هل يحتاج العراق إلى الحشد الشعبي أو -الميليشيات الطائفية المسلحة-؟

كاظم حبيب
2016 / 11 / 27



ما تزال المعارك ضد عصابات داعش المجرمة مستمرة ومتصاعدة، والانتصارات تتحقق يوماً بعد آخر، رغم الخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات التي تستوجبها طبيعة المعركة القاسية التي تخوضها صنوف القوات المسلحة العراقية وقوات الپيشمرگة الكردستانية والمتطوعون الشجعان. والانتصار النهائي على العدو المتوحش قاب قوسين أو أدنى، إذ يمكن أن يتحقق حتى نهاية هذا العام عسكرياً، ولكن المعركة الفكرية والسياسية ضد الفكر الإسلامي السياسي المتطرف والتكفيري والعدواني ستبقى مستمرة طويلاً، إذ إن الأساس المادي لمثل هذا الفكر ما يزال موجوداً وسيبقى طويلاً إلى أن يتحقق التنوير الديني والاجتماعي بالعراق ومناطق أخرى من العالم الإسلامي، ويتحقق التحول صوب التنمية الصناعية والزراعية والتقدم الحضاري والخلاص من العلاقات المتخلفة ما قبل الرأسمالية وتأثير الأساطير والخرافات التي يروجها جمهرة من شيوخ الدين وليس كلهم!
والمعركة السياسية ما بعد تطهير العراق من عصابات داعش ستكون هي الأخرى قاسية بسبب الأوضاع التي سادت العراق خلال سنوات ما بعد إسقاط الدكتاتورية البعثية، دع عنك ما تركته فترة حكم البعث الدموية من أثار سلبية عميقة في جسد المجتمع العراقي المتنوع في قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه وأفكاره، والتي ما تزال مستمرة حتى اليوم. وبسبب إن المسؤول عن كل ما حدث لم يقدم إلى المحاكمة لينال جزاء تفريطه البشع بالعراق ووحدة شعبه بقومياته وأتباع دياناته ومذاهبه وتسليم الموصل لعصابات داعش المجرمة.
إن الصراعات الجارية، التي ستتفاقم بعد تحقيق النصر على داعش، تستوجب الرؤية الحكيمة والواعية لما ينبغي أن يحصل بالموصل والمحافظات الغربية ومع رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق، من وضع جديد وتنفيذ خطة طريق تعالج بعقلانية وحكمة المشكلات العالقة بروح ديمقراطية حازمة ومدركة لأبعاد ما يراد للعراق من عواقب وخيمة من دول الجوار التي تدعي الرحمة بالعراق وتعمل على خنق العراق بالسيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية عليه. وستكون لهذه الدول أدواتها بالعراق، سواء أكانت تلك الأدوات سياسية مثل الأحزاب وبعض ما يطلق عليه بمنظمات المجتمع المدني والخيرية أو تشكيلات شبه عسكرية (ميليشيات مسلحة)، التي تمارس ضغوطها على العراق وعلى وجهة تطوره التي لن تكون في صالح العراق. ولهذا لا بد من العمل على التصدي لمثل هذه التشكيلات واتجاهاتها الطائفية، ولكن يصعب على نظام المحاصصة الطائفية القائم في الدولة العراقية الهشة والعاجزة عن التحكم بسلطاتها الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، التي تمارس الطائفية بكل أبعادها، تحقيق ما يفترض أن يحصل وهو حل جميع التشكيلات شبه العسكرية التي نشأت في اعقاب سقوط الدكتاتورية، سواء أكانت شيعية أم سنية، وكذلك حل الحشدين، الحشد الشعبي والحشد الوطني، فكلاهما طائفي الوجود والنزعة والسلوك السياسي والاجتماعي والثقافي والعسكري. فالجيش العراقي، وبضمنه قوات الپيشمرگة الكردستانية باعتبارها قوات حرس الحدود، هو الذي يستوجب أن يبقى وحده حامي العراق من احتمال الاعتداء الخارجي، والشرطة العراقية هي التي يفترض أن تبقى حامية العراق من الداخل ضد كل الجماعات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة وضد الفساد المالي والحرامية.
