ملاحظات على ما سمي بالتسوية الوطنية التاريخية

ضياء الشكرجي
2016 / 11 / 27


بكل تأكيد نحن أحوج ما نكون إلى تسوية وطنية تاريخية، في ضوء مراجعة نقدية صادقة وصريحة ومعترفة بالخطأ ومعتذرة عنه. لكن (التحالف الوطني) هو آخر من يملك مؤهلات تقديم مشروع لتسوية وطنية تاريخية، ورئيسه الحالي هو آخر من يمكن أن يقود مثل هذه التسوية. ابتداءً يجب أن نسمي الأشياء بأسمائها، فـ(التحالف الوطني) يجب أن تكون تسميته بـ(التحالف الشيعي)، أو بتعبير أدق (التحالف الشيعسلاموي)، كما يجب تسمية (اتحاد القوى العراقية) بـ(اتحاد القوى السنية)، وتسمية (التحالف الكردستاني) بـ(التحالف الكردي)، وواضح الفرق بين ما هو كردستاني، للتنوع القومي في كردستان، وبين ما هو كردي بشكل خاص. لكني أتناول صاحب هذه المبادرة المدعاة بالتسوية الوطنية التاريخية، فأقول إن (التحالف الوطني) الشيعي والأحزاب المنضوية تحت خيمة ما يسمى بـ(التحالف الوطني) هذا أي (حزب الدعوة الإسلامية)، و(المجلس الأعلى الإسلامي العراقي)، و(حزب الدعوة الإسلامية تنظيم العراق)، و(حزب الفضيلة الإسلامي)، و(تيار الإصلاح الوطني)، وبقية القوى الشيعسلاموية هي آخر من يملك مؤهلات تقديم مبادرة لمشروع تسوية وطنية تاريخية، لأن مثل هذه التسوية لا بد أن تكون لها شروط، يفتقر إليها التحالف الوطني والأحزاب المنضوية تحت خيمته، وفاقد الشيء لا يعطيه، وهذا ما سأحاول أن أبينه في هذه المقالة.
سأعتمد على النص الذي نشرته (المدى) مشكورة، ولا أدري ما إذا قد حصلت أو ستحصل تعديلات على النص المنشور. كما جاء في (المدى) فإن «(التسوية) تحظى بشبه إجماع شيعي». ويكفي أن تكون المبادرة شيعية، أو سنية، لإثبات عدم أهليتها للتسوية، لأن العقبة النكداء أمام أي تسوية وطنية، هي وجود قوى سياسية تنتمي إلى هذه أو تلك الطائفة، إلى هذا أو ذلك الدين، ولا تنتمي إلى فكر وبرنامج سياسي، يعتمدان الثوابت الوطنية، ويختلفان في التفاصيل والأولويات، وأهم ثابت للدولة الديمقراطية الحديثة، هو الالتزام بمبدأ المواطنة، وكون القوى السياسية شيعية أو سنية، عربية أو كردية، يعني إن هذه الأحزاب إما لم تفهم أهمية ومركزية وأولوية مبدأ المواطنة، أو إنها مصرة على تقسيم المجتمع وتقسيم القوى السياسية، ليس على أساس سياسي، بل على أساس مكوناتي، وأسوأها وأخطرها وأشدها ضررا هو التقسيم على الأساس الطائفي، بين شيعة وسنة، لأنها سلعتها الوحيدة، ودونها يكون إفلاسها محتما.
عندما نقول إن القوى الشيعسلاموية للتحالف الوطني هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن كل ما آل إليه الوضع في العراق، فلا يعني إغلاق الباب أمام منح هذه القوى فرصة تصحيح ما سارت عليه. لكن لكون هذه القوى إسلامية، وبالتالي تعتمد الثقافة الشرعية للدين الإسلامي بالدرجة الأولى، وعملا بقاعدة الإلزام للإمام جعفر الصادق، نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم، فنقول إن باب التوبة مفتوح، والتوبة تجُبّ ما قبلها، ولكن لكونهم متشرعين، ويعرفون شروط التوبة أذكرهم بهذه الشروط، إذا كانوا قد نسوها.
1. استشعار وإظهار الندم.
2. الإقرار والاعتراف بالذنب.
3. الاستغفار.
4. قطع العهد على عدم تكرار المعصية.
5. التدارك بمعنى إصلاح ما أفسد مرتكب المعصية من فساد أو ضرر، والتعويض عما فرّط به.
