6 مصادر المعرفة والمعقولات الثلاث والدين

ضياء الشكرجي
2016 / 11 / 30

6 مصادر المعرفة والمعقولات الثلاث والدين
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
هذه هي الحلقة السادسة من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن ما زلنا مع مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل». مع العلم إني اخترت للمقالات المختارة من كتبي للنشر عناوين تختلف عما في الكتاب/الكتب، لأن المقالة المستقلة، تحتاج إلى عنوان مختلف عن عنوان موضوعة من موضوعات كتاب مترابط موضوعيا.
سأتجاوز مجموعة موضوعات اشتمل عليها كتابي، منها «طريقتان في محاولة فهم الخالقية وعلاقتها بالحكمة والعدل»، «العدل الإلهي والجبر والاختيار»، «كتاب عقائد محايد دينيا»، واخترت أن أختار الموضوع أدناه لهذه الحلقة. والموضوع كنت قد كتبه قبل نهايات القرن السابق أو بدايات القرن الحالي، أي في الفترة التي كنت أؤمن فيها بالإسلام دينا إلهيا، لكن مع اعتماد منهج خاص بي أسميته (تأصيل مرجعية العقل)، وجرت مراجعته وتنقيحه وتكملته في أيلول 2009، أي بعد تحولي إلى الإيمان اللاديني (لاهوت التنزيه)، واضعا ما أضفته لاحقا بين مضلعين.
وأحب أن أعترف أني لا أرى مواجهة رفضين، رفض الدينيين للادينيتي، ورفض اللإلهيين لإلهيتي، بالأمر السهل، آملا ألّا يستعجل الفريق الأول بتكفيري وتفسيقي، فلعلي أكون أعمق إيمانا واستقامة من الكثير منهم، وألّا يستعجل الفريق الثاني بتسفيهي وتسخيفي، فلعلي أكون أكثر عقلانية وصوابا من الكثير منهم، أو لعلي، بل لا أستبعد أبدا، أن أكون قد أخفقت في تناول أمر هنا أو آخر هناك.
ما هي مصادر المعرفة للإنسان؟
[ولعل هذا السؤال كان ينبغي أن يتقدم على ما قبله، لأننا قبل التحدث عن علاقة العقل بالدين، لا بد لنا أن نعرف ما هو دور العقل، وما هو موقعه أساسا من مسألة المعرفة الإنسانية، التي تمثل فيها عقائده القاعدة الأساس.]
عندما نتناول قضايا الدين، والإيمان، والوجود، وعموم المعرفة الإنسانية، لا بد لنا أن نعرف ما هو دور العقل [أعني هنا بالعقل علم القواعد العقلية وليس ملكات وقابليات الإدراك والاستيعاب الشخصية النسبية المتفاوتة].
هناك اتجاهان في هذا المجال:
الاتجاه الأول: يقول أن المصدر الوحيد لمعارف الإنسان هي التجربة والملاحظة، فالإنسان عندما يلاحظ الظواهر في الطبيعة يستخلص منها معارفه الأولية، كما يستخلص من ذلك القوانين لكل العلوم بطريقة الاستقراء، والاستقراء هو تكرر ظاهرة ما - مثل تمدد المعادن بالحرارة - مرات عديدة جدا، بحيث يستطيع أن يستخلص منها الإنسان قانونا ثابتا، تتأكد لديه صحته كلما ازدادت عدد المرات التي تتحقق فيها هذه الظاهرة، والاستقراء يكون إما بالملاحظة بدون تدخل الإنسان، وإما بالملاحظة الملحقة بالتجربة، وإما أحيانا بالتجربة فقط، عندما تكون هناك فرضية أو احتمال وجود قانون ما، يعمد صاحب الفرضية أو المُحتمل لذلك القانون إلى التجربة والاختبار، ليتأكد من صحة الفرضية أو القانون. وهذا الاتجاه بكل مستوياته الثلاثة يسمى بالاتجاه التجريبي.
