الدين والسياسة: صناعة الاعلام لمشروعية الكذب(2)

سامي عبد العال
2016 / 11 / 29

مع تحولات الربيع العربي كان الخطاب الديني بمثابة حدِّ السكين. حد قطع كلَّ شريان ثوري مدني في حالتي ليبيا ومصر تحديداً. وبدا واضحاً أنه سيمزق المجتمعات بين مؤمنين وكفار، مؤيدين ومعارضين. والخطاب في برجماتيته دكَّ أسس الدولة الوطنية ولاءً للأيديولوجيا العنيفة. وبخاصة استهدافه إقامة خلافة على انقاض الأنظمة ومؤسساتها. إذ شكلت بوادر فوضى الدساتير والانتخابات في التجارب الثورية الوليدة.
وبإطالة أمد الصراع ذهب المدنيون وبقي الاسلاميون في المعارك. حاولت قناتا الجزيرة والعربية تطبيق هذا النموذج على اليمن وسوريا لكنه فشل. فسوريا أضحت ساحة دولية بامتياز. وبدا اسلاميُوها يعانون سذاجة الاخوان وضمورهم. أما اليمن فقد تلقفته السعودية باعتباره معركتها الخاصة ضد التمدد الإيراني. وكان النموذج بمصر عنيفاً داخل قوالب الجماعات الدينية بينما في ليبيا تكونت كتائب مقاتلة. كلُّ من ينتمي إليها كان يرتبط بمظاهر الإسلام السياسي وأدبياته في الحديث والقتال.
والنموذج السابق جعل الخطاب الديني حركياً. وأخذ الأخير يتبلور كسلاح ماديٍّ بالفعل. هنا ظهر أنصار التيار الديني المتشدد باستنفار كامل. بل كانوا رابضين باستديوهات الجزيرة والعربية على انهم محللون استراتيجيون. وأخذوا يطلقون أهدافهم على الملأ. وكانت الآراء الدينية لاعباً رئيساً في حشود الإخوان بمصر. ولم تخرج نفس الاستراتيجية بليبيا عن كونها رأس حربة للتحرك على الأرض. طبعاً حدث ذلك تدريجياً: كيف؟

• خُميني العرب
استناداً إلى أُطر الوعظ والافتاء والتكفير َّ كشف الخطاب الديني غرائزه السياسية، معززاً- عند الحاجة- الحلقة الواصلة بين المعارك والدين. لدرجة أنَّ شيوخ قناة الجزيرة وقعوا ضحية ازدواجية لا تخطئها العين. انشطر يوسف القرضاوي بين البلد التي تموله وترعاه(قطر) وبلد المنشأ(مصر-حيث أراد العودة ظافراً) وبين الهيمنة على الاتباع والأنصار في باقي البلدان العربية.
وبالتالي لم يكن القرضاوي(الليبي الشرس)المعلق على الأحداث والمستقوِّي على دولةٍ عربيةٍ(ليبيا) بالقوات الغربية هو ذاته القرضاوي(القطري الهامس) حين يظهر ببرنامج "الشريعة والحياة" متضرعاً بأكُف النصيحة والدعاء للأنظمة الملكية والأميرية. والاثنان يختلفان عن القرضاوي(المصري الحركي) الذي أَمّ الثوار في ميدان التحرير بطريقةٍ رمزيةٍ مرتدياً عباءة "خميني العرب". فمن كان القرضاوي حقاً: أهو الليبي أم القطري أم المصري؟!
سبب تناقض أقنعة القرضاوي هو الموقف الوظيفي الذي تغطيه آراؤه الدينية. ومع أنها أقنعة تخلع من وضعٍ إلى آخر، وتنقلب نقيضاً إلى نقيضٍ على مائدة أمير أو ملك. لكنه الموقف الذي تماهى في الحالة الليبية مع مواقف أوروبية!!
وبذلك شرّع مشايخ الفضائيات لأنْ يكون الخطابُ السياسيُ خطاباً دينياً. أقصد خطاباً له مرجعية الحقيقة الدينية لدى المسلمين كافةً. وبهذا طُرحت مجمل الحقائق كدوائر تشوبها أغراضٌ سياسية وإعلامية. لقد أفتى القرضاوي لقوات التحالف بشرعية الصراع العسكري بالشأن الليبي. واعتبر ضرب الدولة الليبية – بصرف النظر عما سيحدثه من قتل وتدمير- جزءاً من الاسلام. وواجب ديني يجب السعي إليه!!
