المكان والإنسان في مجموعة -رسول الإله إلى الحبيبة- أسامة العيسة

رائد الحواري
2016 / 11 / 29

المكان والإنسان في مجموعة
"رسول الإله إلى الحبيبة"
أسامة العيسة
ما يمز كتابة "أسامة العيسة" تناوله للجغرافيا الفلسطينية، فهو يستخدم/يجير احداث قصصه ليتاح له التكلم بحرية عن الجغرافيا، فأيمنا ذهب في احداث ومشاهد قصصه نجد المكان الفلسطيني حاضرا، ويبدو للهولة الأولى أن المكان أثبت وارسخ حضورا من الإنسان، فعندما يتناول أي جغرافيا يحدثنا عما مروا عليها، وهذا يشير إلى ذهاب/انتهاء الإنسان وبقاء الأرض/المكان.
قد يبدو هذا الطرح فيه اهمال للإنسان لصالح المكان، لكن من يتمعن في النصوص القصصية يعلم ما أراد م وراء بهذا الطرح، فهناك تأكيد على حيوية وحضور الاجتماع الفلسطيني على وفي الجغرافيا، بينما يتم تناول موضوعي وتاريخي للسلطات التي تعاقبت على المكان، فخلال أقل من خمسين عام تم تعاقب أربع سلطات على الجغرافيا الفلسطينية، الأتراك، الإنجليز، الأردن، دولة الاحتلال.
من هنا نجد بعض القصص تم تخصيصها للحديث عن رجال المقاومة الفلسطينية، كما في قصة "أربع وردات، رسائل لم تصل" منها ما تناول علاقة المجتمع الفلسطيني خلال احداث الانتفاضة "الزائدة" ومنها من تحدث عن الأوضاع الاقتصادية إبان بداية تشكيل المخيمات الفلسطينية "أبو خط أحمر"، طبعا هذا لا يعني أن تكون بقية المجموعة لم تتحدث عن الإنسان، فقد كان يتم استخدام الأحداث/المشاهد/العلاقة الإنسانية ليتاح للراوي أن يتحدث بتفاصيل دقيقة عن المكان، وكأن الراوي أراد أن يلقي الضوء على أهمية المكان من خلال هذا الاحداث/الشخصيات، وهذا ما يحسب للراوي الذي يقدم لنا معلومات تاريخية تراثية من الصعب الحصول عليها، أو تناولها إذا ما قدمت لنا بشكل مجرد
ـ ناشف ـ، وهذا الشكل من القصص يحمل طرحين، طرح تحمله الأحداث والشخصيات القصصية، وطرح معرفي يحمل تفاصيل وتاريخ المكان المراد الحديث عنه، وهذا ذكاء يحسب للراوي، الذي أوجد هذا الشكل من تقديم المعلومة التاريخية والجغرافية.
من الصعب الحديث عن مجموعة قصصية تضم ثماني عشرة قصة، لكن سنحاول قدر المستطاع أن نتحدث عن أهم ما يميز هذه المجموعة، طريقة/شكل تناولها المكان الفلسطيني.
المكان
لكي لا نكون ممن يمارسون المديح بدون إسناد موضوعي/ملموس نقدم نموذج من طريقة تناول الراوي للمكان، في قصة "بين القدسين" يحدثنا الراوي "أسامة العيسة" عن قريته "لفتنا" التي أجبر على تركها بعد حرب 48، بهذا الشكل: "..الذي أطلقوا على اللاجئ اللفتاوي هذا اللقب ... ولد لعائلة هجرت من قريتها (لفتا) التي قام المحتلون على أراضيها لاحقا، الكثير من المنشآت العامة الحيوية والحكومية لدولة إسرائيل الوليدة، ثم النامية، فيما يعرف الآن بالقدس الغربية، وبقيت منازل القرية الحجرية صامدة، وكذلك عين مائها الرقراق في الوادي الشامي... أو دمروها وانشؤوا على أنقاضها منازل على الطراز الأوروبي" ص6، هكذا يجمل لنا الراوي ما جري على أرض فلسطين، هناك قرية أمنة، تم احتلالها، ثم هدمت المنازل/معالم القرية، وستبدل مكانها ببناء جديد على الطراز الأوروبي، هل هذا الكلام يوفي (لفتا) حقها، بالتأكيد لا، يضيف لنا الراوي معلومات يجهلها العديد منا عن هذا المكان فيقول: "شهدت لفتا الي يملك ناسها أراضي مترامية الأطراف، نهوضا اقتصاديا لافتا قبل النكبة، فمحاجرها أصبحت موردا رئيسا للحجارة التي تحتاجها منازل القدس، نشأ تبادل تجاري بين سكانها وقاطني الأحياء اليهودية المجاورة" ص7، إذن الراوي يحاول أن يحيط بكل ما هو متعلق (بلفتا) وتقديمه بشكل قصصي للمتلقي، حتى أنه يذكر لنا المربي "خليل السكاكيني" الذي زار "...