الاتجاه الثاني: يؤيد الاتجاه الأول، في أن التجربة والملاحظة تمثلان مصدرا مهما من مصادر المعرفة للإنسان. ولكن التجربة - حسب أصحاب هذا الاتجاه، وأنا منهم - تعجز لوحدها عن الوصول إلى جميع المعارف، بل هناك معارف أولية أو لنقل قبلية، أي إنها معارف سابقة للتجربة والملاحظة بالمرتبة، أو مستقلة عنها، سواء سبقتها بالفعل في كل حالة، أو لم تسبقها، وهذه المعارف هي المعارف العقلية. فمن ميادين المعرفة ما هو مختص بالتجربة، ومنها ما هو مختص بالعقل (العقليات)، ومنها ما يكون فيها العقل والتجربة متعاضدين متكاملين في الوصول إلى المعرفة. والتجربة لوحدها فقيرة، أي محتاجة إلى القوانين [الكلية] والقواعد العقلية الأولية في أكثر معارفها. وهذا الاتجاه الذي يؤمن بالعقل والتجربة على حد سواء كمصدرين للمعرفة، يسمى بالاتجاه العقلي. وليس هناك [بحدود اطلاعي] اتجاه عقلي متطرف أو حصري كالاتجاه التجريبي، ينفي دور التجربة والملاحظة.
وقبل تناول أهم القواعد والقوانين العقلية التي نحتاجها في فهم العقيدة، أقول ما مر آنفا تناول المعرفة الإنسانية العامة، ونفس الشيء يقال عن المعرفة الدينية أو الإيمانية أو الميتافيزيقية الخاصة.
ما هي مصادر المعرفة الدينية للإنسان؟
أو لنقل المعرفة الإيمانية (الميتافيزيقة)، بما هو أشمل من الدين، أو مستقل عنه وربما ناف له، فهنا أيضا لا بد لنا أن نعرف ما هو دور العقل، وما هو موقعه أساسا من مسألة العقيدة والدين بشكل خاص.
هناك ثلاثة اتجاهات في هذا المجال:
الاتجاه الأول: يقول أن المصدر الوحيد لمعارف الإنسان المؤمن الدينية هو الوحي (القرآن والسنة في الإسلام، والكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وتقاليد الكنيسة عند المسيحيين). ولا قيمة للاستحسان أو التصحيح العقلي لا فلسفيا ولا أخلاقيا، فما حسّنه أو استحسنه الشرع (النص الديني)، وأمر به، فهو حسن، وما قبّحه أو استقبحه، ونهى عنه، فهو قبيح، وما يفعله الله بالدليل النقلي - لا العقلي - هو عدل وحكمة منه تعالى، كتخليد إنسان لذنب ما في العذاب، أو المعاقبة على مجرد العقيدة، إذا كانت تمثل بالنسبة لأتباع ذلك الدين كفرا.
الاتجاه الثاني: يؤيد الاتجاه الأول، في أن الوحي (النص الديني) هو مصدر أساسي للمعرفة الدينية، ولكن بضم العقل كمصدر أساسي يتقدم عند البعض على الوحي، لأن به يصدق ما يدعى أنه وحي على أنه كذلك، أو لا يصدق، لاسيما في الضرورات العقلية، وعند البعض الآخر يتقدم الوحي دون إهمال العقل، وعند فريق ثالث يتعاضد المصدران المعرفيان العقل والوحي في معرفة العقيدة. والعقليون يعتبرون المعارف العقلية سابقة لمقولات الدين، ومستقلة عنها، وحاكمة عليها، سواء سبقتها بالفعل في كل حالة أو لم تسبقها. ولكن العقليين الدينيين غالبا ما يقعون من حيث لا يشعرون في المنهج التبريري، وينأون عن المنهج العقلي، خوفا من الوقوع في الشك في الدين. [لذا جاءت نصوص دينية تحذر من التعمق في مسائل الدين، وأخرى تنفي أن يُدرَك الدين بالعقل، الأول ينسب لعلي والثاني لحفيده جعفر بن محمد المعروف بـ(الصادق)، ناهيك عن موقف الأشاعرة، وبالأخص موقف السلفيين المعطلين كليا للعقل، بل وللعلم.]
الاتجاه الثالث: [وهو ما أذهب إليه] هو الذي يقول إن العقل هو مصدر المعرفة الإيمانية، وتعرض عليه مقولات الدين عرضا متجردا وناقدا ومحاكما وحاكما، فيحكم العقل بصدق أو عدم صدق هذا الدين أو ذاك، هذا المذهب أو ذاك، طريقة الفهم للدين هذه أو تلك، حتى لو أدى الدليل العقلي بنقض الدليل النقلي، وحتى لو كان بمستوى نفي الوحي، أو ما دونه، أي موقف اللاأدرية من الدين، فهو الحجة للإنسان وعليه. [وهذا الرأي كنت أتبناه بعشر سنوات قبل التحول الأخير إلى الإيمان العقلي اللاديني، وبشكل خاص منذ اعتمادي لمنهج «تأصيل مرجعية العقل».]
