نقاش مفتوح حول التأمين وإعادة التأمين بالعراق مع الاستاذ مصباح كمال

كاظم حبيب
2016 / 12 / 1

نشر الأستاذ مصباح كمال، الخبير باقتصاد التأمين وإعادة التأمين، ولاسيما بالعراق، مقالاً مهماً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ 27/تشرين الثاني/نوفمبر 2016 ناقش فيه موضوع التأمين وإعادة التأمين الوارد على شكل إشارات سريعة في مقالي الموسوم "نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟" الذي نشر في جريدة العالم على ست حلقات ابتداءً من العدد 1518 بتاريخ 27/10/2016، كما نشر مقالي في الكثير من المواقع الإلكترونية، ومنها الحوار المتمدن والناس وصوت العراق ومركز النور... وعلى صفحتين لي على الفيسبوك. ولأهمية الموضوع وددت أولاً الإشادة الضرورية بمقال الأستاذ مصباح كمال الذي اتفق معي في المسائل ذات الأهمية الفائقة للاقتصاد والمجتمع العراقي والتي سعى إلى إبرازها بوضوح ودقة، فله الشكر والتقدير. كما أود أن أوضح ثانياً بعض الأمور لإبراز أهمية قطاع التأمين المنسي حالياً بالعراق، رغم أهميته وضرورته البالغتين للاقتصاد والمجتمع العراقي، وأثني بحرارة على الاهتمام الكبير والاستثنائي الذي يوليه الصديق الفاضل الأستاذ مصباح كمال لموضوع التأمين بالعراق، وبأمل أن تحرك هذه المناقشة الوسط الاقتصادي العراقي، لاسيما المختصين منهم، للبحث في قضايا التأمين وإعادة التأمين.
من حيث المبدأ لست متخصصاً بشؤون التأمين وإعادة التأمين، كما لست متابعاً تماماً لتطور علم التأمين وإعادة التأمين على الصعيد العالمي، ولكني، كاقتصادي وباحث في قضايا المجتمع المدني وحقوق الإنسان، أدرك أهميته لعميلة إعادة الإنتاج الموسعة في الاقتصاد والمجتمع، وبالنسبة للأفراد، في آن واحد، إنه القطاع الاقتصادي الذي يوفر الحماية التي يقدمها للجميع من جهة، وهو التعويض عن الخسائر المحتملة ومواجهة المخاطر غير المتوقعة في حالة حصولها من جهة ثانية، وهو الذي يوفر التوظيفات أو الاستثمارات المالية للتوسع في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وتنمية ثروة المجتمع، وهو الذي يمكن أن يحمي الشركات والأفراد من الإفلاس أيضاً في حالات التعرض لمخاطر محتملة.
أود هنا الإشارة إلى أني، حين أكتب مقالاتي، أحاول تجنب التكرار في معالجة أو مناقشة مسائل مهمة كنت قد كتبت عنها ونشرتها في الكتب والدراسات والمقالات السابقة، إذ من الصعوبة بمكان أن يلم مقالاً واحداً بجميع القضايا ذات الأهمية والمرتبطة عضوياً بموضوع البحث. فمثلاً عالجت قرارات التأميم لعام 1964 في مقالات عدة ومن زوايا عديدة نشرت في مجلة الطليعة اللبنانية وفي مجلة الطريق اللبنانية في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، وكذلك في مجلة الثقافة الجديدة في ذات الفترة، وفي كتابي التدريسي عن التخطيط الاقتصادي في العراق في العام 1974، إضافة إلى المبحث الأول من الفصل الثالث بعنوان "الاقتصاد العراقي في ظل انقلاب شباط 1863 والحكم العارفي" والموسوم "قوانين التأميم لعام 1964" ( أنظر: د. كاظم حبيب، المجلد السابع من مجموع 11 مجلداً، دار اراس، أربيل، 2013). وقد أطلق النظام العراقي ورئيس المؤسسة الاقتصادية العامة الدكتور خير الدين حسيب، الذي هيأ وأصدر تلك القوانين، اسم "القوانين الاشتراكية" و"التأميمات الاشتراكية"!!. وهي ليست اشتراكية فحسب، بل وليست تقدمية ولا ديمقراطية. وقد كتبت حول قرارات التأميم، التي شملت "27 شركة صناعية و11 مصرفا تجاريا و8 شركات تأمين وواحدة لإعادة التأمين وأربع شركات تجارية، وبلغ رأسمالها المدفوع مجتمعة 26،1 مليون دينار عراقي" لا غير، ما يلي:
"كانت إجراءات التأميم التي أقدمت عليها السلطة العارفية قد ساهمت في توسيع قاعدة قطاع الدولة وزيادة نشاطه ودوره في الإنتاج الصناعي وفي السياسة المصرفية والتأمين والتجارة عموما, ولكنها لم تغير من طبيعة قطاع الدولة الرأسمالي ولا من عدالة توزيع الدخل القومي أو منع تركز الثروة. ومن الموضوعية أن نشير بأن تلك الإجراءات ما كان لها بأي حال أن تغير من طبيعة قطاع الدولة, إذ أن المحك لطبيعة ومضمون نشاط واتجاهات تطور قطاع الدولة يكمن في طبيعة السلطة السياسية وبيئتها الاجتماعية وسياستها الاقتصادية. فلا المرحلة التي كان يمر بها العراق ولا البنية الطبقية والسياسية للسلطة العارفية ولا طابع وصولها الانقلابي إلى الحكم واتجاهات الحكم اللاديمقراطية والاستبدادية, ولا طبيعة أجهزة الدولة وسعيها للمشاركة في استنزاف قطاع الدولة من الباطن, بالتعاون مع فئات البرجوازية القريبة من الحكم وتلك التي ساعدت الحكام الجدد في الوصول إلى الحكم, كان في مقدورها تجاوز الواقع القائم وتغيير البنية والمضمون الحقيقي لقطاع الدولة ولمجمل عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي في العراق." (ص 283). وعليه فموقفي من قرارات التأميم لعام 1964، واضح، إذ اعتبرتها محاولة للتماثل مع قرارات التأميم التي أصدرها جمال عبد الناصر في الجمهورية العربية المتحدة (مصر) خلال الفترة 1961-1964، وإساءة كبيرة للقطاع الخاص العراقي والاقتصاد الوطني ولجم عملية الاستثمار الخاص في الاقتصاد الوطني، علماً بأن أغلب المشاريع الصناعية المؤممة كانت صغيرة أو متوسطة الحجم وملكيتها تعود للبرجوازية المتوسطة، كما إنها أضافت تبعات أخرى على قطاع الإدارة الاقتصادية الضعيف حينذاك للدولة العراقية. وتأميم شركات التأمين كان بدوره لا معنى له، إذ كان في مقدور الحكومة العراقية تأسيس شركات خاصة بها، إن كانت راغبة بذلك، أو أن تدخل شريكاً مساهماً معها ومعززاً لنشاطها، علماً بأن شركات التأمين الخاصة كانت ناجحة فعلاً وفعالة وكسبت ثقة الناس بها. (كانت رسالة الدكتوراه التي قدمتها ودافعت عنها في العام 1967 بجامعة الاقتصاد ببرلين تبحث في طبيعة إجراءات التأميم في الجمهورية العربية المتحدة، والتي اشرت فيها إلى طبيعتها البرجوازية والبعيدة كل البعد عن الاشتراكية، التي كانت تدعيه البرجوازية الصغيرة والقوى القومية العربية حينذاك).