إن الحشد الشعبي تشكل على وفق دعوة المرجعية الشيعية في النجف للجهاد الكفائي، فهب متطوعون شيعة تجاوباً مع الدعوة. ولكن الحشد الشعبي تكون من تلك المليشيات التي كانت قائمة والتي ارتكبت أبشع الجرائم بحق الشعب العراقي ليس في مواجهة المليشيات والقوات الإرهابية حسب، بل وفي إرهاب أتباع الديانات الأخرى وفي الصراع في ما بينها وضد المجتمع، وهي ما تزال تمارس الإرهاب وابتزاز السكان أينما وجدت في محافظات الوسط والجنوب وبغداد على نحو خاص، ولم يصبح المتطوعون على أساس الجهاد الكفائي سوى أعضاء في هذه المليشيات التي دخلت بقواها السياسية الأساسية في الحشد الشعبي لتشكل هيكل الاتحاد ولحمته وبقياداتها السابقة مثل هادي العامري وأبو مهدي المهندس وقيس الخزعلي وغيرهم، وبحسب ادعاء المالكي الصحيح أنه هو المؤسس لمثل هذا الحشد، وبالتالي فمثل هذا الحشد لا يصلح أن يكون قوات شبه عسكرية أو عسكرية تابعة للعراق، حتى لو كانت خاضعة للقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع العراقي، لأنها تشكلت على أساس طائفي ولن تكون غير ذلك وستكون سكيناً في خاصرة الشعب العراقي والعراق وأداة بيد إيران ضد مصالح الشعب العراقي. وعلينا جميعاً أن نتذكر الخطاب الوقح للمالكي حين أكد على إن المعركة ما تزال مستمرة بين أصحاب الحسين وأصحاب يزيد، أي أنه اعتبر السنة الحاليين كلهم اتباع يزيد، وهو قول بالغ الحماقة والضرر بالشعب العراقي ووحدته. كما إن الحشد الوطني، الذي تأسس بمبادة من الطائفي البشع أثيل النجيفي ودعم وتدريب تركيا ورئيسها المستبد بأمره والسلطان الصغير الجديد رجب طيب أردوغان، لن تكون إلا سكيناً أخرى في خاصرة الشعب العراقي. إن علينا أن نبعد الحشد الشعبي من المناطق الحساسة التي يمكن أن تحصل فيها عواقب سيئة، كما حصلت في الفلوجة بعد تحريرها، إذ لا يمكن الاطمئنان لأقسام من الحشد الشعبي بأي حال، رغم تأكيد العبادي على إبعادها عن تلعفر، فيمكن أن يحصل فيها اختراق كما حصل في الفلوجة ولن يكن في صالح المجتمع العراقي كله، إذ يمكن أن تستغلها القوات التركية الموجودة في أطراف بعشيقة للتدخل سلبياً في مسارات المعارك الجارية، وهي التي ساهمت بفعالية في تكوين داعش مع حليفها السعودية وقطر وصمت الولايات المتحدة الأمريكية!
لهذا يفترض وبعد انتهاء المعارك وتحقيق الانتصار حل هاتين المؤسستين لصالح الشعب العراقي وحياته المدنية التي نريدها أن تكون حرة وديمقراطية وآمنة. وأن يبتعد البرلمان الاتحادي تماماً عن إقرار قانون يجيز وجود هذه الميليشيات وحشدها الشعبي، إذ سوف لن يكون سوى الأداة المهدمة لوحدة العراق وجيش ودولة داخل جيش ودولة هشة. العراق لا يحتاج بأي حال إلى الحشد الشعبي ولا الحشد الوطني، العراق بحاجة إلى تفعيل الشعب العراقي ودوره ووعيه ومصالحه ومستقبل أبناءه بعيداً عن العنصرية والشوفينية وضيق الأفق القومي والطائفية والتمييز الديني والفكري، بعيداً عن الفساد والإرهاب وحواضنهما.