وهذا يذكرنا بالقول الشهيرة: "أعطى من لا يملك لمن لا يستحق". مع مراعاة فروق السياق والتوقيت. أما الأخطر أنَّ الخطاب الديني مثلّ صكاً لقناة الجزيرة وغيرها لممارسة الكذب بجميع معانيه وآلياته. أي كان صكاً للتلاعب بعقول المتابعين. ورسمَ واقعاً ليس هو الواقع بالمعنى الفعلي. الأمر الذي استغلته الجزيرة في التغطية الممتدة طوال الساعات والأسابيع والشهور. وأعلنت ضرورة إزاحة النظام الليبي كاشفةً عن خريطةٍ أخرى للأحداث والمآرب. وبذلك سعت لإقرار المشروعية نفسها حربياً من الداخل والخارج. وحرصت على نقل المؤتمرات مع ابراز الآراء التي تؤيد موقفها وتدعم تغطيتها الوهمية.
وقد فهمت الحشود والقطعان المتواجدة على الأرض رسالتها بذات الدقة. فأخذته هي الأخرى كبرنامج عمل عسكري. وما كان من محللي فوضى الاشتباكات سوى تحديد المعالم وتوفير الخطط العسكرية للتغلب على الخصم. ولعبت الخبرات التي استضافتها الجزيرة دوراً ليس باليسير في شرح الموقف حين يتأزم. أما المراوحة بين التعليق الديني والسياسي فكأنّ الجزيرة تحاول رفع الروح المعنوية للمجاهدين وإلهاب حماسهم. وخطابها بذلك يمثل لحظة نادرةً لصهر الخطاب والتصورات التي يعمل بها الاعلام على الأرض.

• خرائط الفتوى
لنسترجع مع هذه اللحظة ذوبان الدينُ تماماً في آتون السياسة. فلم يعُد له أي وجود مستقل. بل وعلى خلفية الأحداث والمواقف اتجهت السياسة "غربيةً وعربيةً" لأن تشكل عالماً بدون إلهٍ. فعلاً طبقت هذه السياسة عبارة نيتشه "الإله قد مات"(1). لقد أعلنت تأليه رموزها في محاولة لأخذ مكانه. ففي غياب الإله يصبح كلُّ شيء مباحاً. وطالما كلَ شيء مباح، فأولى بالفضائيات أنْ تكذب ثم تكذب. على أساس أن أصدق الوقائع إعلامياً أكذبها. بطريقة الشعراء العرب القدامى" أصدق الشعر أكذبه"(2). وبطريقة جوبلز ربما بالكذب المتكرر تعلق أشياء بمخيلة المشاهدين وينقلب الكذب حقيقة.
نفس المنبع واحد: ذلك التراث الثقافي الذي يغذي الخيال العربي شعراً وإعلاماً. إنه ثقافة التصحر حيث يمثل السراب الواحة الدائمة. سراب يعشش في الأدمغة والمفاهيم. ولأنها قنوات تحتاج إلى التشويق والإثارة فقد جعلته آلية لغوية. وهي تعلم أنَّ المشاهدين المؤدلجين متحمسون بأرجلهم وأظافرهم لرسائلها. ولعل أنماط الممارسة السياسية العنيفة خلقت وضعاً لمشروعية دولية مختلفة عما ألفناه من مشروعيات. وأعتقد ضمن هذا لم تتورع الجزيرة عن استغلال رمزية الدين في ممارسة القمع المتواصل لكل ما يُضادها رأياً كان أم خطاباً. وهنا إذا أردنا أن نوصفه فإنه إقرار لطقوس سياسية عنيفة. لا تختلف عن أية نحلة عنصرية من هذا القبيل تبيد البشر وتدمر الحياة.
من ثم أصبح الدين هو دين السياسة على لسان القرضاوي وعلى الصلابي وعائض القرني وصولاً إلى مانعي المظاهرات كمشايخ السلاطين والإمارات والممالك الخليجية. ولا سيما أنَّ القوة الأمريكية، كقوة مهيمنة عالمياً، لا تعترف بأية قوةٍ غيرها. وتتوفر على كم هائل من الاحتماء اللانهائي بذاتها المتضخمة. كما لو كانت سراً مقدساً. السر الذي سرعان ما ينفتح للأحبار والمريدين ورؤساء المنظمات الدولية الموالين لها. وهم في وضعهم هذا يُكّوِنون طبقةً من الدول التي تتعبد في محراب "القوة الأكبر" بحماية المحور الدولي للتحالف.
