي يتلافى الإنسان جدلية تقزيم القائل أو تعظيمه عليه أن يحكم على النص الذي أمامه، أي ما جاء فيه، ما دار حوله المكتوب أو المنطوق، وما استشف منه، وإذا كان لدينا العديد من الخطابات التي يُطلب من واحدنا قراءتها لتقريبها من الحياة اليومية للناس، فإن الخطاب الذي نحن بصدده هو خطاب قصير لسياسي كردي معروف بخطابه الوقعي جداً، لا شك هو لم يختار يوماً شكل الخطاب الذي يخرج به أو الذي عرف به، إنما السجية غالبة على الرغبة لديه بذلك الخصوص، لا يفضل إيهام الأصدقاء ولا الأعداء، مع أنه يعمل في السياسة التي تتطلب في أغلب الأحيان كل الالتواءات المطلوبة لذلك العمل، إلا أن الغريب فيه أنه أقرب إلى الإنسان الطبيعي البسيط من جماعة التصنع والنفاق السياسي، ولأن حياته واقعية جداً لذا فمنذ عشرات السنين بقي منطوقة واقعي مثل حياته التي لم تنفصل عن الواقع يوماً، مع أن موقعه وما ما ارتبط به قادران على خلق الأساطير حوله كما هي عادة أغلب الزعماء في الشرق، واقعي لأن الخطاب الواقعي في غالب الأحيان أميل إلى الشّفافيّة لإيصال الرسالة بأمان من غير أن يشوبها شائبة أو يخالطها سوء فهم، أو سوء توجيه وتفسير، يعيش الواقعية حياةً لأن الخطاب الواقعي لا يميل الى تمويه أو قلب المجريات، ويبتعد قدر المستطاع عن تزييف الحقائق التي يلجأ إليها البعض عبر إطلاق الشعارات التي تأخذ الرعية الى مناطق السلطنة والسُكر من خلال الكلام المعسول إلى وقتٍ ما، اتكاءً على الهتافات العاطفية والجماليات اللغوية.
فقول البارزاني بأن الوضع في كوردستان سوريا ذاهب إلى المجهول، لم يأتي عفو الخاطر ولا جاء نتيجة رأي مسبق بجهة ما، إنما بني قوله على وقائع وأحداث وقرائن، وذلك لعدم استطاعة الاتحاد الديمقراطي برغم كل تضحياته الجسام إلى تاريخ اليوم من ينتزع أي اعترافٍ رسمي أو اتفاقٍ سياسي يليق بالدماء التي زهقت في حروبه الفعلية حيناً والمختلقة بعض الأحيان في الكثير من المناطق السورية، فلا ثمة اتفاق سياسي رسمي بينه وبين النظام الذي سانده ويسانده حتى الآن، ولا ثمة اتفاق رسمي موقع بينه وبين الروس، ولا حتى ثمة اتفاق موثق بالقرائن بينه وبين الأمريكان بالرغم من أنه لا يزال أشبه بالأداة لدى قوات التحالف بوجهٍ عام وأمريكا على وجه الخصوص.
إذاً وبناءً على القرائن والمعطيات والتقارير الدورية والشهادات الحية، وتعبيراً عن الخذلان الذي ينتظره الكرد السوريين عموماً والمئات من أهالي وذوي الشهداء الذين قتلوا في بقع متعددة في سوريا، فإن كل قرابين ذلك الحزب ستذهب سدى طالما أن الحزب المذكور لم ينتزع أي اعتراف رسمي من قبل كل الجهات التي استخدمته في حروبها سواءً مع داعش أم غيره من القوى العسكرية في سوريا، وحسب قول البارزاني ووفق منطق التاريخ أيضاً فما من حربٍ في بقعة جغرافية في العالم دامت للأبد، ومهما طالت الحرب فلا بد لها من أن تنتهي في يومٍ ما، ولكن الجرح الكردي سيتقرح بعد الحرب أكثر من أوانه، باعتبار أنهم سيشعورن بأن كل قرابينهم ذهبت أدراج الرياح، والمشكلة ليست فقط في القرابين لأن الاتحاد الديمقراطي هجر معظم الطاقات الكردية الشابة والمنتجة والفاعلة، إضافة إلى تهجيرمعظم أصحاب الشهادات وذوي الاختصاصات الذين تعوزهم المجتمعات أكثر من الساسة والعسكر، نعم للبارزاني الحق في أن يخشى على الكرد السوريين مع دوام بقاء الاتحاد الديمقراطي مجرد مطية لتحقيق المآرب الوقتية لدى أغلب الجهات المذكورة أعلاه كالنظام السوري والروسي والأمريكي، وذلك في حال استمراره على هذا النهج الذي يسير عليه ولم يغير من استراتيجيته كمجرد أداة وقتية بيد الآخرين وليس جهة سياسية هدفها انتزاع الاعتراف السياسي الحقيقي من القوى المذكورة، وليس فقط انتظار كلمة الشكر منهم على كل الدماء التي تبرع بها كرمى إرضاء الفئات المذكورة التي ستحتقره فور الانتهاء من دوره، نعم إذا لم ينتزع الاتحاد الديمقراطي اي اعتراف سياسي رسمي سينال الاحتقار منهم قبل شعبه، باعتبار أن من يُضحي بخيرة شبابه بدون مقابلٍ أثمن من دمائهم هو ليس حزب إنما عصابة لا أكثر، وكلمة العصابة حسب علمي أنها لا تستحق أي احترام وتقدير لدى معظم شعوب المعمورة إن لم نقل كلهم.
عموماً فرسالة البارزاني ليست مقتصرة على الحزب وحده، ولا هي موجهة لمناهضي الحزب المذكور حتى يقوم الآخرون بالشماتة به أو شتمه، إنما الرسالة هي حرصاً على الحزب وأنصاره وقادته ومثقفيه لعلها تحضهم على تلمس الذات وتحسس أبدانهم قبل فوات الأوان، كما أن الرسالة موجهة للطرف الآخر الذي أخذ دور المتفرج والشاكي منذ بدء سيطرة الحزب على المناطق الكردية، فلا شك بأن العار القادم إن لم يُصحح الحزب مساره، لن يكون من حصة الحزب وحده، إنما كل الكرد سيتجرعون مرارته لعقودٍ من الزمان، والطرف الكردي الآخر عاره سيكون مضاعفاً بل يجب أن يكون مضاعفاً، باعتبار أنه أصلاً يعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي حزب غير كردي، إذاً فما الذي فعلتموه أنتم يا من تدعون الكردايتي؟ أين مبادراتكم لإنقاذ الكرد مما هم مقبلون عليه أيها الواقفون على الجبل، ولا تقومون بشيء بهي لإنقاذ الوضع غير التشاكي والتباكي وإنتاج المزيد من قصائد االوقوف على الأطلال وبيانات الشجب والتديد والاستنكار.