عن الحشد الشعبي وتقنينه وقدسنته.

جعفر المظفر
2016 / 11 / 30

عن الحشد الشعبي وتقنينه وقدسنته.
جعفر المظفر
إن كثرة المقدسات التي نمنحها للآشياء بسهولة تُضيع علينا معرفة هوية المقدس المركزي. وأسأل .. إذا كان تعدد المذاهب في الإسلام حالة طبيعية وشرعية, أليس من الحق عندها, حينما يذهب أحد هذه المذاهب إلى تقديس رجالاته وأمكنته, أن ينحى الآخر أيضا إلى رفع رجالاته وأمكنته إلى نفس الدرجة من القدسية, لتكون لدينا بالتالي قائمة مفتوحة من المقدسات. ويا خوفي على أمة تكثر فيها المقدسات.
إن كلمة المقدس تعني رفع الشخص أو المكان إلى درجة تسمو على كل الإعتبارات البشرية مثلما تعطي للشخص عصمة عن الخطأ وترفع مقامه ومقاله إلى حيث قد تختفي الفاصلة بين كلامه وكلام الله ثم تنزله بعد ذلك منزلة لا يجوز الشك بعملها أو بقولها.
ولقد أصبحت لغة التقديس خطرة عمليا على المجتمع, وعلى الذات الإلهية أيضا, يوم جرى تداولها خارج قاموس الدين وأضحت وسيلة لتحويل ما هو بشري إلى رباني وما هو حاجة ميدانية مرهونة بظرفها إلى حالة عقائدية لا يجوز مناقشتها أو حتى التفكير بتعديلها.
ويا ليت أن السياسي الديني, سنيا كان ام شيعيا, يؤمن حقا بهذه المفردات لأن الخطأ هنا سينال من الأفكار لا الأخلاق, ومن العقول لا الضمائر. لكن الجميع قد بات يعلم, وخاصة بعد تجربة الإسلام السياسي في العراق, أن الهدف من القدسنة هو تسييج الظاهرة السياسية والإجتماعية بأسوار لا يجوز الإقتراب منها سواء بالنقد أو التساؤل, فكيف ستكون حال الشخص إذا إقترب منها بالتجريح.
إن الدين هو فقه المقدسات, أما السياسة فهي فقه اللامقدس, ويوم لا يجوز الإتيان, بعد توقف الوحي, بنصف آية, فإن كتاب السياسة يبقى مفتوحا على النظريات والأفكار الجديدة وعلى الحذف والإضافة وعلى التعديل والتبديل.
أما آخر صيحات التقديس في العراق كانت قد تجلت حينما تمت قدسنة الحشد الشعبي على أيدي مجموعة من السياسيين الذين أرادوا الناي بالتنظيم عن ساحة المراجعة والتعديل و النقد.
لقد تم تشكيل الحشد الشعبي تأسيسأ على فتوى أصدرها المرجع الشيعي الأعلى والمتأسسة بدورها على فقه الجهاد في الإسلام, وبشكل خاص ما يسمى بالجهاد الكفائي, وهذا النوع من الجهاد هو غير جهاد فرض العين. ويوم يتم ترجمة تلك المفردات الدينية سياسيا يصبح الجهاد الكفائي قرينا لحالة التطوع أما جهاد فرض العين فيصبح قرينا لحالة الطوارئ او التعبئة العامة, وإذا كان هناك مشهد للمقدس فهو خاص بمهمته لا بهيئته. وهي هنا كما قصد بها السيد السيستاني مهمة تتعلق بالقضاء على داعش, ولذلك فهي قابلة للتوقف حال إنتهاء المهمة.
إن عملية بناء الدولة تطلب عدم الوقوع في مطب تحويل ما هو مرحلي إلى ثابت تاريخي وما هو طارئ إلى سياق, إذ ان لكل مرحلة ظروفها وبرامجها وآلياتها وأساليبها, والخطأ أن يتم إسقاط برامج وخطط مرحلة سابقة على مرحلة لاحقة ومختلفة من حيث المهام والاهداف والمعطيات. وما أفهمه ان السيد السيستاني كان دخل على الخط حينها فأصدر تلك الفتوى الدينية الموجهة بالأصل للطائفة الشيعية, كونه مرجعها الأعلى, لأنه إعتقد أن الدولة العراقية التي كان يقودها رسميا نوري المالكي لم يعد لها وجود فعلي, وأن هذا الأخير قد فقد كليا السيطرة على الوضع نتيجة لسوء الإدارة وعقم النوايا, وإن بغداد نفسها صارت في مواجهة خطر داعش. ومن ما أفهمه أيضا أن أن الحروب حالما تضع أوزارها فإن أول ما توجبه حالة السلم هي العودة إلى حالة الدولة المدنية وإلغاء كل الظواهر التي كان تشريعها قد جرى لضرورات مرحلة الحرب ذاتها ويكون إستمرارها خارج السياقات السليمة لحالة السلم.