أدرك تماماً ومقتنع جداً بأن السياسة الاقتصادية في بلد ما تشكل الوجه الثاني للسياسة العامة للبلد ذاته، فهما وجهان لعملة واحدة، وحين يكون النظام السياسي فاسداً ومستبداً وفاقداً للشرعية الدستورية، فلا يمن أن يكون الاقتصاد نظيفاً وديمقراطياً ومنفذاً لإرادة مصالح الشعب. ومن عاش الاقتصاد في فترة البعث الطويلة الأمد، يدرك كيف كان الاستبداد والظلم والفساد منتشراً في قضايا العقود والنشاط التجاري. وقد كشفت عن بعض صور الفساد والخلل في الاقتصاد العراقي وسياسة الدولة البعثية في محاضراتي في الجامعة المستنصرية بين 1969-1975. ثم في مداخلات لي في جمعية الاقتصاديين العراقيين وفي مقالات نشرت في مجلة الزراعة لوزارة الزراعة العراقية وفي جريدة اتحاد الشعب والثقافة الجديدة في الفترة بين 1976-1978، والتي أدت إلى اعتقالي في تموز عام 1978 وتعريضي للتعذيب وإحالتي في نفس العام على التقاعد بدون تقاعد.
أعرف جيداً بأن الأستاذ الفاضل والخبير المهني الكبير، في مجال التأمين ورئيس الشركة الوطنية للتأمين الأخ عبد الباقي رضا، الذي أكن له كل الاحترام والتقدير، نظيف جداً وحريص على عمله ونويه في عمله، وكذا الكثير من العاملين في جهاز التأمين التابع للدولة، ومنهم شخصكم الكريم، مصباح كمال. ولكن هذا لا يعني أن كل جهاز التأمين وإعادة التأمين والشركات العاملة في هذا القطاع كانت كلها نظيفةً ونزيهةً وحريصةً على أموال الدولة والمجتمع. وحين تحدثت عن سيطرة الدولة على القطاعات الاقتصادية، بما فيها قطاع التأمين وإعادة التأمين، فاعتمادي يستند إلى طبيعة الدولة ومجمل سياسة الاقتصادية والاجتماعية ووجهتها في التنمية الانفجارية التي أقرتها حكومة البعث في المؤتمر القطري الثامن في العام 1974. وقد تصديت لفضحها مشيراً إلى الاختلالات التي تثيرها في حركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية في المقال الذي نشر في تموز 1978 في جريدة اتحاد الشعب. وبهذا الشأن تحدثت مع السيد الدكتور فخري قدوري في مكتبه الرسمي في العام 1975/1976، حين كان رئيساً للجنة الاقتصادية التابعة لمجلس قيادة الثورة وتحت إشراف مباشر من صدام حسين، خصيصاً حول عواقب التنمية الانفجارية وأبلغته في حينها بالعواقب السلبية والسيئة المحتملة جداً للمسيرة السياسية والاقتصادية العراقية في ظل تلك القرارات السياسية والاقتصادية الصادرة عن المؤتمر الثامن لحزب البعث الحاكم، والتي تحققت فعلاً!! وبعد فترة غير قصيرة وجد الدكتور فخري قدوري نفسه أمام أمرين: إما الخضوع لسياسات اقتصادية واجتماعية مدمرة، وهو واحداً البعثي الأقدم بالعراق، وإما ترك العراق والتوجه صوب المانيا للعيش هناك.
في مثل هذا النظام الدموي المستبد والفاسد والأهوج لا يمكن أن أتصور أن قطاع التأمين قد سلم من الفساد في أجزاء منه، إن لم يكن كله، وليس بالضرورة بمعرفة رئيس الشركة الوطنية للتأمين أو بعض العاملين فيه. واتفق تماماً مع ضرورة دراسة هذه الفترة والتمعن والتدقيق في الاتهامات الموجهة لقطاع التأمين ايضاً.