[والعقل إذا ما استُخدِم استخداما صحيحا يؤدي في فهمي إلى الإيمان اللاديني، لتعارض كل من مقولات اللاإيمان، أو اللاإلهية من جهة، والدينية من جهة أخرى، مع القواعد العقلية، كما سأفصل في بحوث لاحقة. لكني وجدت عبر المنهج العقلي أن الإلهية أو الإيمان واجب عقلي، واللاإلهية أو الإلحاد ممتنع عقلي، وكلا من الدين واللادينية ممكن عقلي [مفهوما مجردا]، ينتهي العقل بعد اختبار هذا الممكن [أي المصاديق المدعاة]، متحقق هو أم لا، إلى إنكاره، لا من حيث أنه ممتنع عقلي ابتداءً وإجمالا، وإنما لاشتماله على ممتنعات عقلية في التفاصيل، مما يمتنع صدوره عن الله تنزه عن العدم، وعن الوجود على وفق الصورة الدينية لوجوده. [خلصت إلى قاعدة مفادها "إن الدين مفهوما ممكن عقلي ومصداقا ممتنع عقلي".]]
ما هي أهم القواعد والقوانين العقلية التي نحتاجها في فهم العقيدة؟
المعقولات الثلاثة: لا يخلو للعقل من أن يكون له تجاه كل قضية تطرح عليه موقف من ثلاثة مواقف، أو حكم من ثلاثة أحكام؛ إما الوجوب، وإما الامتناع، وإما الإمكان. [أحكام العقل الثلاثة هذه يُطلق عليها المعقولات الثلاثة، وأراها تسمية غير دقيقة، وربما يكون الأصح أن يقال (العقليات الثلاثة)، بمعنى الواجب العقلي، والممتنع العقلي، والممكن العقلي.]
1. الواجب العقلي: هو ما يكون ضرورة عقلية يوجبها العقل، ويسمى بالواجب العقلي أو الضرورة العقلية.
2. الممتنع العقلي: هو ما يكون مستحيلا عقليا يقرر العقل امتناعه، ويسمى بالممتنع أو المحال أو المستحيل العقلي، أو اللاممكن العقلي.
3. الممكن العقلي: هو ما يقف منه العقل موقف الحياد، فيقبل العقل ابتداءً إمكانية ثبوته وإمكانية انتفائه على حد سواء.
والواجب العقلي والممتنع العقلي ليسا متناقضين كالوجود والعدم، لكنهما متضادان، أحدهما ينفي الآخر، يعني ما يوجبه العقل يكون عدمه ممتنعا، وما يكون ممتنعا، يوجب العقل عدمه، ولذا لا يُتعقَّل اجتماعهما في شيء واحد، ولكن يُتعقَّل انتفاؤهما سوية، ليحل مكانهما الإمكان العقلي الذي يتساوى فيه إمكان الوجود والعدم [وإمكان الصدق والكذب].
ولكن حيث أن هناك خلطا عند البعض بين ما هو عقلي وما هو عقلاني أو ما هو عقلائي، فيتوهم هذا البعض أن الممتنع عقلانيا أو عقلائيا هو ممتنع عقليا؛ لذا يجب تثبيت حقيقة أن الامتناع العقلي هو الامتناع الفسلفي، أو المنطقي كامتناع اجتماع النقيضين، وامتناع أن يكون الجزء أكبر من الكل أو مساويا له. أما الامتناع العقلاني أو العقلائي فهو من نوع الامتناع العملي، وهو ليس دائما امتناعا مطلقا، بل قد يكون امتناعا نسبيا، وإنما يعبر عنه غالبا بالممتنع أو المحال مجازا، ومن قبيل المبالغة، وحتى لو كان امتناعا حقيقيا وقطعيا، فهو في كل الأحوال لا يساوي الامتناع الفلسفي. كما إن الامتناع العقلي هو غير الامتناع العلمي، الذي يمكن أن نسميه بالامتناع الطبيعي. وآخر مراتب الإمكان أو الامتناع هو العملي منهما. فالامتناع العملي من قبيل أن أسافر أنا شخصيا إلى القمر بواسطة مركبة فضائية، وهذا امتناع عملي خاص أو تعييني، رغم أنه يمثل إمكانا عمليا عاما أو مجردا، أي مجردا عن خصوصية الأفراد، وأما الامتناع العلمي أن أسافر إلى القمر على ظهر طائر كبير، والامتناع الفلسفي أن أكون أنا نفسي وحقيقة وليس مجازا، في اليقظة وليس في النوم، واقعا وليس توهما بسبب مرض الهلوسة أو سواه؛ أن أكون موجودا على الأرض وعلى القمر في آن واحد. وقبل مواصلة التفصيل عن مستويات التعقل الثلاثة، نقدم رسما توضيحيا للواجب والممتنع والممكن، مقترنا بالوجود والعدم، أو الصدق والكذب بالنسبة لكل مقولة يواجهها العقل. [اضطررت للاستغناء عن عرض الرسوم كوسائل إيضاح، لصعوبة نشرها على (الحوار المتمدن)، بينما نشرت في كتابي الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، لكنها ظهرت غير ملونة، مما أضعف من دورها في الإيضاح، بينما اشتمل عليها ملونة كتابي باللغة الألمانية Religion kontra GOTT، وترجمة العنوان بالإنگليزية Religion contra God. وكتفي بعرض ما نشرته من شروحات لهذه الرسوم الإيضاحية، آملا إمكان تصورها، على الأقل لمن يمتلك قدرة تخيلية.]