إن فتوى الجهاد الكفائي التي نطق بها السيد السيستاني لغرض مرحلي محدد ولتنفيذ مهمة بعينها, قد تم تحويلها من قبل الأحزاب الطائفية الشيعية إلى ثابت تاريخي, ولكي تكون جزء لا يتجزأ من دولة تفترض العودة إلى تأسيسها مراجعة كل ما كان تشريعه قد إرتبط بمهمة مرحلية محددة ومٌعرَّفة بهدفها المرحلي وذلك لجواز تعديله وحتى حذفه لإنتفاء الحاجة إليه, ولكونه في المرحلة اللاحقة قد يصبح عبئا على الدولة التي أوجبته في مرحلة سابقة.
بإمكان السيد السيستاني أن يكتشف سريعا كيف إستولى السياسيون الطائفيون من قادة الأحزاب الشيعية على فتواه لكي يحوروها ويفصلوها على مقاسهم ويبرمجوها لأغراضهم, وبما أنه صرح مرات عدة بأنه من أنصار الدولة المدنية فهو لا شك على علم أكيد أن الطريق الأوضح والأفصح والمستقيم لبناء هذه الدولة لا بد وان يمر من خلال إقامة مؤسسة عسكرية مركزية تتمثل فيها وحدة الوطن خير تمثيل.حيث يتطلب ذلك العودة عن ما إقتضته الحرب ذاتها, وما جاءت طبيعته لكي تتناسب وطبيعة تلك الحرب .
إن وضع اليد هنا على موضع الخطأ لا يحتاج إلى شخص من خارج النظام كأن يكون معاديا له, وإنما بإمكان رجل من حزب الدعوة أن يفعل ذلك لو تمت له مراجعة أَثر هذه الخطوة على شكل ومضمون الدولة العراقية التي يدعي العمل من أجل قيامها, فما دام هناك إيمان بقضية المكونات فإن مبدأ الأغلبية حتى بشكلها الطائفي يجب ان يتحقق بمنأى عن مبدأ الطغينة. وفي الحالات ذات العلاقة المباشرة بأساسيات بناء الدولة المتعددة المكونات, والتي هي أساسا تحت التكوين, فإن الديمقراطية التوافقية تقتضي وجوبا ان يتم الوصول إلى تلك الأساسيات عن طريق التفاهم قبل الحسم التصويتي البرلماني. هذه الحقيقة لن تنال من الحق الدستوري التشريعي للبرلمان وإنما تمنع طغينة القرار الطائفي ذا الغلبة البرلمانية عليه.
إن الإعتراف ببطولة أبناء الحشد وتقدير دورهم العظيم في الدفاع عن العراق يجب ان لا يتقاطع مع حق العراقيين بمراقبة اداء قياداته السياسية ذات الولاء المحسوم لإيران أو النوايا التي تريد لهذا الحشد أن يكون نسخة لفيلق القدس الإيراني أو تابعا له, إذ ان لكل بلد ظرفه الخاص وهيئاته التي تتناغم مع أساسياته, وما قد يفيد الشيعة الإيرانيين قد يضرهم في العراق, هذا إذا أَبيح لنا هنا أن نتحدث بمنطق المذاهب وليس بمنطق المواطنة, أما إذا لَزم لزوم ما يٌلزِم, فإن القول بالدولة المدنية الذي جاء على لسان السيد السيستاني يجعل الدولة العراقية غير مٌلزَمة لأن تتخذ ذات الإجراءات التي تتخذها دولة الفقيه, كأن يكون لها فيلق قدسها أيضا التي أنشاته الدول الإيرانية لأغراض هي في الأصل مرتبطة ببرامج بناء النفوذ الإيراني في المنطقة .
إن الحالة الأخيرة ستجعلنا نعتقد أن الإسراع لتحويل الحشد من مؤسسة مرحلية إلى مؤسسة دائمة كان قد تم بموجب ما تحمله مرحلة ما بعد داعش على مستقبل هذا التنظيم المسلح الذي كان قد تأسس أصلا كحاجة مرحلية وتلبية لنداء الجهاد الكفائي الوقتي المرحلي المحدد بهدف مُعرَّف, والظن أن مرحلة ما بعد داعش سيكون في مقدمة مهامها بناء الجيش الوطني الموحد الذي يلغي الحاجة إلى الميليشيات ويزرع البذرة المطلوبة لإعادة إحياء الوطن العراقي الموحد