مقهى في (لفتا) عام واحد وأربعين وتسعمائة وألف (1941) ... لكن الهجوم الذي شنته عصابة الهاغاناه الصهيونية على أحد المقهيين، برشاشات ستن، أدى إلى قتل سبعة، وجرح عدد من الرواد، شكل بداية لتهجير السكان" ص7، هنا يكمن ذكاء الراوي، يحدثنا عن المكان، عن الحياة قبل الاحتلال، ثم يذكر لنا جرائم المحتل، ونطرح هنا سؤال: "لو أراد أيا كان أن يحدثنا عن (لفتا) وعن الأحداث التي مرت بها قبيل النكبة، كم سيكون عدد المتلقين/القارئين لهذا الخبر/الحدث؟، بالتأكيد محدود جدا، لكن ذكاء الراوي قدم لنا أحداث تاريخية معاصرة، وتفاصيل الحياة لاقتصادية في (لفتا) والكيفية التي بدأت الهجرة منها، بشكل قصصي شيق، أليس هذا ابداع وتألق من الراوي الذي يخلق/ يجد/ طريق سلس يدخل فيه المعلومة التي يريد إلى المتلقي/القارئ؟.

ومن القصص الأخرى التي يتناول في الراوي سيرة المكان قصة "ما تيسر من سورة مريم" التي يتحدث فيها عن زبارة الشيخ "عبد الباسط محمد عبد الصمد" لمدينة بيت لحم والقدس، والتي يجعل من هذه الزيارة مدخل لتلاقي وتوحد المجتمع الفلسطيني، بحدث يكون المسيحي والمسلم يستمع لتلاوة الشيخ، "في حارتنا، جارنا أنطون، كان يحرص على سماع عبد الصمد من المذياع، ...بالنسبة لجميع أهالي الحارة صغار وكبارـ فإن أصوات القداديس باللغة العربية ولغات أخرى، ولمختلف الطوائف، لم تكن غريبة عليهم" ص184، فهنا يستخدم الراوي العلاقة الاجتماعية الفلسطينية لتأكيد حالة التوحد والاندماج معا، فلا فرق بين هذه الملة أو تلك، حيث كان الكل يشارك ويستمتع بما يقام من طقوس دينية.
بعد هذا الحديث عن الاجتماع ينتقل الراوي ليحدثنا عن المكان، فبما أن الاجتماع موحد فلا بد أن ينعكس ذلك على المكان، من هنا يحدثنا عن "مغارة الحليب" بتفاصيل دقيقة جدا، فيقول عنها: "...لوجود المغرة الجيرية، التي يقبل على ترابها العرب والأجانب، لإيمانهم بقدرتها العجيبة على علاج الأمراض، حتى المستعصية منها، على باب المغارة نقش حجري، يمثل ستنا مريم وطفلها، وخطيبها يوسف النجار على حمار، في طريقهم إلى مصر، هربا من هيرودس، الذي امر بقتل أطفال بيت لحم، في هذه المغارة، التي لم تكن بهذا الحجم، اختبأت ستنا مريم، وسقطت نطفة من حليبها على أرضية المغارة، فأصبحت المغارة بيضاء، ويؤمن كثيرون بأن ترابها ليس جيريا، ولكنه أقرب إلى الحليب، له قدرة عجيبة على معالجة العقم، وإدرار الحليب... في ساحة المغارة يصلي المسيحيون والمسلمون في سنوات المحل، طالبين من الله الواحد القهار" ص184و 185، فالمكان مرتبط بالإنسان تماما، لكن استخدام هذه الطريقة في تقديم معلومة عن "مغارة الحليب" يمثل قدرة الراوي على تجنب المباشرة في تقديم المعلومة، وأيضا اهتمامه الوثيق بكل ما هو متعلق بالمكان،.