هكذا تواترت المشاهد المتلفزة، من داخل الاجتماعات والمؤتمرات وحلقات النقاش والجلسات الطارئة للأحلاف الإقليمية والدولية. رُسمت تلك الصور عبر إطار شعائري لإيقاع الخوف والترويع في روع الشعوب العربية قبل الشعب الليبي. ثم بدورها غلّظت وسائط الإعلام تهديداته، من خلال تلاوة القرارات التي تستند إلى قدرات متخذيها فقط. وفي العادة كانت هناك القوة الأكبر - أمريكا كما أشرت - تتحلق حولها كافة العيون، وتتعلق بها الآذان.
لقد جرت هذه الأمور على الفضائيات من خلال طقس سياسي ديني. يعلن ضمنياً على الأقل عن تبادل الحدود وظيفياً بين الخطابين الديني والسياسي لصالح خطاب الحرب. وهي نفس الحدود التي ترامت لتوعز من قبل البعض إلى إمكانية تحريك القوى الدينية النائمة في جغرافيا العالم الإسلامي لتأجيج الصراع وخوض المعارك.
وسواء أكانت القوة المقصودة تنظيمات، كالإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية المقاتلة أم حركات كالجهاد أم شخصيات إسلامية، فإن هناك أمراً فُهِمَ بالتخاطر السياسي(لا الديني). مفاده ضرورة الإسراع بانتهاز الفرصة سعياً للانقضاض على النظام الليبي. تعددت الأسباب والاتجاهات وظل الهدف واحداً: الفوز بالغنيمة البترولية التي لطالما سال اللعابُ حولها. وفي حينه لخص عبد الرحمن شلقم- باتصال هاتفي على شاشة العربية- خطورة الهدف وأهميته بضرورة طي الوقت طياً لمحاصرة القيادة الليبية من جميع النواحي. ثم ذكر عبارةً دالةً: هذه فرصتنا الأخيرة يا إخوان!! كأنه يقول كم رتبنا لهذه الخطوة. وأدرنا رؤوسنا متقلبين شمالاً وجنوباً بحثاً عنها. وها هي الفرصة سانحة الآن. ونحن على استعداد للتحالف مع الشيطان لبلوغ المرام مع أهل الغرام بالسلطة والنفط!!
اتفق هؤلاء وأولئك كقوى بديلة في نفس المشاهد مع مضمون دين السياسة الجديد. وخدم فقهاء الفضائيات أهدافه. فلم يعودوا خدماً للشرائع السماوية، بل سدنة لأمراء النفط وشركات السلاح. وغدت" مملكة الفتوى" أكبر أثراً من كل ممالك الصحراء. بل أمسينا نرى عمائم أزهرية تحمل في طياتها سيادة أمراء وسلاطين. وبحجم فتواها الوظيفية يتسع سلطانهم الجغرافي إلى أقاصي الأرض و أدناها. وعلى إثر ذلك الحال الهذلي، كان أجدى افتتاح علم جديد بمسمى "علم خرائط الإفتاء السياسي"(3) وهو علم ينقب في الكتب السماوية الخاصة بالأمراء عن مآرب السياسة وحقول النفط. من أجل ضخ الطاقة في أنوف حكام العرب وأوروبا على السواء. وهو علم جيو ديني بوليتيكي. يتذرع علماؤه بالمناشدات المسبوقة بالأسماء والصفات الإلهية وكذلك بالدعوات الباكية المتضرعة لإسقاط الأنظمة. وبهذا الهدف النبيل لا مانع من إطلاق اللعنات المرسلة عن بعد لملاحقة قيادات الدول المارقة!! واغتيال الشخصيات العامة.
وبشأن ليبيا لم يتوان هؤلاء المشايخ عن تطبيقه. فلم يستنكفوا الظهور خلال أي وقت من الأوقات على الشاشات الفضائية. ولعبوا دوراً مهماً من الناحية الاستراتيجية في تعجيل الضربات الموجهة إلى المدن الليبية. واعتنى كلٌّ منهم بتحقيق أهدافه عبر الطريق الذي يعطيه السند الديني من وجهة نظره. واستدعى كل منهم صوته البراق، ونغمته المتوافقة مع مريديه المنتظرين للتمتمة الإلكترونية، فضلاً عن إطلاق الآهات والزفرات والنظرات المصحوبة بالتحليق في الأفق البعيد انتظاراً للمجهول!!

