الدين والسياسة: صناعة الإعلام لمشروعية الكذب (1)

سامي عبد العال
2016 / 11 / 26

إذا كان ثمة شبح خفي ضمن أحداث الربيع العربي فهو الإعلام. شبح ظهر بعيداً كأنَّه منقطع الصلة بالموضوع بينما تورطه-سلباً وايجاباً- واضح بشكلٍ ما. لقد كان المحللون ومقدمو البرامج نجوماً تتطاير في السماء. وبدت عبارات اللغة كأنَّها مخلوقات خرافية تحط هنا أو هناك كما عبرت قناتا الجزيرة والعربية. حيث الاشتباك بالأيدي(تونس) وبالأجساد(مصر) وبالسلاح(ليبيا) وبالصواريخ والدبابات(سوريا).
ومن حينه انشغلت القناتان السابقتان(الجزيرة – العربية) بتأييد أطراف مناوئة للأنظمة. كلٌّ بحسب أجندته السياسية بصرف النظر عن الشعوب والمبادئ. بل تدخلتا في سير الأحدث بعد أن حولتا الشاشة إلى خطط عسكرية ودينية مقننة. وفي هذا تم استثمار كافة الموارد الدينية من فتاوى ونصوص ورموز ومشايخ وأخيلة, وباتت تلك الأشياء على موعد مع التحريض وإثارة الفتن وتبرير القتل.
وفي الوقت نفسه جرى تدخل الدول الغربية كتدخل آلهة الأساطير القديمة في شؤون البشر. وكانت المنظمات والأحلاف الدولية قوى ميتافيزيقية تحل بخطابات الوعظ والارشاد اللاهوتي. وظهر تقاطع نادر الحدوث بين لاهوتين سياسيين. لا هوت الفضائيات المتواطئ مع الجماعات الارهابية من جهة ولا هو الحرب لدى الدول الغربية من جهة أخرى. وهذا ما جعل ساحات الربيع مراتع لصلوات دموية فوق رؤوس الناس. وكأن الرب يحاول ثانية خلق العالم في سفر جديد اسمه "سفر الكذب".
• ظاهرة تلفزيونية
رأينا كم كان ينتظر الجمهورُ تغطية الاعلام مثلما ينتظر وعداً مع المستقبل. حتى أصبح هذا الربيع ظاهرة "تلفزيونية"(1) تشحن وعي المتلقي. الوعي الذي ترك عليه الحسُ التلفزيوني(2) انطباعاً قوياً بأبعاده الرباعية: المتظاهرون، المجتمع، السلطة، العالم الخارجي.
وبضربات افتراضية طبقاً لذات الحس غدا الواقع يتهاوى. وطفقت الجموع تزحف نحو الميادين. لعلّنا لاحظنا - في حينه- تغيُراً للأوضاع السياسية بمجرد عرض الأخبار ورصد التوقعات. وتلك بدورها لم تسلم من حيل المونتاج الخطابي. فخضعت إلى عملية سردٍ تصويري غير حيادي على أقل تقدير. وبمدار ساعات اليوم تابعنا كيف تُرسم خيوط الحِكاية تبعاً لأهداف الفضائية وتزامناً مع كتل الفاعلين.
في هذا الإطار مثّلَّ توظيفُ المُقدس( أشخاص-آيات- نصوص –مآثر- تأويل) أحد مشاعل الحراك العنيف. كانت رمزيته تطغى على الأحداث، تتداخل معها، تستبقها. لنقُل مكثت بقصدٍ احتواء الحقائق رغم التباسها. الاحتواء بمعنى التغذي عليها وجعلها رصيداً ملموساً للاعتقاد. لأنَّ المقدس بالأساس يتأجج في آفاق معتنقيه. ثم يبدو ظلاً عملياً(باهتاً) بين الأيديولوجيا والفعل المباشر. بهذا الوضع مهدت فضائية الجزيرة-فيما بعد- طريقاً لانقضاض الإسلاميين على مقاليد الحكم في قالب أحزاب دينية. وهي أحزاب تعاملت مع أطياف المجتمع بنفس الأسلوب الارهابي.