كسر وتيرة السرد
ما يحسب للراوي في هذه المجموعة قدرته على كسر وتيرة السرد العادي في النص القصصي، وكأنه يريد من هذا الأمر تأكيد واقعية الحدث، فعندما يتدخل الراوي لكسر وتيرة السرد، يريد أن يجعل المتلقي/القارئ يزيد من اهتمامه بالنص، إن كان على مستوى المعلومة المجردة أم على مستوى الهدف/الحكمة من الحدث، من أشكال التكسير السرد القصصي، ما جاء في بداية قصة "بين القدسين" والذي يقول في بدايتها: "لا شك الذي، أنا الصحفي أسامة العيسة، بأنهم عندما أطلقوا عليه لقب (الضبع) كانوا يفتقرون للكثير، ليس فقط من الكياسة، ولكن أيضا للنباهة" ص5، بهذا الشكل يلغي لراوي العلاقة بينه وبين الكاتب، فهو بهذا الطرح يجعل المتلقي يحتار أيهما الراوي، بطل القصة أم الكاتب؟ أم كلاهما معا، ويجعله يفكر لماذا استخدم الراوي اسمه الحقيقي في النص القصصي؟ كل هذه التساؤلات تجعل المتلقي يفكر في النص، ويعطيه مزيدا من الاهتمام.
ويقول أيضا : "لنعد إلى الضبع حتى لا نضيعه، وتضيع قصتنا، مثلما ضاعت لفتا وشقيقاتها" ص10، فهنا يربط الراوي الإنسان وأحداث القصة بالمكان، فهو يدعوا المتلقي للاهتمام بمجريات الاحداث والشخصية الضبع، وأيضا الاهتمام بالمكان الذي سرق وتم محوه من الجغرافيا لصالح المحتل.
ونجد تكسير السرد في قصة "المسخوطة" التي يبدأها بهذا المقطع: "سأعترف أنا أحمد أبو ودودة، بأنني ترددت كثيرا قبل أن أروي هذه الحكاية، ربما ستقدرون سبب ترددي، عندما تكملون القراءة" ص105، تشويق لكي يتقدم القارئ من القصة ويتعرف على تفاصيلها، وكأنه بهذه المقدمة يجذب انتباه المتلقي للنص لأهميته ما فيها من أحداث، ويكسر السرد أيبضا عندما يقول: "يبدو، أنني أطلت في التقديم لقصتي، التي حدثت في صيف عام 1982" ص107، طريقة ذكية لكي يكمل حديثه عنما يريد طرحه، فهو مختص بالأحداث التاريخية المعاصرة، التي ملها الفلسطيني لما فيها من ألم وتذكير له بالمأساة التي ألمت به، لكن الراوي يجد مخرج لهذا الملل، ويقدم احداث تاريخية وتفاصيل جغرافية بطريقة غير مباشرة، فهي جزء من النص الأدبي القصصي.
الرمز
رغم ما تحمله هذه المجموعة من قصص واقعية، أو من أحداث قريبة/تلامس الواقع، إلا أن هناك رموز فيها، وهذا يطفى لمسة جمالية اضافية عليها، هناك العديد من الاستخدامات للرمز في هذه المجموعة، فمثلا يقول في قصة "بين القدسين" عندما تم احتلال (لفتا) كيف اصبح يستخدم مسجدها من قبل اليهوديات، "أما جامع القرية، فتحول إلى مطهرة لليهوديات المتدينات، يغطس في الماء ليتطهرن من الطمث" ص 9، الحدث واقعي تماما، لكن رمزية تكمن في أن الجامع الفلسطيني بقى مقدس عند المحتل، فجعلوا منه مطهرة لنسائهم من الطمث، فقدسية المكان بقيت حاضرة رغم اختلاف وتناقض الديانتين.
ومن الرموز أيضا هذه العبارة "لم يكن رصاص الاحتلال الإسرائيلي ليتساهل مع رمز وطني" ص12، فهنا المقصود الاحتلال وسلاحه الذي لا يرحم الفلسطيني المقاوم، فهذا التقديم ينم على ابداع الراوي وعلى قدرته على تقديم الفكرة بالإشارة، وعدم الطرح المباشرة والصريح.
ويقول في قصة "مجنون بورقيبة" : "مات الملك، عاش الملك، ملوكنا آلهة من تمر، نأكلها ليس عندما مجوع، ولكن عندما يتدخل جبرائيل، أو عسكري مغامر طموح، يرغب يوضع اسمه في سجل الآلهة الملوك" ص34، بهذا القول يريد الراوي أن يربط الحكم في دولنا بالله الذي يمنح الحاكم مقاليد الحكم حتى يكتب عليه الموت، أو قيام أخر بانقلاب عسكري عليه، فعندما يكون في الحكم نعاملهم "كسيف الله على الأرض"، لكن عندما يسقطون/يموتون نأخذ في ذمهم وشيطنتهم.