ومن أجل إعادة صياغة هذه الشروط بلغة السياسة، لا بلغة الشرع، أقول إن من شروط التوبة السياسية إذن لهذه القوى هي:
1. أن يظهروا ندمهم على ما فرطوا بحق العراق وشعبه طوال أكثر من ثلاثة عشر عاما مضت.
2. أن يعترفوا بكل أخطائهم وخطاياهم أمام الشعب العراقي.
3. أن يعتذروا للشعب العراقي عن كل ذلك، أو يتركوا له أن يطالب بمقاضاتهم أمام قضاء عادل ونزيه إن شاء أو يتوب عليهم إن شاء.
4. أن يقطعوا العهد أمام الشعب على عدم تكرار ما ارتكبوه من تأسيس للطائفية السياسية واستبدال دولة المواطنة بدولة المكونات، والتعددية السياسية بالتخندق الطائفي والعرقي، وتسييس الدين والمذهب، ومزاولة الفساد المالي وسرقة أو هدر المال العام، والتقصير في توفير الخدمات الضرورية للشعب، ومحاولة التضييق على الحريات.
5. التدارك بمعنى إطلاق عملية إصلاح شامل وحقيقي وجذري لكل ما ذكر، ووضع برنامج إصلاحي حقيقي.
وهذا يتطلب فيما يتطلب حل الأحزاب غير القائمة على أساس مبدأ المواطنة، أي الأحزاب والتكتلات السياسية الشيعية والسنية بالدرجة الأولى، ثم حل الأحزاب القومية في وقت لاحق بعد إعادة بناء الثقة، من أجل تأسيس أحزاب جديدة قائمة على رؤية سياسية وطنية، ما بين اتجاه يساري، أو ليبرالي، أو وسطي، أو محافظ، والمهم ألا تكون الأحزب دينية، ومن قبيل الأولى ألا تكون مذهبية، ولا قومية.
والآن لنتناول بعض فقرات هذه المبادرة المدّعاة، نعم أقول المدّعاة، لأننا لحد الآن لا نملك مبررات الثقة بهؤلاء وتصديقهم فيما يدّعون، وهم سبب الداء، ولا يمكن للداء أن يكون هو الدواء والعلاج، ولا يمكن للمشكلة أن تكون هي الحل، ولا يمكن أن يكون نقيض المواطنة قائما على أساسها، ولا لنقيض الديمقراطية مؤسسا لها. ولا يسعني للأسف أن أتناول الموضوع بالتفصيل، مما يتطلب إلى متسع من الوقت، وتوسيع البحث إلى عدة حلقات، قد تتجاوز العشر، مما لا يتوفر لي الوقت لإنجازه، آملا أن يقوم بقية ذوي الاهتمام بتكملة ما بدأته، إن وجدوا فيه نفعا.
الآن مع بعض النصوص وتعليقي السريع والمختصر عليها:
«المبادرة تمثل رؤية وإرادة قوى التحالف الوطني ...»: بينت سبب كون التحالف الوطني آخر من يملك المؤهلات للتسوية والإصلاح والتصحيح والتغيير.
«الهدف من هذه المبادرة الحفاظ على العراق وتقويته كدولة مستقلة ذات سيادة وموحدة وفدرالية وديموقراطية تجمع كافة أبنائها ومكوناتها معا»: هذا يحتاج إلى تشخيص أسباب جعل الدولة ضعيفة، ومنتهكة السيادة، فأحد أهم أسباب ضعف الدولة هو اعتمادكم تسييس الدين والمذهب والطائفة والعرق. ثم الانتقاص من سيادتها جاء فيما جاء وبشكل أساسي بسبب استقوائكم أيها السياسيون الشيعة على السنة بإيران، واستقواء السياسيين السنة عليكم بالسعودية وتركيا وقطر. فهل شخصتم هذه الحقيقة وتريدون أن تعاهدوا الشعب أن تكفوا عن فتح المجال لهذه الدول المذكورة آنفا للتدخل المُضِرّ بالمصالح الوطنية للعراق؟ ما زلنا نشك في ذلك، ولا نملك مبررات إعادة النظر في شكنا بإرادتكم الصادقة بتصحيح وإصلاح ما أفسدتموه.