إلى درجة أنَّه تم استبدال الواقع السياسي بنشرات وتقارير وأصوات متلفزة ليس إلاَّ. وعلى أغلب الأصعدة اتسعت شاشة العرض بمساحة الحدود المصرية والتونسية والليبية. وهي الدول الرئيسة للمسرح الإعلامي. كانت هناك كواليس وكوابيس، وكانت هناك شخوص وسيناريوهات مرسومة(لنتذكر الحديث الهامس بين المذيع على الظفيري وعزمي بشاره أثناء الفاصل)(3).
أيضاً كانت هناك تأويلات الدين لصالح غنائم الثوار وسبي مرتزقة الأنظمة السابقة. بدءاً من سبي المسؤولين والرؤساء وانتهاءً برجال الأمن والعسكريين مروراً بالمقرات والقصور والمؤسسات الرسمية. ثم عرفنا ما معنى الأذرع السياسية لتنظيمات الإسلام السياسي. كحال حزب الحرية والعدالة لجماعة الإخوان المسلمين بمصر وحركة النهضة بتونس وبعض الكتل الدينية المقاتلة في ليبيا.
إزاء ذلك ربما لم ينتبه أحدٌ لأثر اللغة المتداولة، أثر الرموز الدينية، أثر التعليق الديني في تأجيج الواقع صراعاً وتوافقاً. أمسى منطق الخطاب الديني-هو الآخر- سيناريو حركياً. انتقلت نبرة الخطابة كما هي مشهورة أيام الجُمع والأعياد لتلامس الأفراد والحشود في الشوارع. كأنَّ الكلمات –مع تحريك الريموت- ثعابين تسعى. ثعابين تلقف ما يقابلها حتى استهدفت الدولة ومؤسساتها كل على حدة. بمعنى انتقل الخطاب الديني من مرحلة الدعوة إلى الإعلان عن الأغراض مباشرةً. وبنظرة مقارنةٍ سنعرف أوجه التشابه بين اعلانات التاك أواي( الهامبرجر والهوت دوج وديوك الكنتاكي والبيتزا) وبين العبارات الأيديولوجية للإسلاميين. نفس البهارات اللاذعة التي تجذب الأنوف. نفس الألوان الباهرة لخطف الأنظار، نفس محاولة تسليع العقل والتعامل مع الغرائز السائلة(4).
بدا أنَّ السبب هو النتيجة: مع عدم تطور الفكر السياسي لتلك الحركات الدينية فقد أفرز أفكاراً ورموزاً( شخوصاً) أربكت المشهد العام للأحداث. في مصر أفرخ هذا الفكر أدمغة صماء - أعضاء الإخوان والسلفيين- تكاد تصل إلى درجة التكلُس. توقفت فيزياء الحركة مع حرفية النصوص والبيانات لدى حكومة مرسي وحزبه الخفي. ولأول وهلة ستصبح بلاغة الكذب مادة دسمة في الخطابات السياسية للربيع لعربي. سواء في تطبيق مقولة: جهنم محفوفة بالنوايا الحسنة أو بصدد مبرر: نحن أولى بميراث الدولة السابقة(جحا أولى بلحم ثوره). هاتان المقولتان طُبقتا من قبل الإسلاميين تطبيقاً أميناً.
أسهمت المقولة الأولى بإشعال أتون الصراع بين أطياف المجتمع خلال الحالة المصرية وعدم استقرار المناخ السياسي في التجربة التونسية. وكل ذلك تحت شعارات اصلاح الحال وإنقاذ العباد من سوء المآل. مع أن الفتوى السابقة عدم الخروج على الحاكم المستبد مخافة الفتنة وإراقة الدماء. وذات المقولة كانت وقوداً لبعض الفئات المسلحة في الوضع الليبي للسيطرة على المجال العام. أما المقولة الأخرى، فقد كانت مبرراً لخلع عبارات كاذبة على الوقائع، وإلباسها ثوب التهييج والتأويل المتعسف. وإنزال النصوص الدينية لدي أقدام الثوار على الجبهات. لا يختلف في هذا مشهد مصري عن آخر تونسي وعن غيرهما الليبي وإن تباين الشكل.
