في وداع فيدل، آخر عمالقة الاشتراكية

عبدالخالق حسين
2016 / 11 / 27


توفي مساء الجمعة 25/11/2016، القائد الثوري، الشيوعي الذي كرس حياته لخدمة شعبه والبشرية جمعاء، فيدل كاسترو، زعيم الثورة الكوبية، ورئيس حكومتها لما يقارب نصف قرن، منذ عام 1959. حتى تسليمه السلطة لأخيه راؤول عام 2006، بسبب مرضه.

مات فيدل، أو القائد، كما يسميه أبناء شعبه، موتاً طبيعاً وبهدوء عن عمر ناهز 90 عاماً. وقال شقيقه راؤول، الذي أعلن خبر الوفاة ، إن زعيم الثورة الكوبية توفي حوالي الساعة 22:30 بالتوقيت المحلي. وأنهى الإعلان بترديد الشعار الثوري الكوبي "إلى النصر دوما".

سيرة الرئيس كاسترو تحمل تاريخ كوبا والعالم ، حيث شهد وساهم في أهم وأشد المنعطفات التاريخية العاصفة، والتحولات الاجتماعية والسياسية الحادة، وهو يتميز بكل الصفات الناجحة المطلوبة في القائد الثوري، وهي الشجاعة، والوعي المتقد، والضمير الحي والكاريزما الجذابة، والثقافة الواسعة، وفهم قوانين حركة التاريخ، والقدرة على أخذ القرارات الحاسمة والمناسبة، خاصة في أوقات الأزمات الشديدة، والتعامل مع الأحداث حسب الظروف والإمكانيات المتاحة، وفن الممكن. وبذلك حافظ كاسترو على سلامة بلاده وثورته الشيوعية من جميع المحاولات الأمريكية للإطاحة بنظامه. "وبينما كانت الأنظمة الشيوعية تسقط حول العالم، نجح الزعيم الكوبي فيدل كاسترو في الحفاظ على الأعلام الحمراء ترفرف على أبواب عدوه الأكبر، الولايات المتحدة الأمريكية.. وتعرض لمحاولات كثيرة من الاغتيالات والقتل ومن التدخلات الامريكية، وتحول الرجل إلى مثال أمام بلدان وقيادات أخرى في أمريكا اللاتينية وغيرها. وربما يكون الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز أبرز مثال على اقتفاء أثر كاسترو في سياسة المواجهة والتحدي. كما وذكرت عدة تقارير استخبارية وغيرها ان الولايات المتحدة حاكت اكثر من ستمائة مؤامرة لاغتيال كاسترو. الا انه نجى منها جميعاً وظل في الحكم، بينما تعاقب على حكم الولايات المتحدة تسعة رؤساء."

ومن أخطر الهجمات التي تعرضت لها كوبا هي محاولة الغزو الأمريكي في (خليج الخنازير)، في ابريل/ نيسان عام 1961 عندما حاولت الولايات المتحدة إسقاط الحكومة الكوبية من خلال تجنيد جيش خاص من الكوبيين المنفيين لاجتياح جزيرة كوبا. وتمكنت القوات الكوبية من دحر المهاجمين وقتل المئات منهم واعتقال حوالي الف شخص.

وعلى أثر هذه الهجمة الفاشلة، وافق كاسترو مع الزعيم السوفيتي نكيتا خروتشيف، على نشر الصواريخ البوليستية السوفيتية في كوبا، لردع أية محاولة أخرى مشابهة في المستقبل، والتي أثارت أزمة كبيرة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا عرفت بـ"أزمة الصواريخ الكوبية"، هددت بنشوب حرب نووية بين الدولتين العظميين، فانتهت الأزمة بسحب الصواريخ السوفيتية، مقابل تعهد أمريكا بعدم القيام بأي عدوان على كوبا، وسحب صواريخها من تركيا.

كان الشعب الكوبي يعيش في بؤس مؤلم، وفقر مدقع في عهد حكومة باتيستا الفاسدة. وكانت كوبا عبارة عن مبغى ومجمع لنوادي القمار والجنس لأثرياء وسياح أمريكا. ورغم أن فيدل قد وُلِد ونشأ في عائلة ثرية، فهو ابن أكبر إقطاعي، إلا إنه لم يتحمل الوضع المزري للقسم الأعظم من الشعب الكوبي حيث الفرق الشاسع بين غالبية الشعب الفقيرة، والأقلية جداً من الاثرياء الفاسدين. فانحاز إلى طبقة الفلاحين الفقراء المحرومين من نعيم بلادهم، أي بالتعبير الماركسي، أنه خائن لطبقته!