«مسار المبادرة إطار وطني يشمل جميع المكونات العراقية العرقية والدينية والمجتمعية، ويمكن المضي به على مراحل ضمن إطار التسوية الوطنية الشاملة»: أهم شرط كما بينت إنهاء المحاصصة، ولا نستطيع إنهاء المحاصصة إلا بإنهاء الطائفية السياسية، ولا يمكن أن ننهي الطائفية السياسية إلا بحل أحزاب (التحالف الوطني) الشيعية، وأحزاب (اتحاد القوى العراقية) السنية وحظر تأسيس أحزاب على أساس ديني أو طائفي أو قومي لكون كل ذلك ناقضا للشرط الذي وضعتموه أنتم في قانون الأحزاب، بوجوب تأسيسها على أساس المواطنة حصرا. إما انكم لا تفهمون معنى المواطنة، أو تعملون على تحريف هذا المفهوم وخداع جماهير الشعب بطرح المفهوم المشوه للمواطنة، فتكرسون مبدأ دولة المكونات باسم المواطنة. وبالتالي لا تكونون أهلا لحمل الأمانة، فجهلكم بالمعنى الصحيح لمبدأ الموطنة يجعلكم جهولين، وتحريفكم لمعناها متعمدين يجعلكم ظلومين، ولكونكم مثقفين قرآنيا، تعرفون إن سقوط الإنسان في حمل الأمانة كان بسبب إنه كان «جهولا»، أو «ظلوما»، أو «جهولا ظلوما» في آن واحد.
«لا عودة ولا حوار ولا تسويات مع حزب البعث أو داعش أو أي كيان إرهابي او تكفيري او عنصري»: وماذا عن الكيانات الطائفية؟ أم تقولون إنكم غير طائفيين، وبالتالي فهي القوى السنية وحدها الطائفية؟ فأقول ألا تعلمون إن مجدرد أن تكون لكم أحزاب شيعية وأحزاب سنية، وقوائم انتخابية شيعية وقوائم سنية، وكتل برلمانية شيعية وأخرى سنية، هي عين الطائفية؟ نعم طائفية السنة أسوأ من طائفية الشيعة، ولكن الطائفية الشيعية هي التي تتحمل مسؤولية تكريس الطائفية السياسية في العراق ما بعد 2003 بالدرجة الأولى، لأنها طائفية فعل ابتدائي، وهي طائفية الأكثرية، وطائفية السنة كانت طائفية رد فعل مابعدي، وهي طائفية الأقلية. إذا لم تشخصوا ذلك ولم تعترفوا به، لا يمكن أن تكونوا مؤهلين لطرح مبادرة تسوية وطنية تاريخية.
«تمثيل المكونات والأطراف العراقية يجب أن يخضع للقبول بالثوابت الواردة بهذه المبادرة»: بل يجب وضع نهاية لما يسمى بتمثيل المكونات، فالسياسي والحزب السياسي عندما يطرح نفسه ممثلا للمكون الشيعي أو المكون السني، فهو يكفر بمبدأ المواطنة، الذي هو أهم ركن من أركان الدولة الديمقراطية، إذا سقط، سقطت الدولة ولو سقوطا معنويا. هل تدركون هذه المعاني؟
«التسوية التي نستهدفها تعني: تسوية سياسية ومجتمعية وطنية تاريخية ترمي لعراق متعايش خالٍ من العنف والتبعية»: سيبقى التعايش صعبا جدا، ولا أقول مستحيلا، ما زلتم أنتم ومنافسوكم السنة تقسمون الشعب عمليا إلى شيعة وسنة، وتزجون بالناخب الشيعي لينتخب أحد الخيارات الشيعية، وبالناخب السني لينتخب أحد الخيارات السنية، ثم تتوحد القوائم الانتخابية الشيعية في تحالف برلماني شيعي، والقوائم الانتخابية السنية في تحالف برلماني سني. فأي تعايش هذا الذي تدعون إليه؟ أم تريدون تغيير هذا الواقع حقيقة، وليس محاولة منكم للضحك على الشعب من جديد؟
«التسوية الوطنية العادلة والشاملة والمقبولة صيغة إنقاذية للعراق، وإنها الخيار الستراتيجي الأفضل لمجتمعنا ودولتنا، ليس فقط إنهاء الخلاف على قضايا الدولة بل تسعى لإعادة بناء الدولة لضمان استمرارها وتقويتها في وجه تحديات الإرهاب والتقسيم واللاأمن واللاعدالة واللامحاسبة واللااستقرار واللاتنمية والجريمة المنظمة والفساد والفوضى»: شخصيات مثل عمار الحكيم ونوري المالكي وإبراهيم الجعفري وأسامة النجيفي ومسعود البرزاني ليس بوسعها أن تقوم بكل هذه المهام، فهي وأحزابها وتياراتها السياسية القائمة على أساس طائفي هي التي كانت سببا لكل هذا «الخلاف ... والتقسيم واللاأمن واللاعدالة واللامحاسبة واللااستقرار واللاتنمية والجريمة المنظمة والفساد والفوضى»، أم مِن صنع مَن كل ذلك باللعه عليكم، إلم يكن من صنعكم؟
«استثناء حزب البعث وداعش وكل كيان إرهابي وتكفيري وعنصري»: وأين الكيانات الطائفية التي أنتم منها إذن؟ نعم، لا بد أن نستثني حزب البعث وداعش، لكنكم أيها السياسيون الشيعة تدينون حزب البعث العراقي وتتعاطفون مع حزب البعث السوري، والسياسيون السنة يدينون حزب البعث السوري ويحن الكثير منهم إلى حزب البعث العراقي. «ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون»، فـ«لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون»، أم «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟».