مطابقة دائرة الوجود والعدم ودائرة العقليات الثلاثة
ربما لاحظ – وسيلاحظ - القارئ المتتبع أني كثيرا ما أشير إلى أحكام العقل الثلاثة: الواجب (الضروري)، الممتنع (المحال)، الممكن، وهذا ما سيجده القارئ متكرر الإشارة إليه. ومنذ ما يقارب العقدين ابتكرت وسيلة إيضاح، استخدمتها في محاضراتي وتدريسي العقائد، أحب أن أشير إليها هنا. وسيلة الإيضاح هذه تتكون من ثلاث دوائر؛ دائرة العقليات الثلاث (مقسمة إلى ثلاثة أثلاث)، ودائرة الوجود والعدم (مقسمة عموديا إلى نصفين)، ثم دائرة ثالثة عبارة عن مطابقة الدائرتين إحداهما على الثانية، ورابعة هي نفس الثالثة مع جعل الأسود شفافا ليُرى ما يقع خلفه.
دائرة العقليات الثلاث (أو أحكام العقل الثلاثة)؛ هي الواجب (واجب الوجود [أسميه أيضا ضروريّ الكُؤون] أو واجب الصدق) مرموزا له بالأخضر على اليمين، والممتنع (ممتنع الوجود [ممتنع الكُؤون] أو ممتنع الصدق) مرموزا له بالأحمر على اليسار، والممكن (ممكن الوجود [ممكن الكُؤون] أو ممكن الصدق) مرموزا له بالأصفر تحت. [الألوان لم يجر اختيارها من خلفية إيديولوجية، وإنما استُعيرَت من ألوان إشارة المرور الضوئية. Traffic light]
تليها دائرة الوجود والعدم، أو الصدق والكذب؛ الوجود أو الصدق (التحقق)، مرموزا له بالأبيض أو نصف الدائرة الشفاف يمينا، والعدم أو الكذب (عدم التحقق) مرموزا له بالأسود يسارا.
والدائرة الثالثة هي عبارة عن الدائرتين، جرى مطابقة إحداهما على الأخرى، حيث عندما توضع دائرة الوجود والعدم أو (الصدق والكذب) على دائرة العقليات الثلاث، فيكون الواجب (الثلث الأخضر يمينا) كله في حيز الوجود أو (الصدق)، ويكون الممتنع (الثلث الأحمر الأيسر) كله في حيز العدم أو (الصدق)، بينما يتوزع الممكن بين الوجود والعدم، أو بين (الصدق الكذب). والدائرة الرابعة هي نفس الدائرة الثالثة، مع جعل الأسود شفافا، ليُرى ما يكون خلفه من الثلث الأحمر (الممتنع) ونصف الثلث الأصفر (الممكن).

وشرح هذه الدوائر الثلاثة كالآتي:
1. دائرة الوجوب والإمكان والامتناع: هي دائرة مقسمة تقسيما ثلاثيا، أي إلى ثلاثة أثلاث متساوية، جعل الثلث الذي يتوسط الدائرة إلى أسفلها باللون الأصفر، وجعل الثلث العلوي الأيمن باللون الأخضر، والأيسر باللون الأحمر.
2. دائرة الوجود والعدم، أو الصدق وعدم الصدق: هي دائرة مقسمة تقسيما ثنائيا بشكل عمودي، جعل نصف الدائرة الأيمن شفافا، ونصفها الأيسر باللون الاسود.