• قُدَّاس الحرب
وبالتزامن مع هذا الوضع ضمن مشهد آخر، ظهر بابا الفاتيكان حينذاك متحدثاً من علٍ بأحد المباني الشاهقة. يوجه الكلام إلى رعاياه عبر نافذة الوعظ والتراتيل الكنسية. حيث نوه مشدداً على قوات التحالف الدولي أنْ تتوخى الحذرَ أثناء القصف من جهةٍ، وأن تطبق قرار مجلس الأمن تطبيقاً أميناً يؤدى إلى حماية المدنيين من جهةٍ أخرى. ولا يخفى على قارئ أن هذا الظهور البابوي لم يغب عن تاريخية الصراع بين الخطابات الدينية. تلك التي بقت فاعلة في السياسة منذ العصور الوسطى. لأنَّ هنالك مشروعيات قديمة، كان يحركها رجال الدين ويتبناها الساسة، لأجل إنقاذ المقدسات الدينية.
فعلاً على هذا الإيقاع التاريخي تناهى إلى أسماعنا من طرف فقهاء الدولة الليبية المحليين مصطلح "الحرب الصليبية". أطلقوا التعبير كتوصيف غير مباشر لعملية التدخل الراهن. حتى يلتقي مع دلالة هذا التحالف الغربي بتراثه الوسيط. إذن أُطلق المصطلح بالتحديد لكي يفهم كل متلقٍ ما هي الممرات والدروب الخلفية للصراع بين الغرب والشرق. وبالتالي سيكتسب أي تحرك عسكري ضد النظام الليبي بعضَ رواسبها.
والمصطلح السابق دعوة لمعارضي النظام للإفاقة من التخدير الإعلامي المضاد بحسب الفقهاء المحليين. ونوع من التميمة البلاغة لدفع العدوان الغربي كما دفعه قديماً قادة العرب والمسلمين. حقاً دلل الموقف على إمكانية وجود خطابات دينية مسيحية و إسلامية(بالفعل أو برد الفعل) تسير في الآفاق نفسها. وتجدد ذات الحالة بصدد الدفاع أو الهجوم أو تعبئة الوعي العام مع سير الأحداث. لقد برهنت على رسم حدود ميدان خيالي متوسطي(البحر المتوسط) للنزال العسكري. وهو ميدان يشبه ألعاب الإعلام والوسائط الإلكترونية. لكنه يقف على تربه بركانية ملتهبة بالصراع الأيديولوجي بين الاسلام والمسيحية، شمال المتوسط وجنوبه.
من جهة أخرى، لم يغب الخطاب الديني اليهودي عن التغطية الإعلامية. فقد ورد كخبر على قناة الجزيرة وسط حمأة الأنباء المتلاحقة. مؤداه أنَّ إسرائيل تزمع في بناء مستوطنات لليهود داخل الكتل السكانية العربية. وتم ترديد نفس الخبر على القنوات المحلية الليبية أيضاً. وهو بوصفه خطاباً استيطانياً قيد التنفيذ أفرز مشروعية التدخل لاستكمال الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. وكما قال معلقو النظام الليبي استغل انشغال العالم بالمسألة الليبية، ليقرر أن هناك مخططاً يهدف إلى توغل المساكن اليهودية داخل الأحياء العربية الفلسطينية. في خطوة لافتة لتفكيكها، وامتصاصها داخل بطن الدولة اليهودية.
جرى الموضوع بدعوى حماية اليهود من جيرانهم الفلسطينيين المقهورين. وبالتالي يصبح حق التدخل وبالأدق حق الاحتلال مشروعاً في أي وقت. على طريقة مسمار جحا الذي تركه في بيت باعه لآخر. غير أنه لم ينقطع عن زيارة البيت للاطمئنان على المسمار. ومن مرة يتأخر فيها داخل البيت ليتأكد من ثبات المسمار إلى أخرى يتلكأ فيها متعللاً بإلقاء النظرة الأخيرة عليه استطاع جحا استعادة البيت كله مرةً ثانيةً. أخذه بعد أن فاض الكيل بصاحبه من زيارات حجا المتطفلة، فتركه بجميع مساميره وذهب. ورغم أن هذا النمط من الخطاب الديني بعيد بحكم سياقه المغاير إلاَّ أنه يكشف عن طبيعة "دين السياسة" العالمي. إنه فيما يتصور مؤيدو النظام الليبي خطاب "النموذج" القابل للتكرار عبر سياقات سياسية أخرى. وما تصرف قوى التحالف إزاء ليبيا إلا تطبيق له، ونتيجة تجري على منواله...أو هكذا أراد الإعلام المحلي أنْ يقول.