حين أتحدث عن التأمين وإعادة التأمين أقصد به مجالات التأمين كافة، ولهذا أطالب بوضع رؤية علمية حديثة ومتقدمة، شاملة وموضوعية، لنشاط التأمين بالعراق وفي جميع جوانبه وفي علاقته العضوية مع جميع فروع الاقتصاد الوطني وقطاعاته والمجتمع والرعاية الاجتماعية، إذ أن الوعي بأهمية ودور وفوائد التأمين ليس مغيباً عند الناس البسطاء حسب، بل وعند جميع الأوساط الحاكمة بالعراق. ومن المؤسف حقاً أن تفتقد مسودة برنامج الحزب الشيوعي العراقي لفقرة خاصة تشير إلى دور التأمين وأهميته للاقتصاد والمجتمع بالعراق، وأعتقد أن مؤتمره العاشر سيضيفها إلى البرنامج.
لقد لعب بريمر دوراً سيئاً في الاقتصاد العراقي، وبضمنه التأمين وإعادة التأمين، وترك آثاره السلبية والسيئة على الوضع كله، وقد نشرت عن ذلك الكثير من المقالات في فترة وجود بريمر بالعراق. وفي حينها اتصل بي خبير أمريكي، وصل إلى العراق للعمل في مشروعات المعونة والمسؤول عن السياسة الاقتصادية الجديدة التي يراد اتباعها بالعراق، في النصف الثاني من عام 2003 وفي العام 2004، وأعلمني برغبته في التعاون معي لفهم الواقع الاقتصادي وسبل تنشيط الحياة الاقتصادية. وأخبرني بأنه قد اخذ اسمي من مسؤولين بالعراق باعتباري من اقتصاديي البلد. طلبت منه أن يقدم لي رؤيته للاقتصاد العراقي وسبل التغيير التي يسعى إليها ووجهة التطور قبل أن أبدي له رأيي. كان يجيد التحدث والكتابة باللغة الألمانية. فكتب رؤيته تفصيلاً والاتجاه الذي يسعى إلى إرساء قواعد النشاط الاقتصادي بالعراق. وكانت اللبرالية الجديدة لحمة رؤيته الاقتصادية والسياسة وسداها حقاً. وهو ما سعى بريمر إلى تنفيذها بالعراق. فكتبت له رؤيتي الشخصية وملاحظاتي الموسعة عن رؤيته، واعتذرت له عن العمل معه، لأننا مختلفان تماماً، ويصعب اللقاء في وسط الطريق. فاتصل بي هاتفياً وأشار إلى أنه لا ينسجم مع رؤيتي لواقع ومستقبل الاقتصاد العراقي، وأنه يتفق معي في صعوبة التعاون، وأنه سيسعى للعمل مع اقتصاديين آخرين بالعراق. وتم ذلك فعلاً، ونحن شهود عيان لما وصل إليه اقتصاد العراق حالياً، بفضل سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهيئات المعونة الدولية وخبراء المعونة الاقتصادية والمستبد بأمره بريمر!
أشعر بضرورة كتابة مقالات مبسطة تصل إلى الإنسان العراقي في مجال التأمين، وأملي أن يقوم الأستاذ الفاضل مصباح كمال، وخبراء تأمين أخرين بهذه المهمة، لأن المسؤولين الحاليين لا أمل فيهم في تطوير قطاع التأمين، باعتباره جزءاً حيوياً وأساسياً وضرورياً من الاقتصاد العراقي ولا يجوز التعويل عليهم. الاقتصاد العراقي يعيش البؤس والرثاثة بعينها، يعيش الصراع الطائفي في ظل نظام طائفي ومحاصصة طائفية تتصارع فيه قوى النظام على السلطة والمال والجاه، في دولة رثة وهشة وفاسدة بسلطاتها الثلاث ومؤسساتها، وهذا لا يعني عدم وجود أناس طيبين نزيهين ومخلصين وغير فاسدين بالبلاد، إلا أنهم عملة صعبة، ولكن ليس بين الحكام الحاليين على أقل تقدير.
برلين في 1/12/2016