«تصفير الأزمات بين الأطراف العراقية»: التصفير والبدء ببداية جديدة لا يكون إلا بحظر الأحزاب الدينية والأحزاب الطائفية، أعني احزاب الإسلام السياسي، والأحزاب الشيعية والسنية، سواء إسلامية أو غير إسلامية، مع ملاحظة إن الأحزاب الشيعية كلها إسلامية، بينما الأحزاب السنية إسلامية وغير إسلامية، وإلا فتبقى الدعوة إلى «تصفير الأزمات» أكذوبة، أو وهما على فرض صدقكم.
«الإيمان والالتزام قولاً وفعلاً بوحدة العراق أرضاً وشعباً والحفاظ على سيادته واستقلال قراره وهويته ونظامه الديمقراطي البرلماني الفيدرالي ورفض تقسيمه تحت أي ظرف»: نعم، نتمنى ونحرص على أن يبقى العراق موحدا، لكن دون إلغاء حق تقرير المصير للكرد، ولو إننا نميز بين هذا الحق للشعب الكردي، وبين سوء سياسات سلطة الإقليم، لاسيما من قبل الحزب الحاكم فعليا، والمرفوضة أي هذه السياسات عراقيا وكرديا.
«والاستعداد لإجراء التعديلات الدستورية على وفق الآليات التي نص عليها الدستور ذاته»: كل تعديل دستوري يبقى ترقيعيا، ما لم يجر إلغاء المادة الثانية، لاسيما عبارة «الإسلام ... مصدر أساس للتشريع»، وعبارة «لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام». أمستعدون انتم حقا لذلك؟ من هنا تكون البداية الصحيحة، ثم نواصل التعديلات لجعل مواد الدستور كلها «مُحكَمات» وليس فيها «أخَرُ مُتشابِهات». ومنها توضيح العلاقة بين السلطة الاتحادية وسلطة الإقليم، ومنع التلاعب بمعنى «مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا»، وإلغاء التزامن بين انتخاب رئيس الجمهورية والانتخابات النيابية للحيلولة دون حلول توافقات السلة الواحدة، وغيرها.
لا أبرئ القوى السنية من سوء الأداء ومن مشاركتها للقوى الشيعية في تحمل مسؤولية كل السياسيات الخاطئة والمضرة، لكني رأيت إن معظم مواد مبادرة (التسوية الوطنية التاريخية) هذه إنما هي موجهة إلى القوى السنية، وكأنها تريد أن تبرئ القوى الشيعية من مسؤوليتها، بالرغم إن الأكبر حجما يتحمل القدر الأكبر من المسؤولية. ولا يسعني تناول كل النصوص التي تدل على صحة ما استنتجته، لكني أكتفي بهذا النص:
«... والاعتراف الملزم بنتائج الانتخابات الحرة النزيهة، والامتناع عن ممارسة الازدواجية في المواقف تجاه شرعية النظام السياسي العراقي (قدم بالحكم وقدم بالمعارضة)، بما في ذلك وقف التحريض ضد شرعية النظام السياسي القائم داخليا وخارجيا»: فهذا الكلام واضح بالبداهة أنه موجه للقوى السنية، وبحق. لكن من كان سبب ذلك؟ السبب هو استبدال التعددية السياسية بالأحزاب الممثلة للمكونات. لو كانت أحزابنا كلها عابرة للطوائف والأعراق، كما بينت، متوزعة بين اتجاهات يسارية، وليبرالية، ووسطية، ووطنية محافظة، وغيرها، لما أصبحنا أمام واقع إن الأكثرية البرلمانية متكونة من الشيعة، مما سيجعل السلطة بيد الشيعة دائما، لو اعتمدنا الأكثرية السياسية فقط، مما استلزم استخدام الحلول الترقيعية من (حكومة مشاركة وطنية)، و(حكومة وحدة وطنية)، و(محاصصة)، و(توافق)، وما إلى غير ذلك. أنهوا واقع قيام أحزاب المكونات القائم بالدرجة الأولى على أساس الطائفة، ثم بدرجة ثانية على أساس القومية، عندها يكون مطلبكم هذا مشروعا. أما مع الإبقاء على هذا الواقع، فهو كلام الأقوياء رغما عن غيرهم، أي ممارسة سياسة ليّ الأذرع مع إظهار المحبة للملويّ ذراعه.