• لاهوت البرجماتية
هنا ينبغي التأكيد على الانحراف والتخليط في معنى البرجماتية السياسية. تلك المهتمة كما يُزعم دائماً بالمصلحة والقوة فقط. فهذه البرجماتية عن طريقيهما ليست ارتباطاً بالعالم والعلم والإنسان على ما تظهر مفردات كهذه في الممارسة السياسية. إنها إقرار لسلطة بديلة تستثمر المشروعية الدينية. وذلك اُستعمل أيضاً لإحداث مشروعية سياسية قافزةً فوق سيادة الدول وحقوقها مهما كانت خصوصية المشاكل التي تتورط فيها.
يتفرع عن التأكيد السابق أنَّ الابتعاد السياسي عن الدين بالمعنى الطقوسي جعل هناك متسعاً لممارسة نفس المضمون، لكن في شكل إنساني متطرف وعدواني. بحسب الاعتقاد السائد أن حالة العالم محكومة بهيمنة القطب الواحد. هكذا أصبحنا نرى قوى سياسية تتحدث بلغة الخطاب الديني في مصطلحات سياسية وأخلاقية، وتطرح مشروعات ديمقراطية عن طريق مؤسسات عابرة للحدود بهدف التهذيب والإصلاح الكونيين لبعض الدول المارقة، لكن تهذيب لمن وإصلاح لمن؟!
مبدئياً هي قوى عولمية بدون سقفٍ حقوقي أو قانوني. إذ تُطرح هاتين المحاولتين لتهذيب وإصلاح شياطين العالم وأشراره (دول محور الشر). حيث وضعتهم نصب أعيُنها الكونية نتيجة اقتناص مصالح أو شن حروب استباقية كما فعل بوش الابن. وقد نُظِرَ إليها-أي لتلك الدول- باعتبارها خارج الإيمان بالمبادئ والقيم الغربية. ونفس القول تردد كثيراً على لسان الرئيس الأمريكي أوباما، وتردد في خطابات عدد لا بأس به من الساسة الغربيين، الذي يعلقون على سير الأحداث في العالم العربي. لقد جاء القول السابق في صورة عبارة تشير إلى الإسلاميين المتطرفين هكذا: "الذين لا يؤمنون بالإنسان ولا بروح الحضارة الغربية". ولندقق النظر في أنَّ هؤلاء الساسة يستخدمون مصطلح الإيمان- الذي ظل مميزاً للتجربة الدينية- بالمعنى السياسي. فبات من حينه يقرر المعاني الأخرى ويطفو عليها.
كانت وسائل الإعلام هي الأداة الباطشة لكل من يقف في وجه هذا التيار، بل لم تترك القوى الكبرى وبخاصة أمريكا فضاءً عالمياً دون أن تثبت خلاله تلك السلطة القامعة. وأمام الفضاء العربي الإسلامي استطاعت أن تُحرِك داخله الفاعلين المحليين من مشايخ وإعلاميين ورجال سياسة أنصاف ببغاوات ورؤساء منظمات إقليمية. فهؤلاء دون وعي عبارة عن قطع غيار في تروس آلة مهيمنة على العالم. ولا يغرب عن بالنا أنّ أكثر المجالات- كالفتاوى والخطاب الديني- بُعداً عن الاتصال المباشر بتلك القضايا العالمية تخدم عن التفاف ومناورة أهدافاً ومصالح حيوية لهذا الاتجاه. لأنها تتم من خلال وسيط خطابي توليفي يُؤخِر ويُقدِم ويُعيِد إنتاج المشاهد إعلامياً.
