صرخة رفض

شاكر الناصري
2016 / 11 / 30

"ولكم الشيخليّ دهرنا دهر...صدك جذب....چا يكولون الجيش عده هيبه وأهم من الشرطة، شو ذوله لعبو بينا طوبه" ... كان الجندي الأول مزهر يتحدث إلى جنود حظيرته الصغيرة بعد أن تم إبلاغهم بإعدام ثلاثة من جنود الفوج الثانيّ لواء المشاة 807، من قبل وزارة الداخليّة!

لا أحد يبحث عن سر تولي سمير الشيخليّ منصب وزير الداخليّة في العراق في عام 1987. فهو التجسيد الحقيقيّ لصلف سلطة البعث وبطشها، ولا غرابة في أن يمنحه صدام حسين صلاحيات واسعة. كان أخطر تلك الصلاحيات هو أن تتولى وزارة الداخليّة أمر محاسبة الجنود، وملاحقتهم، والقاء القبض عليهم، وسجنهم، وتسفيرهم ووو...وإعدامهم! مما جعل منتسبي الوحدات العسكريّة يحسبون ألف حساب خلال إجازاتهم أو نزولهم دون إذن رسمي من وحداتهم.

لقد انقلبت الصورة! ففي الوقت الذين كان أفراد الجيش ينظرون إلى الشرطة ومفارزها بدونيّة واستخفاف؛ تحولت هذه المفارز، التي تعشعش في الكراجات وتنصب سيطرات طارئة على الطرق الخارجيّة، إلى رعب حقيقي لن يسلم منه الجنود إلّا مصادفة. فالشرطة تتعامل مع الجنود بفظاظة، وخشونة، وإذلال، وتشف واضح.

لم يكن "رياض خزعل نايف" أول ضحايا زمن تسلط وغطرسة داخليّة الشيخلي، فقطعات الجيش شُملت جميعها بأحكام وممارسات وصلاحيات وزارة الداخليّة. وكان تذمر الجنود والضباط على أشده، فكيف يمكن أن يتعرض جنود يلتحقون إلى وحداتهم في الجبهات والخطوط الأماميّة إلى الإهانة والسخريّة والاستفزاز من قبل مفارز الشرطة؟
...............................................................................................................................................
في تموز 1985، كانت وحدتنا في أول ايامها على خطوط التماس التي تقابل القطعات الإيرانيّة، من جبل هيرو إلى الوديان المحيطة به، وإلى الوادي الذي يحيط بجبل " نبأ". كنّا، جميعا، نعيش حالة من الارتباك، فهذه هي المرّة الأولى التي نصل فيها إلى الجبهة ويصعب علينا التعرف على المكان والطرق الأمينة التي يجب علينا أستخدامها وبكل الأثقال التي نحملها، يطغات، أسلحة، السفريّ... حتّى سمعت صوت أحد الجنود، يأتي من مكان قريب: ها شاكر..شجابك هنا!! لم اكن اعرف صاحب الصوت وحين التفت إليه كان نسخة من صديق لي في الناصريّة.

- أنت من بيت خزعل؟؟ أنت اخو محمد ونزار...الخ؟

- أي، أي ، انه رياض أخوهم.. ما تتذكرني، لان ما موجود دائما بالناصريّة.

- صدفة حلوة، بوضع مو حلو رياض.. يعني عفنا الناصرية، والحبوبي، والكراج، وبيتكم ونلتقي هنا، على هذا الجبل، ما ندري شراح يصير، وشلون تخلص أيامنا هنا؟؟

- أنت مخابر؟؟ سألته عن صنفه بعد أن شاهدته يتعامل مع جهاز الراكال.

- أي، مخابر لاسلكيّ.

- جماعتك شلونهم؟؟

- جيش، جيش، كلشي بيه، أكوخوش ولد وحبابين، أكو صُفر صُفر وانت أعرف بيهه.

هؤلاء الصُفر كانوا اتباع حضيرة الاستخبارات، الذين لايترددون في التدخل في أبسط التفاصيل: الاسم، المدينة، الطائفة، الشيوعيّة والبعثيّة، الدعوة..الخ. كان" حمزة" يتفاخر بانه كان ضمن جوقة تعذيب الشيوعيين في "الحلة"، يتفاخر انه كان يمنع النوم من مداعبة أجفان السجناء. يقول انه كان يذر الملح في القروح والجروح التي تفتقت بسبب التعذيب!!

حين أتحدث عن " رياض خزعل" فإني أتحدث عن كتلة من الجزع الحقيقي والرفض المطلق للخضوع لأوامر الجيش وقوانين الحرب وسطوة الضباط. اتحدث عن أناس أعلنوا رفضهم لتلك الحرب، ومبررات من أشعلها، ولكلّ عواقبها، وإنتهاكاتها، فكانت أرواحهم ثمن رفضهم.. الأرواح التي إفترستها ماكنة سلطة البعث وقوة ردعها وقسوتها، الشرطة، الإنضباط العسكري، الاستخبارات، المخابرات، الجيش الشعبي..الخ، قبل أن تفترسهم قذائف الدبابات، والمدافع الثقيلة أو قناصة الكمائن!

لايهم السلطة كثيرًا أن تُقتل من قِبل شرطيّ، أو انضباط عسكريّ، أو مفرزة إعدامات، المهم أن تُقتل، ما دمت تخالف نهجها!