والآن سأحاول عرض الفكرة السابقة في إطار اللقطات الأولى للمسألة الليبية بوصفها الأوضح في هذا الشأن. ذلك أنَّ البدايات كانت مؤشراً في جميع تجارب الربيع العربي، شرارة اشعال فتيل النار التي استمرت. بل أبرزت: كيف تعاطت الأطراف الفاعلة مع تحولات الأحداث. وإلى أي مدى اتسقت مع نفسها وكيف فُهم خطابُها على الأرض؟!وبأي صيغة نزل الخطاب كسلاح رمزي بين أيدي الحشود المتظاهرة؟!
• فجر أوديسا
أطلقت أمريكا على مشاركتها العسكرية- آنذاك- بخصوص ليبيا "فجر أوديسا". في إشارة إلى إمكانية خلق جديد لعالم قديم. ولأجل تجديد الملاحم البطولية للأوربي الأبيض. والرجوع إلى الأصول التاريخية لمركزية الغرب، جذور عالم التوراة والإنجيل الغربيين. وهو فجر التاريخ المعبر عن بدء الخلق من قِبّل الرب ذاته. حيث يعطيه الرب الأمريكي الجديد فرصة لمعاودة خلقه.
لكن هذه المرة سيتم الخلق في عالم افتراضي قابل للتكوين(نتذكر أنَّ أول أسفار العهد القديم سِفر التكوين). وبالمناسبة كانت تجربة الأمريكيين مع القارة الجديدة التي استوطنوها هي سفر التكوين الحديث. وتكررت تلك الاستراتيجية اللاهوتية مع هيمنتهم على العولمة وعلى الاقتصاد، وعلى السياسة الدولية. وستظل استراتيجية تهيمن على فكر القادة الأمريكيين. ولن يسمحوا لغيرهم بالتواجد على المسرح العالمي دون التهامه. لن يسمحوا له –كحال صدام حسين- بالتلاعب بمناطق نفوذهم. وليس بوش الأب والابن ببعيدين عن القضية. وهما أبرز كتبة اسفار التكوين في مسلسل الوحي الأمريكي للعالم(5).
لذلك أثارت الأحداث الليبيةُ قضايا معقدةَ الخيوطِ إزاء الحقيقة على المستوى السياسي. فلم يكن هذا المستوى خالصاً كما يبدو ظاهراً، بل تداخلت في عمقه أطراف خارجية وداخلية. على الأقل كان تواجدها توجيهاً للقُوى الثورية وإعادة تشكيل الواقع. و بقى مطروحاً للفحص ما إذا كان الوضع الصراعي على الأرض فعلاً بين طرفين. أحدهما النظام الليبي الذي يمارس القتل المجاني، بينما يقف الطرف الآخر(الشعب برمته)ضحيةً بريئةً تحت الذبح. وبناءً عليه كيف اُرسلت الدعوة تلو الأخرى لاستصدار قرار من مجلس الأمن لحماية المدنيين!!
هذا تقريباً ما قيل في حينه ونقلته معظم الفضائيات. ترتب على ذلك ما إذا كانت الصورُ المتلفزةُ واضحةَ الأبعادِ بنفسها أم أنَّ هناك أيدي خفيةً شاركت في صياغتها. وحرصت كل الحرص على إخراجها بذلك "السيناريو التحريضي". ذلك من جهة التحليل الاستراتيجي والمبررات الدينية والتعليق السياسي معاً. وازدادت هذه القضايا تعقيداً مع وجود الإسلاميين كأداة برجماتية. وبخاصة إذا أخذنا بالاعتبار أن الوضعَ الجيوسياسي ظل- طوال التغطية الإعلامية- منظوراً إليه عبر وسيطٍ خطابي، أدنى وصف له كالتالي: عدم الدقة في عرض الأوجه الغائبة للوقائع التي شكلت متن الأحداث.