في دائرة أحكام العقل الثلاثة جعل اللون الأخضر يرمز للواجب العقلي، سواء بمعنى واجب الوجود، أو واجب الماهية، أو واجب الصدق. وبعكسه جعل اللون الأحمر يرمز للممتنع العقلي، سواء بمعنى ممتنع الوجود، أو ممتنع الماهية، أو ممتنع الصدق. وجعل اللون الأصفر يرمز للممكن العقلي، سواء بمعنى ممكن الوجود، [وبالتالي ممكن العدم،] أو ممكن الماهية [تحققا وانتفاءً]، أو ممكن الصدق[، وبالتالي ممكن الكذب].
أما دائرة الوجود والعدم المتكونة من نصفيها العموديين، بجعل أحدهما باللون الأبيض (أو الشفاف)، ويرمز للوجود أو للصدق، والثاني باللون الأسود (أو المعتم)، ويرمز للعدم أو للكذب.
وعند مطابقة الدائرتين بجعل دائرة الوجود والعدم (الصدق والكذب [أميل اليوم أثناء مراجعتي الأخيرة في خريف 2013 إلى مصطلحي "التحقق" و"عدم التحقق" بدلا من "الصدق" و"الكذب") فوق دائرة أحكام العقل، نجد اللون الأسود (المعتم) يغطي اللون الأحمر (الممتنع) تغطية تامة، إذ كل ممتنع عقلي معدوم أو كاذب [أو غير متحقق] بالضرورة العقلية، كما ويغطي نصف مساحة اللون الأصفر (الممكن)، لأن بعض الممكن معدوم أو كاذب [غير متحقق]. بينما نجد أن اللون الأبيض (الشفاف) يغطي اللون الأخضر (الواجب) تغطية تامة، إذ كل واجب عقلي موجود أو صادق [متحقق] بالضرورة العقلية، كما ويغطي نصف مساحة اللون الأصفر (الممكن)، لأن بعض الممكن موجود أو صادق [متحقق].
أو يمكن تفسير ذلك بالنسبة لمقولة واحدة، فإن العقل عندما يواجه مقولة من المقولات (أو قضية من القضايا كما تسميها بعض كتب المنطق)، فهي إما خضراء (واجبة عقلا)، فتتخذ مكانها في الموقع الذي تغطيها المساحة الشفافة (البيضاء)، فتكون موجودة أو صادقة [متحققة] وجوبا وفي كل الأحوال، أو هي حمراء (ممتنعة عقلا)، فتتخذ مكانها في الموقع الذي تغطيها المساحة السوداء، فتكون معدومة أو كاذبة [غير متحققة] وجوبا وفي كل الأحوال، أو هي صفراء (ممكنة عقلا)، فتتخذ مكانها في الموقع الذي تغطي نصفها المساحة الشفافة (البيضاء)، وتغطي نصفها الثاني المساحة المعتمة (السوداء)، فتكون إما موجودة أو صادقة [متحققة]، وإما معدومة أو كاذبة [غير متحققة]، إمكانا، فتبدأ هنا رحلة فحص الأدلة على الوجود أو العدم، أو على الصدق أو الكذب [أو على التحقق أو عدم التحقق].
إذا أتقنّا استخدام الواجب والممتنع والممكن العقلي استخداما دقيقا، وطبقناها تطبيقا صحيحا على كل مقولة دينية أو فلسفية أو علمية أو خبرية، سنجد أنفسنا قد خرجنا دائما بنتيجة مضمونة، لاسيما فيما هو الواجب (الضروري)، وما هو الممتنع (المحال)، بل وحتى فيما هو الممكن، من حيث الحكم بإمكانه، أي إمكان وجوده أو صدقه [أو تحققه]، وإمكان عدمه أو كذبه [أو عدم تحققه].
وحيث إن المقولات الدينية كلها لا تخرج عن كونها إما واجبة أو ممتنعة أو ممكنة عقلا، بما في ذلك المقولات الغيبية، سيكون حكمنا، سواء بتصديقنا (إيماننا) أو تكذيبنا (كفرنا، أو لنقل عدم إيماننا أو إيماننا بالعدم)، كله قائما على أسس عقلية، وليس منطلقا من فراغ، أو تعصب، أو خرافة، أو اتباع أعمى للموروث والمشهور، أو هوى ونزوة. ومع هذا فإن ذلك لا يعني أننا نضمن كوننا سنملك في كل قضية الحقيقة المطلقة والنهائية، بل بكل تأكيد ستكون المسافة بيننا والحقيقة أقصر بكثير مما لو لم نتبع هذا المنهج العقلي، وستقصر المسافة أكثر فأكثر، كلما أتقنا استخدامه، وكلما تجردنا من المغالاة في القبول، أو المغالاة في الرفض.