لعلّ هذا ما دفعني للقول إن بعض القنوات العربية تكثف الاتجاه العالمي الغالب على نحو لا مثيل له. وتدعم رؤية الأخيرة بصدد القدرة على الاحتواء والاستعمال غير المباشر للموارد الدينية كالمذاهب والرموز والتنظيمات الحركية التي تصب في الإطار العام. حتى ولو كانت تلك القنوات تغذي في الظاهر مصالحها القصيرة. فليس بن لادن والقرضاوي والقرني سوى مساهمين فاعلين في إمداد الفضائيات بالذخيرة الدينية الحية – مثل الأحكام والأحاديث على اختلاف مشاربها من جهة الرؤية والمنطق والنتائج- لقصف من يناوئها. من هذا الجانب ليست الفضائيات محايدة على الإطلاق.
إن هناك توظيفاً مضاعفاً عن طريق الوسيط الإعلامي بفضل مونتاج خطابي خاص بالعقل السياسي والأحداث الجارية. هي تضاعف تبرير التدخل في الشؤون الخاصة بدولة من الدول، فتصبح كل وحدة خطابية من عبارات وشعارات لها ترتيب معين، ولها مساراتها التي تستنطق ذهنية المتلقي، بما يتواءم مع الهدف غير المعلن. وإن كان الوضع(في المسألة الليبية) هدفاً معلناً بوضوح: تدمير قدرات الدولة وانتهاك سيادتها!! لكن أُخفيت سلسلة الأهداف التالية.
من ثم لم تعد فتاوى القرضاوي ولا حوارات الصلابي ملكاً لهما بتلك الطريقة. بدليل أنَّ قناتي الجزيرة والعربية ما إنْ تطرحا هذه الخطابات حتى تشددان على دلالةٍ أخرى في تفاصيل الأحداث، وتلتحم في الأفق العام مع ما يقوله أوباما وساركوزي. وتؤيد ما يعلنانه من خطط عسكرية لضرب القوات التابعة للدولة. الفرق أنَّ القرضاوي والصلابي يرتديان عمامتين. واتساقاً مع ذلك كان المنتظر أن يخلعاهما على الرئيسين الأمريكي والفرنسي. لكن القاعدة المنطقية تقول: إذا توحدت المصالح تشابهت المواقف، بل تطابقت الأفكار.

• حُمى الوهم
مازال السؤال يجري: أية أيد تعبث بفكرة الحق والمشروعية لإسقاطها على الواقع؟ مهما تكن الإجابةُ التي حلحلنا خيوطها إلى الآن. فالقراءة السابقة أبرزت عدة نقاط بصدد المسألة الليبية:
1- صاغ الخطاب الإعلامي(للجزيرة والعربية وغيرهما مثل الحرة...) مشروعيةً لصور المعارك المبثوثة لم تمت للواقع بصلة. وقام بتكرارها حتى تتعلق بخلفية المتلقي، وتشكل متصلاً للاستنتاج المتتابع أمام تطور الأحداث بل تحاول أن ترمي إلى الأمام منها. وبخاصة إذا كان الإعلام يتبنى أيديولوجيا مسبقة تناوئ موضوع التغطية. كما تم إخفاء وجوه أخرى للصراع على الأرض، بينما جري تأكيد وجه معين على مستوى التحليلات واللقطات الجزئية كي يكون التصور المشوه والراجع شاملاً في المقابل.
2- لعب ذات الخطاب على وتر المشاعر عن طريق تكرار المشاهد المُخيفة. كي يُقنع المتابع بما يراه على أنه الواقع. وهذا لون إعلامي يذهب عادة خلف صور مثيرة، حتى ولو كانت دامية، لتنال التعاطف. ينجرف المتابع إلى هذا لأنَّ هناك تماثلاً في الشعور الإنساني تجاه صور القتل والرعب من مجمل الناس. وهذا احتاج من قناتي الجزيرة والعربية وغيرهما إلى أسلوب القص واللصق البصري، وإدخال مشاهد مكان مشاهد أخرى مع اختلاف التعليق، مع نزع الكلمات والعبارات من سياقها ووضعها في سياق آخر. كما حدث مع خطاب الرئيس الليبي في الساحة الخضراء، الذي تم اجتزاء جملة منه مثل قوله: "إذا كان الشعب الليبي لا يحب معمر القذافي فلا يستحق الحياة".