وهو أمر يدعُو المُتابِع لأنْ يتساءل حول مصداقية الصياغة الإعلامية. لا ليري الواقعَ عن قربٍ فحسب، بل أيضاً لمعرفة كيف يشكل الوسيطُ الإعلاميُ ما ينقله، وبأي منطق يحشد مصادره المتاحة لتلوين الصور بألوان معينة. إذن المهمة تحتاج ايضاحاً لظروف الموضوع عن طريق قراءة التحولات المتداخلة. نتيجة أنَّ هناك "تواطؤاً" دلالياً لاح في الأفق بين الخطابات الدينية والسياسية والأيديولوجية خلال ذلك الوسيط.
بدليل تكتل الأطراف في لحظاتٍ خاطفةٍ لإنجاز الهدف التحريضي إزاء القوات الليبية بغض النظر عن النظام القائم. ربما أن هناك تاريخاً قريباً لأحداث مماثلة(كالتدخل في العراق وأفغانستان) اثبت تشابك الخيوط وفق مآرب الدول الكبرى. وهذه أدارت المشهدَ في ضوء مصالحها على الأرض، حتى وإن غامت معالمهُ. وكان ذلك مُفسِراً لما سيحدث خلال مناسبات مشابهة.
بالمقابل يجب على القارئ أخذ الحيطة مع تبعات هذا الرأي. فلا يعني أن كافةَ الأطرافِ تقف عن كثب لتطبق نظرية المؤامرة. فتلك النظرية البلهاء قد تحل جميع المشكلات ببساطةٍ مفرطة إنْ آمنا بها دون عناء التحليل. كما ينبغي على ذات القارئ ألا يغفل جرائم النظام الليبي وسياساته القمعية في السابق واللاحق. وهو نظام لم يُدْخِل ليبيا عصر الحرية ولا الحداثة. بدليل ظهور معارضيه بهذا الشكل الدموي.
فأي نظام سياسي تظهر آثار تطوره وتخلفه ليس من جانب ممثليه بل من صورة منافسيه. لأنَّ هؤلاء هم رواسبه وشكله الموازي(المكون للحياة السياسية) لا النقيض. لو كان هناك تطور اجتماعي، ولو كانت هناك مؤسسات، ولو كان هناك تعليم متقدم ما كنا لنرى المناوئين هكذا!!
بالتالي لا يعني الأمر إلقاء اتهامات، لكن الأهم ماذا جرى. فالذاكرة الحية تحاول الفهم لا المحاسبة. وماذا تملك غير المعرفة. أن تعرف يماثل أن تتذكر وفق ابجديات القوى المؤثرة. وفي الحقيقة هي قوى لن تنتظر عيون المتابع كي تتحرك. فهناك خريطة للأحداث جمعت بعض الدول شرقاً وغرباً في سماء ليبيا. واللهجة الدراجة تتعجب إزاء اجتماع أطياف متنافرة كهذه في بعض المواقف: "ما الذي لّم الشامي على المغربي". التفسير البسيط: أنّ وحدة الهدف تلم الأطراف المتصارعة على شيء مشترك. فالطيور والثعالب والذئاب والديدان والحشرات تجتمع على التهام فريسة واحدة. رغم أنَّ منها كائنات زاحفة وأخرى طائرة وغيرها لا تقوى على هذا ولا ذاك.
• تقنيات الكذب
في السياق الليبي ليس المقصودُ بالكذب حالةً لقولٍ يخالف واقعاً فقط. لكن كانت له- ضمن الخطاب الإعلامي، ولا سيما تغطية قناتي الجزيرة والعربية - عدة أنماط تقنية. أقول تقنية لأنَّ هذا الوصف كان القميص الذي ارتداه المعلقون فعلاً. حيث تعززهم صور عالية الإخراج وباهرة الفنيات بالتوازي مع الكلام المطروح. فكان الكلام يُلقى فنياً كأنه يشبه الصورة في دلالتها وايحائها. وتمَّ ذلك لمحاولة التخفيف من شحنة العبارات المثقلة بالانحياز. وبإمكاني الإشارة إلى وجود الأسلوب والمعنى كقضيتين مؤولتين لصالح طرف ما، ألا وهم الثوار بما فيهم الإسلاميون.