في قصة "الأرملة البيضاء" استخدم الراوي رمزية الأبيض/السلام، فمن عوان القصة وحتى نهايتها القصة، كان اللون الأبيض يمثل موت/سجن لأبطل القصة "أبو الكواكب" فبعد أن تبع الأرملة صاحبة المنديل الأبيض وهي تلوح به من بعيد "وهي تحرك العلم الأبيض" حصل له "..غاب أبو الكواكب، الذي تراجع عن كتابة تقريره، وغيره من المناضلين، في غياهب السجون الإسرائيلية، وعاشت الأرملة الجميلة ، التي بدأ شبابها يذوي مع كرور الأيام، تأكل من ثديها، وعلاقتها مع أدارة الاحتلال العسكرية مكشوفة" ص39، يشير استخدام اللون الابيض من (الآخرين) إلى مصيدة/كمين يقع فيه المناضلين والمقاومين، فالأرملة السوداء التي تقتل ذكرها بعد أن تحصل على غايتها منه ـ الجنس ـ تم اسقاطها على حالة بشيرة وتم تغريب اللون من الأسود إلى الأبيض، لكن هناك موت/نهاية للذكر الذي يقترب من هذه الأنثى/الارملة، ومن الرمزية أيضا ما جاء في نهاية القصة ، حيث ختمها الراوي بهذا لمقطع : "القطط تأكل بعض أبنائها، ليأكل باقي الأبناء" ص40.
وجاء في قصة "عصافير المهد" عن طير المينا" هذا القول: "...الأثر السلبي للمينا على البيئة هناك، محذرة من قدرة هذا الطائر على إزاحة الأنواع المحلية واحتلال مكانها، ومن إمكانية أن يحمل فيروسات مسببة لأمراض، لا تتوفر لدى الانواع المحلية مناعة كافية لمواجهتها" ص122، بكل تأكيد يمكن اسقاط هذا الكلام على الاحتلال الذي جاء دخيلا على فلسطين، والذي لن تقتصر آثاره السلبية عليها وحسب، بل سيطال كافة المنطقة العربية.
أما قصة " الحرون" فهي من اكثر القصص رمزية، في المجموعة، فكلنا يعرف رمزية العجل في الأساطير والملاحم القديمة، فهو يرمز للقوة، وهو احد رموز الإله بعل أيضا، إله اخصب، فهناك لفظ "ثور إيل" تم استخدامه بكثر في الملاحم الكنعانية، كما هو الحال في ملحمة "البعل" وأسطورة "دانيال" ولكن الأشهر ما جاءت عن "ثور السماء" في ملحمة جلجامش والذي أرسلته عشتار لتنتقم من جلجامش الذي أهانتها، تحدث المتصارعة بينهما إلى أن يمسكه انكيدو من قرنيه ويضع جلجامش السيف بينهما، فيموت العجل، وفي هذه القصة ما يتماثل وما جاء في الملحمة السومرية، فهي تتحدث عن العجل الهارب من (القدس الشرقية إلى الغربية)، "نزل العجل نحو قرية المالحة ولحقته،... كيف يمكن أن أقبض على هذا المتسلل إلى ألأرض العدو" ص134، نجد في هذه العبارة حالة تمرد من المخلوق القوي الذي يقوم بعبور الحدود المحرمة، فهو يكسر ما وجد من فاصل/حواجز في القدس، فهي قدس واحد وليست قدسان، وبعد عملية مطاردة طويلة يتم القبض عليه ويصف لنا شقيق الراوي كيف كانت حالته بعد الامساك به ، "عندما وضعت رجلك على رقبته، لمحت خلال أجزاء من الثانية، دموعا تسيح من عينيه، ربما لم يكن عليك قتله ربما علينا احترام شجاعته ورغبته في أن يكون حرا، لم يحب ابدا أن يكون مصيره مثل باقي جنسه" ص139، فهنا كان العجل أكثر ثوري من الناس، ولهذا عبر الحدود إلى الجهة المحتلة، وكانت دموعه تمثل حالة أولئك الذي يعبرون الحدود ويتم قتلهم، ليس من الاحتلال وحسب وانما من الجيوش العربية أيضا، التي تحمي الحدود من أي خروقات.
ملاحظة: لم اتحدث عن قصة العنوان، حيث تناولتها في مقال سابق.
المجموعة من منشورات الفصائل، القدس، الطبعة الأولى 2017.