«رفض تجربة الحكم الدكتاتوري والإقصائي والتمييزي كنهج لإدارة الدولة في أي وقت من الأوقات، واحترام وصيانة حقوق الانسان ومجمل الحريات والحقوق السياسية والمدنية»: وهذا هو الآخر يبقى ناقصا، ما لم نضف إليه رفض الحكم القائم على أساس الأكثرية المكوناتية بدلا من الأكثرية السياسية، وعلى تمثيل المكونات بدلا من التعددية السياسية.
إذا قرأنا شروط التسوية بدقة، نجدها بـ90% موجهة إلى القوى السنية، وغالبيتها صحيحة، لكن تبقى المشكلة قائمة، ما زلنا لا نعتمد التعددية السياسية، وليس تمثيل المكونات. أعتذر لعدم توفر الوقت لتناول ذلك بالتفصيل.
أما النصوص حول التعليم مثل: «اعتماد نظام تعليم حديث متطور»، أو «الالتزام بإعادة صياغة المناهج التربوية والتعليمية بما يضمن إزالة مناهج التكفير والإقصاء والكراهية بحق الإنسان مطلق الإنسان»، فأقول: لا يمكن أن يكون هناك تعليم متطور والمربّون والمعلمون مصاب معظمهم بنَفَس شيعي هنا ونَفَس سني هناك، أو هم من المتزمتين المنغلقين في تدينهم، ولا يمكن أن يتحقق ذلك، ما لم يجر إعادة النظر بشكل جذري وشامل بمادتي التربية الدينية والتاريخ الإسلامي. وهذا ما يبدو أنكم غير مستعدين له، بل تكرسونه بشكل خفي من خلال نص آخر للمبادرة، بقول: «التزام العملية التعليمية بتعرّف العراقيين على رموزهم ومعتقداتهم وتراثهم الديني والثقافي والتاريخي كجزء من خصوصيتهم»، والذي لا یضمن تحقق ذلك فعلا ما جاء في تكملة العبارة بـ «دونما إلغاء أو وصاية أو تحيّز أو عدوانية أو مصادرة للآخر بما لا يضر بوحدة التعليم الوطني وبما يرسّخ التآخي والتعايش وقبول الآخر وإشاعة القيم المدنية». أجادّون أنتم في ذلك؟ نشك كثيرا، ولنا مبرراتنا. فأنتم بين الآونة والأخرى تحاولون تشريع قوانين باتجاه (أسلمة المجتمع)، غيرآبهين بالتنوع الديني والفكري والثقافي.
«العمل الجاد لتحرير الدولة وكل مؤسساتها من نظام المحاصصة العرقية الطائفية التمييزية إلى نظام الاستحقاق السياسي لضمان قيام دولة المواطنة»: بينت إن التناقض بين الدعوة إلى اعتماد الاستحقاق السياسي من جهة، والإبقاء من جهة أخرى على أحزاب تمثيل المكونات، وبالتالي الأحزاب الشيعية والسنية المكرسة للطائفية السياسية، التي أصبح واضحا للجميع أن مقتل العراق كامن فيها.
«مع إيلاء اهتمام خاص لمحاربة الفساد»: هل أنتم جادّون؟ أحقا تريدون ذلك؟ أحزابكم كلها تقريبا متهمة بل متورطة، وقياديوكم كلهم تقريبا متهمون بل متورطون بالفساد المالي. أتواصلون الضحك على الشعب وخداعه بهذه الشعارات المفرغة من مضامينها؟ أخبروني من الذي سرق وهدر المال العام إذن؟
نعم لتسوية وطنية تاريخية، لكن حقيقية وصادقة وقائمة على أسس صحيحة، ومستوفية لشروطها الضرورية.
27/11/2016