1- التزييف، وهو عملية تقديم صورة مغايرة لسير الأمور بخلاف ما تجري عليه وتخليطها بغير الحقيقة. وهو ما يشير إلى افتعال القضايا التي لا مضمون لها سوى الاتساق مع الهدف غير المعلن(اسقاط النظام السياسي وتغليب الاسلام السياسي).
2- التحريف، كنزع الكلمات والعبارات من سياق يعطيها معنى إلى سياق آخر. لكي يغدو لها معنى بديل يدفع بها في اتجاهٍ بعينه.
3- التضخيم، تصوير الأفعال والأحداث في الدرجة الأكبر للأثر الذي تحدثه طلباً لنتائجها. وطبعاً لا يمشي هذا الأثر خالصاً، إنما يتم الحرص على تشكيله، والعمل على تأكيده هنا أو هناك، من خلال تغليف الأحداث بالإثارة والتهييج.
4- التوظيف، تحميل الأمور دلالة حركية في إطار التلقي. إذ يأخذها نحو خدمة أغراض الخطاب الذي يُراد إيصاله.
5- الحشد الدلالي، تكثيف الوقائع والتقارير في اتجاه مقصود خلف غبار الأفعال والمظاهر. لإيهام المتلقي بأن هذه هي الصورة الحقيقية دون سواها. ويحدث الايهام ضمنياً، لا تقول الجزيرة و لا العربية أن الصورة صادقة بل تتركك أنت تقول ذلك. فهي صورة تلاحقك مع المعنى الكامن وراء الألفاظ. وهو معنى من تكرار شحذه يُرشق في وعي المتلقي كحد السكين.
6- المناورة والتمرير، الخاصان بإفهام أطراف معينةٍ أثناء المواقف كيف يتصرفون، وكيف يمارسون استراتيجية بديلةً على حساب الموقف المقابل. وهذا كذب لأنَّه ترجيح لقدرات هذه الأطراف المعنية لسرقة نتائج لا يستحقونها. ولعلَّه نوع من اللعب الخفي بجانب طرف دون غيره.
7- إسقاط الصور، حيث يسقط الإعلام صوراً من حالات مماثلة على حالة أخرى مستهدفة؟ كما تم معالجة الحالة الليبية كأنها هي الحالة المصرية أو الأخرى التونسية. ويؤدي الخلط والتبرير بطريقة المماثلة إلى إيجاد قناعة لدى المشاهد أنها حالات متشابهة. وبالتالي يجب أن تتحقق النتائج التي حصلت في الحالتين الأوليتين داخل الحالة الأخيرة.
8- استباق النتائج، وهو عبارة عن رمي المعنى إلى أبعد نقطة بإمكان الخطاب بلوغها. ذلك كي يتم تحصيل الأغراض الأدنى عملياً، والتي لا يتسنى تحصيلها الآن. ولعله- أي الاستباق- في الإعلام عبارة عن مبارزة الطرف الموجه له الخطاب بما هو مطلوب أن يفعله، ووضعه في زاوية ضيقة. المثال الواضح تلك العبارة المكررة التي جاءت بتصريحات المسؤولين الأجانب(على الرئيس أن يرحل فوراً). حيث تتلقفها الفضائيات لتؤكدها-بمنطق القرار- عبر موادها الإخبارية.
9- التبرير، لعله محاولة لإقرار شيء من باب الدفاع عن شيء آخر. كما فعل الإفتاء الديني بصدد مشروعية الاستعانة بغير المسلمين. فقد أشار يوسف القرضاوي إلى شرعية هذا المطلب، بحجة أننا الذين طلبنا منهم التدخل في شؤوننا. وأن التدخل الأجنبي لم يأت ليعتدي علينا إنما جاء لإنقاذنا من شر مستطير. وكان القصد من وراء ذلك أن الغاية تبرر الوسيلة ولو كانت مخالفة للدين أو القيم.