لذلك حمل كاسترو السلاح ضد حكومة باتستا عام 1953 على رأس اكثر من مائة من أتباعه بينهم شقيقه راؤول. ورغم الصعوبات الكثيرة التي واجهها، إلا إن ثورته تكللت بالنصر المؤزر عام 1959 بإنهاء حكم باتستا. وقد نالت مبادئ كاسترو الثورية تأييدا واسعا في كوبا. و عند استلامه الحكم أعلن النظام الشيوعي لتصبح كوبا اول بلد تعتنق الشيوعية في العالم الغربي.

كان كاسترو أممياً بكل معنى الكلمة، إذ ساهم في دعم حركات التحرر الوطني، والثورات على الاستعمار والأنظمة الفاسددة، فقد أرسل 15 ألف جندي إلى أنغولا عام 1975 لمساعدة القوات الانغولية المدعومة من السوفييت. وفي عام 1977 أرسل قوات أخرى إلى اثيوبيا لدعم نظام الرئيس الماركسي مانغستو. كما اهتمت الثورة بتخريج وتدريب أكبر عدد ممكن من الأطباء، حتى بلغت نسبة الأطباء إلى الشعب أعلى من أي بلد آخر في العالم. و ساهمت كوبا في مساعدة الشعوب الفقيرة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية بإرسال الأطباء لتقديم الخدمات الصحية لشعوبها.

لم يكن كاسترو متعصباً أو ديماغوجياً في مبادئه، ففي أواخر الستينات، قرأت كتاباً للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، بعنوان: (عاصفة على السكر). وقد سافر سارتر إلى كوبا في الأشهر الأولى من نجاح الثورة، وألتقى كاسترو و رفاقه من زعماء الثورة، وتنقل معهم في جولة استطلاعية في أنحاء البلاد، وحاورهم كثيراً، ولاحظ مدى حماس الشعب للثورة والثوار وحبهم لكاسترو. ومما بقي في ذاكراتي من هذا الكتاب الشيق، أنه بعد نجاح الثورة تشكل مجلس قيادة لإدارة البلاد وسن القوانين. ولم يشارك كاسترو في هذا المجلس في أول الأمر، بل بقي يراقبهم عن كثب، ويتدخل عند الضرورة.

ومن القرارات التي اتخذها المجلس بعد إعلان النظام الشيوعي، أن قرروا حذف اسم (الله) من الدستور. وهنا غضب كاسترو، واجتمع بالمجلس وقال لهم ما مفاده، أن الثورة قامت من أجل الفقراء وتحسين أحوالهم المعيشية، وأن أغلب هؤلاء متدينون ومؤمنون بالله و يؤمون الكنائس، وإذا ما حذفنا اسم الله من الدستور، فإن أعداء الثورة سيستغلون هذه المبادرة ضدنا ويكسبون هؤلاء الفقراء إلى جانبهم ويوجهونهم لمحاربتنا نحن الذين قمنا بثورتنا من أجلهم. لذلك أبقوا اسم الله في الدستور.

قرار آخر اتخذه المجلس وأثار غضب كاسترو، وهو قرار إلغاء البغاء. فخرجت آلاف المومسات في تظاهرات احتجاجية، لأن هذا القرار معناه قطع مصدر أرزاقهن. مرة أخرى اعترض كاسترو على المجلس، واجتمع بهم قائلاً، أن المومسات اضطررن لهذا العمل بسبب الفقر. لذلك فقراركم هذا معناه إلقائهن في أحضان البوؤس والجوع، وبالتالي في أحضان أعداء الثورة. لذلك يجب عليكم عدم إلغاء البغاء إلا بعد أن تجدوا العمل الشريف البديل لهن. وهكذا كان.

أما إعادة العلاقة مع أمريكا في الآونة الأخيرة، فقد لعب البابا فرانسيس الثاني دوراً مشرفاً، ورغم ما يؤاخذ على الرئيس الأمريكي أوباما من مواقف، إلا إن له الفضل في استجابته لإعادة العلاقة مع كوبا وتخفيف الحصار عنها، بعد أكثر من نصف قرن من القطيعة والعداء غير المبرر. ويذكر أن الرئيس راؤول كاسترو لم يتخذ مثل هذه المواقف الخطيرة بدون موافقة شقيقه فيدل.

هذه المواقف وغيرها تشير إلى مدى براغماتية الرئيس كاسترو، وربما كانت سر نجاحه في قيادة الثورة وبقاء نظامه رغم سقوط الأنظمة الشيوعية الأخرى في العالم، وبقاء الشعار الثوري الكوبي "إلى النصر دوما".. سيبقى فيدل كاسترو ابن الاقطاعي الذي انحاز إلى الفلاحين، وقضى على الإقطاع والفقر والجهل والمرض في بلاده، سيبقى حياً في ضمائر جميع المناضلين من أجل العدالة الاجتماعية، والقضاء على الفقر والظلم في العالم. فله المجد والذكر الطيب.