فعلى الرغم من أن الرئيس الليبي قد أكد على مضمونها مرة أخرى في ذات الخطاب كالتالي: "إذا كان الشعب لا يحب معمر القذافي، فإن معمر القذافي لا يستحق الحياة" إلا أنه تم استنطاق هذه الجملة- على هيئة خبر عاجل أسفل شاشة العربية- بما يفيد أن الشعب الليبي ذاته لا يستحق الحياة في حالة عدم حبه لقائده. وبالتالي استناداً إلى هذا التحريف أصبح المجتمع الدولي أمام منطق للإبادة الجماعية، بينما منطقها حسب ما يقول صاحبها أنَّه هو نفسه الذي لا يستحق الحياة. على قاعدة أنَّ الشعب هو مصدر الحياة لزعيمه ومنه يستمد وجوده ومشروعية بقائه.
3- تم انتزاع التصريحات من بعض المسؤولين لإدانة الأثر الحاصل نتيجة صور القتل والتدمير دون معرفة مصدرها الفعلي أو التحقق منها. في هذا المجال كان انتقاء هؤلاء الشخصيات الواقعة على رأس المنظمات العالمية والإقليمية فاعلاً في توقع ما هو قادم (أو بالأحرى التنبؤ بما سيحدث). بل وصل الأسلوب إلى أكثر، جرى دفعه في الاتجاه الذي تتبناه القناة الفضائية. وضح ذلك جلياً بصدد القرارات السريعة التي اتخذتها جامعة الدول العربية بشأن تعليق عضوية ليبيا، وعجلت بقرارات الإدانة التي ما إنْ وصلت إلى مجلس الأمن حتى استحالت إلى إجراءات عسكرية رادعة. وذلك بناءً على تقارير إخباريةٍ غير صادقة، وبفعل ما شاهده وسمعه عمرو موسى وأعضاء مجلس الأمن دون أن يتقصوا الحقائق.
4- إعلاء نبرة التحريض الذي يواصل مفعوله كلما خبا أوار الصراع المسلح، أو رأت القناة أحداثاً هادئة هنا أوهناك. وشمل التحريض بالنسبة للجزيرة مثلاً الاستعانة بمن هم قادرين فنياً وعسكرياً على رسم الخطط والاستراتيجيات التي تخرج الطرف(المتمرد) من مآزق عملية أو إعلامية. وفي نفس الوقت يتم التكتم على الآراء والوقائع التي لا تنتظم وفق هذه التغطية. وإذا كانت تلك الآراء مؤثرةً، فيمكن أن تُعطى لها مساحة ضيقة وهامشية، عادةً ما يقطعها مقدم البرنامج استعداداً لجولة قادمة.
5- التوسع في فقه الفضائيات، حتى كاد يُلامس حدود وإدارة المعارك الجارية على أرض الواقع، ويدس أنفه في كافة المواقف المؤيدة والمدعمة لجانب الطرف المتمرد، ثم سرعان ما تُعممّ الفتاوى دون حساب الآثار والنتائج الذي يشكل جانباً مهماً لمقاصد الدين. فعلى سبيل المثال هناك قول مأثور دينياً يدحض هذا المنحى: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
وبالمناسبة هو قول مهم على مستوى التشريع. لأن الأساس في الفتوى ليس تمتع الفعل الذي تفصل فيه بالحلال أو الحرام فقط كمبدأ صوري. لكن أيضاً أن ترتهن باستشراف النتائج المترتبة عليه. وذلك بفضل الآثار المترتبة على إمكانية ظهور المفاسد وإمكانية استفحالها وإن كان المدخل إليها من باب المصالح الوقتية المقبولة. ولعل هذا ما قد يبطل فعلاً مباحاً في حالة إذا قاد إلى نفس النهاية. وبالتالي تبطل الفتوى بدورها ولو كانت صحيحة. غير أنَّ هؤلاء المشايخ يطلقون العنان لكلماتهم من غير التفكير في العواقب ودون دراية بطبيعة المجتمع الليبي.
6- دين السياسة عبارة عن إقرار "الواقع الافتراضي" البديل الذي تبثه الفضائيات. والسعي للبحث عن فرضه على الواقع الفعلي فرضاً. لذلك تضم مشروعية الكذب جميع الأنماط من تحليلات وخطط استراتيجية وآراء مفترضة. قد تكون مأخوذة بالتماثل بين حالات في دول أخرى كمصر وتونس، ولا ترضى قناة الجزيرة بديلاً عنها في المجتمع الليبي، رغم اختلاف المجتمعات المتجاورة. والحق أن السياسة العسكرية وُضِعت بمصاحبة الإعلام أصولاً للتحريم والتحليل، ولجأت إلى تثبيت قوى عليا ناسجة حولها مجازات الخوف والرعب. نتذكر هنا مصطلحات مثل: "أسلحة الدمار الشامل"، "الأسلحة الموجهة بالأقمار الصناعية، "الصدمة والرعب" التي تعبر عن هذا العالم المخيف.