-آنا شعليه، أريد أعيش حياتي، بنية ذهب، حلوة، تمَوت، جيران بيت أخوي، تحبني، والله تحبني، شلون، شأسوي حتى أكون وياها؟؟ معقولة ابقى هنا، لو اموت هنا وهي هناك؟؟

حدثني عن صنفه كمخابر لاسلكيّ، وعن جزعه من الجيش والضباط والمفارز، عن الأوامر، والمزايدات والرشوة بين ضابط الاستخبارات والمسؤول عن فصيل المخابرة، وعن رغبته في الهروب من الجيش والحرب مهما كانت النتائج!

كان القاطع جديدًا بالنسبة لنا، كل شي فيه جميل، الارض، الجبال، الوديان، الصخور. ربّما كنّا نقضي فترة معايشة والتطبع على العمل في جبهات الحرب، حتّى يتم نقلنا للجبهات المشتعلة. أما الجبهة الإيرانيّة التي تقابلنا فهي مثل قاطعنا تماما، هادئة بحذر مخيف. لأشهر طويلة بقينا في هذا القاطع، لم تحدث مناوشات أو قصف متبادل، حتّى إنَّ بعض الجنود كانوا يقولون بعدم وجود قطعات إيرانيّة في الجهة المقابلة. فيما كان بعضهم يردد: بشرفي سياحة تخبل، ورود، وعيون ماي..بس لا يلتفتون علينا اخوات العمية وينقلونا لقاطع ثاني.

حين نُسب رياض إلى سريتنا، كان قد وصل مرحلة حاسمة بقرار الهروب من الجيش!

تنقلنا بين قواطع عديدة، خسرنا الكثير، لكن رياض لم يغير رأيه بالهروب، وكأنه ينتظر اللحظة الحاسمة، لحظة الاقتناع بتحمل تبعات قراره، بصفاء ذهن وبشجاعة نادرة.

- رياض ما تخلص إلا إذا هربت لخارج العراق، عندك احد يساعدك؟؟

- لا ما عندي، منين أجيب، و كلها خايفه ومرعوبة؟؟

في ليلة ما من عام 1987 تسلم رياض إجازته الدورية، لمدة سبعة أيام، ودعني حينها:- بعد ما تشوفني بهاي الوحدة.

- مرتب امورك؟؟ عندك احد يساعدك، نماذج اجازات على الأقل؟؟

- لا، ما عندي، بس كافي، شبعت موت، وأي موت وانا بغير مكان أهلا بيه!

- كل احنا نريد نهرب رياض، بس وين نروح، لا مكان بيه خير يحمينا، ولا عدنا امكانيات تزوير، لو نشرد للكويت..أهلك مراقبين من الأمن والبعثية، تدري أكو شباب هنا، بودهم يسلمون نفسهم أسرى بأول هجوم إيرانيّ!!

كان رياض الصرخة والشاهد الصريح والجريء على حال العشرات، والمئات، بل والآلاف من الشباب الذين وجدوا أنفسهم وسط دوامة الحرب وحرائقها المخيفة. هؤلاء الشباب الذين كانت كلّ آمالهم أن تمضي حياتهم بهدوء وأن يستمتعوا بما تيسر من ملذّات، وجمال، ورغبات جامحة بالعيش، دون تدخلات تفرض عليهم ما لا يحبون فتستلب إرادتهم ويتحولون إلى أرقام اضافية في سجلات قتلى الحرب أو أسراها ومفقوديها!

لكن الحرب، وقسوة السلطة شكلا الإنتهاك الحقيقي للحياة ورغبات العيش وطموحات الإنسان. الشظايا التي تتناثر في ساحة الحرب، إن لم تخترق جسد جندي ما، فانها ستتحول إلى ناقوس ذعر يحيل حياته إلى جحيم يشعره بالإنتهاك والإصابة بعاهات الحرب وتبعاتها..... ستبقى تزأر في روحه وذاكرته أينما ارتحل!

ما رأيت إنسانا رافضاً وغير قادر على إحتمال الأوامر العسكريّة التي يتعامل معها كأوامر إذلال وإهانة وإكراه، مثله. وما هروبه إلّا صرخة عظيمة وهائلة في رفض الحرب وتبعاتها، رفض الذل والإمتهان الذي يعيشه الجنود في جبهات وخنادقها، قسوة الالتحاق الذي يُظهر الجندي في أسوء لحظات انكساره ويأسه. صرخة كانت تتكسر داخل روحه، فأطلقها بعد أن اختار الطريق الذي يعرف تبعات السير فيه!

كان يؤمن بالحياة، وتتملكه رغبة كبيرة بأن يحياها، لكن حياته استلبت وفقد الخيار بتسييرها أو اختيار المسار الذي يريده لها.

رغبته بالإبتعاد عن الموجودين معه في السرية، الفصيل، الحظيرة، سوى ما يخص نوبات خفاراته أو تصليح الخطوط السلكيّة العاطلة، رسمت الحدود الفاصلة بينه وبينهم، وولد حالة من الاحتراز والانتباه لدى زملائه.

كنّا نشعر أنَّ تكليفه بواجب معين قد يدفعه إلى استخدام السلاح، الذي يكرهه ويرفض حمله، ضد من أصدر الأمر له!! فتحول إلى ظاهرة احترمها كلّ من فهمها أو من خبأ الافصاح عن حقيقة وضعه وهواجسه من الحرب ومن الجيش والأوامر العسكريّة عموما.

زارني، مرّة واحدة، في بيتنا.

كنت اعرف اخباره من " نزار" ثم اختفى للأبد، حتّى وصل كتاب إعدامه " السريّ والشخصيّ" الصادر من وزارة الداخليّة، إلى وحدتنا!

أعدم في 15 شباط 1988.