الفكر الاصولي و الانسداد التاريخي

مولود مدي
2016 / 11 / 27

يحاول الاصوليون اقناع الناس ان الفكر الحداثي يعتبر مؤامرة تهدف الى القضاء على الاسلام و المسلمين و ان هدفه هو ابعاد المسلمين عن دينهم و هذه للاسف اكذوبة كبيرة لا يتقبلها عقل مثقف و واعي الا انها انطلت على الكثير من المسلمين و الذين معظمهم لا يعرفون بالضبط تاريخ الفكر الاسلامي .. لا ننكر ان الفكر الحداثي للاسف هزم امام النص بسبب سيطرة عقلية تقديس النصوص في العالم العربي و تناولها بطريقة حرفية مع عدم الاعتراف بضرورة اقحام العقل في اللعبة من اجل فهم النص و هذا ما سهل على اصحاب الفكر الاصولي إلى تغليف أهواءهم وأفكارهم وصبغها بالصبغة الإسلامية حتى تُقبل.
ان الفكر الاصولي - ليس الفكر الاسلامي الصحيح - لم يحث الانسان المسلم على الاهتمام بالعلم لذا يعتبر ان كل تقدم علمي ناتج عن العلم من تكنولوجيا و وسائل الترفيه و ما غير ذالك هو " متاع غرور " فهي في نظر الاصوليون ملذات تلهي الناس عن الانشغال بالعبادات و العمل للاخرة و كان نتاج هذه العقلية توقف الحركة الفكرية الاسلامية من مناقشات و مجالس للفكر لدى الشعوب الاسلامية نتيجة ظهور شرذمة من اعداء العقل و النقد و اصبحت الامة الاسلامية تعيش على منجزات الحضارة الغربية كما ان هذه النظرة المتطرفة للفكر النقدي العقلاني تسببت في تضييع جهود العلماء المسلمين الكبار امثال ابن سينا و ابن الهيثم هباءا لانهم بحثوا في العلوم الطبيعية و اسباب الوجود فتم رميهم زورا بالهرطقة و الزندقة فما يسمونه " شيخ الاسلام " ابن تيمية وصف كل من يدرس الفلسفة بالزنديق و اتهمه بالكفر و الهرطقة كيف و هو القائل " من تمنطق فقد تزندق " فحبطت منزلة العلوم التجريبية عند المسلمين و اصبحت العلوم الشرعية و الفقهية هي الاولوية العظمى فعوض التوفيق بينهما اصبحت المعرفة الضرورية متمثلة في الدراسات الفقهية.
لقد بدا الانسداد التاريخي من هنا .. ان هذا الانسداد وليد تقييد الفكر العقلاني النقدي و احاطه بزمرة من الرجال المستعدين على الانقضاض على كل من تسول له نفسه الاقتراب من حدود هذا الفكر !
شئنا ام ابينا لقد بدانا من الاقتراب من الاستحقاق الاكبر الذي بفضله سوف تشرق شمس التنوير على عالمنا لكن ما هو الاستحقاق المقصود هنا ؟ انه استحقاق اخضاع التراث الفكري الاسلامي للنقد العقلي البناء البعيد كل البعد عن العاطفة. ان هذا الانسداد التاريخي لن تنفع معه انصاف الحلول و المخارج الترقيعية فاما ان يكون له حل اما ان لا يكون !
معالجة المراض تبدا دائما بمعرفة اعراضها فان عرفنا اصل المرض و جذوره و تفطنا لذالك مبكرا سهل العلاج لكننا وقعنا في سبات عميق و اصبح المرض اكثر خطرا و صعوبة في التشخيص و العلاج .. ان مرض الانسداد التاريخي نتج عن التناقض بين طريقة تفسير النصوص الدينية و الواقع و الاصوليون هم من تسببوا في هاته المشكلة بتنصيب انفسهم مكان العقل و الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة !
ان الحل بسيط لكن التطبيق صعب و يحتاج لتضحيات جسام لتكريس الفكر الحداثي و التخلص من الانسداد التاريخي الذي تسبب فيه الفكر الاصولي .. ان الحل يتمثل بالتاويل العقلاني للنصوص و الاعتراف بالمشروطية التاريخية للنص و بنشر الاهوت الليبرالي و منطق التسامح الديني الذي تنفر منه الامة الاسلامية فالعقبة الاساسية في وجه هذا المشروع هو الفكر الاصولي لان هذا الفكر تمكن من وضع يده على عقول المسلمين و اصبح يتحكم في الاغلبية الساحقة من المسلمين مستغلا جهل الكثير من المسلمين لتحويلهم الى متعصبين لا يعرفون عن ماذا و عن من يدافعون !
ان هذا الفكر الشنيع نتاج فكر السلفية الوهابية تسبب في بلايا لا حد لها فبعد تعطيل العقل العربي عن التفكير و النقد العلمي اصبح هذا الفكر مصدرا للارهاب و الحروب الطائفية و المذهبية .. انظروا ما حدث للسودان و العراق و غيرها من البلدان بسببه.
ان المعركة ستكون طويلة و معقدة و هي لن تنجح على النحو الذي ننتظره و لن تكون الطريق مفرشة بالورود فلا ينبغي ان نتوهم فكما دفع الغرب قبلنا الثمن الغالي من اجل الحداثة و محاربة الاصولية سندفعه نحن لان لا شيئ ياتي دون مقابل و المعركة المنتظرة لن ننتصر فيها الا اذا نجحنا اولا في عملية التشخيص و نقصد بالتشخيص هنا بالبحث عن اصل المشكلة التي ادت الى ظهور الفكر الاصولي فمثلما سوف نصل الى ابواب اسبابه علينا ان نغلق الابواب التي تؤدي الى عودته .. لكن على ما يبدوا ان مدة علاج جرح الانسداد التاريخي العميق ستطول بعد ان سحقته جراثيم الفكر الاصولي.