_________________________________
1- السياسة في تعريفها غير المفكر فيه تعبير عن نفي الإله. فهي تجري بصيغة" نحن لم نحقق المتحول إلا بفضل نفي الثابت". هكذا قد يعبر السياسيون عن انجازاتهم مستحضرين قدراتهم الخطابية ونافين أية مركزية أخرى. وعادة نقول البرجماتية السياسية، هذا معناه عدم الاعتراف بمرجعية وقيم ثابته، فما بالنا بمصدر القيم كحال المقدس. والخطاب السياسي يتلون كالحرباء ولا يتردد في اقحام المنافع والمصالح الخاصة عبر أية ممارسة. لم تكن في الربيع العربي مرجعية ولا قداسة لشيء. نبتت بذور الوثنية الدينية والأخلاقية من جديد. مع الفارق بين الوثنية بمعناها التاريخي حيث كان أصحابها متسقين مع أنفسهم بينما أصحاب توظيف الدين يزعمون التزامهم بالمقدس ويناقضونه. يبيحون باسمه اشياء لم تكن لتبح، ويتلاعبون بصورته بشكل متقلب في غير مناسبة.
2- في البيئات الصحراوية التي يمثلها الإعلام العربي لا فاصل هنالك بين الكذب والحقيقة، بين الواقع والخيال. السراب هو الأساس، أي السراب كظاهرة بيئية فكرية لا موضوعاً للوصف. غير أنها ظاهرة تركت ثقباً في العقل العربي وفي لغة الخطاب الديني والسياسي. لأن الشعر يلجأ إلى بلاغة الكذب لتعويض قصور الواقع وتلاشي الحقائق. وقد نوه القرآن بموقف الشعراء هذا" والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون" إذن الغواية هي الأساس.
أما السياسة فتلجأ إلى الكذب لجعل الكذب - بقصد أو بدونه- جزءاً من حاشية الأفعال. إذن كيف تنأى الفضائيات العربية عن هذا الثقف الذي يشبه الثقب الأسود في دماغنا؟! لقد تحول الكذب إلى واقع، إلى سراب يومي يخايلنا معرفياً وكأنه معطى مباشر. ولهذا كانت قناتا الجزيرة والعربية تعلمان وصفهما للأشياء بعبارات سرابية لكنهما لم تعرفا أنهما تصفان سراباً. كانتا تعتقدا أنهما تنقلان الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.
3- ظهر الافتاء السياسي جلياً حيث لجأ المتظاهرون والمتشابكون الإسلاميون إلى أخذ آراء شيوخهم فيما يحصدونه من غنائم المواقع والأماكن. فكار الرد عليهم بذات المستوى من استخدام تأويلات للنصوص والأحاديث بما يعضض مواقف الثوار. وطبعا هناك نماذج لهذا الموقف الإفتائي يعتبر مدخلاً للفتوى السياسية حين أباح القرضاوي دخول أمريكا للعراق بحجة التخلص من الجور والاستبداد. وأطلق عليها مصطلح "دولة صديقة" تساعدنا فيما عجزنا فيه طوال سنوات. ونفس الموقف حين بايع القرضاوي ولي عهد قطر، إنه افتاء سياسي بضرورة اتخاذ ولي العهد حاكماً يرضى عنه الشعب ويرضى عنه الله، أليس القرضاوي متحدثاً باسم الدين؟! وهناك فكرة عبر عنها الإفتاء السياسي أنه التعامل مع السياسة بآليات التفكير الديني. ولذلك تم وضع المناوئين في خندق الأعداء الذين يجب تطبيق حكم الله عليهم. ليست القضية اختلافاً في الأيديولوجيات إنما تحولت السياسة إلى جغرافياً الإيمان. كان هناك أرض الكفر وأرض الإيمان، أرض الحرب وأرض السلام. ولا يخفى على القارئ أنها كلمات ذات نبرة افتائية. ومع الربيع العربي كانت ثمة قوات الكفر وقوات الإيمان، ثم تبع هذا التقسيم أرض الكفر وأرض الايمان داخل الدولة الواحدة.