10- التمويه، عندما يتم الإشارة إلى عمل بأنه حقيقي لأجل التأكيد على أن غيره غير صحيح. مثلما نوهب الجزيرة إلى موقف إسرائيل منها كقناة معادية ابتغاء دفع التهمة القائلة بأن الجزيرة تخدم مصالح صهيونية. وطبعاً ذُكر الخبر وسط أحداث أهم كانت أولى بالتعليق غير أنَّ أهمية الخبر لصاحبه(الجزيرة وقطر) أكبر من المشاهد.
11- إساءة الاستخدام، وهي التحدث بخطابٍ عام له مبرراته وأدواته وبنيته، ثم يتم تطبيقه انتقائياً على حالة جزئية لبلوغ حكم عام. كما جري مع الفتاوى التي تتحدث بأدلة خطابية دينية لاستصدار حكم إزاء موقف أو فعل. وقد لا ينطبق هذا الخطاب على تلك الحالة. بل في الأغلب يحرف حقيقتها، أو يعجل بالحكم عليها ويؤدي إلى نتائج وخيمة.
فضمن المشاهد المبدئية بحسب سير الأمور كان للخطاب الديني حضوره بتأكيد مشروعية الكذب وإهدار الدم وبالأدعية الديجيتال في مواجهة النظام الليبي. وأبعد من هذا، لقد أصبح الكذب حقاً مفعولاً لأية جماعة دينية. المهم أن ترى في مصالحها إمكانية التحقق على خريطة ليبيا. ألم يكن نظام القذافي خارجاً عن الملة السياسية لهذا الخطاب الاعلامي الديني؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-هذا المفهوم(الظاهرة التليفزيونية) مهم لتصوير الأحداث تحت ضغط اللغة المتداولة. فإذا كانت اللغة بالمعنى الخطابي تاريخية كما يقول تودوروف، فقد تجسدت حراكاً عبر الخطاب الافتراضي للإعلام. ولا سيما مع تغطية قناتي الجزيرة والعربية. وهو الأمر الذي مكنهما من انتهاك حدود الحقيقة. وكما سنوضح بالمتن مثلَّ انحيازهما حيلة استراتيجية استغلت الموارد الخطابية (الدينية) في تعميم نمط الحالة الثورية على تجارب مصر وتونس وليبيا. فاللغة كانت تحريضاً للفاعلين في الواقع لا كشفاً له، أي كانت إسهاماً في أنشطته الثورية. إذ جري انتقاء الكلمات المستنفرَّة، وتم استعمال اللغة بالإيحاء النفسي، وتم مواكبة التعبير بالتصوير فكان ثمة إحلال وتبديل بين الكلمة والمشهد. وأصبح هذا المنطق فاعلاً لأنَّ الخطاب الديني مشحون أصلاً بالرصيد التعبوي والخيالي. لهذا امتلأت لغة الأخبار بكل مواصفات الحس والغرائز الأولية في حياة الإنسان. العدوانية والعنف والتدمير داخل حشود متحفزة أو متقاتلة باختلاف الأحداث. إذن الشيء المشترك بين الإعلام و طرح الدين هو لغة الخطاب، فجأة مع تواتر الأخبار تماهى الاثنان وعقدا صلةَ زواج لُغوي على طاولة الهتاف والاشتباك.
2- الحس التلفزيوني هو آثار تتركها مشاهدة الشاشة الفضية على وعي الجمهور وإحساسهم. فقد خضع المتابعون لساعات بث طويلة خلال أحداث الربيع العربي. مما أفقدهم رؤية الواقع حقيقةً، بل أفقدهم تمييزاً بين أمور كثيرة دونما التخلص من الانحيازات الأيديولوجية المبثوثة. وشكل الحس بهذا المعنى حساً بديلاً عن الحقيقة، بل خيالاً بديلاً يختفي أمامه الواقع. لم يكن المتابع ليتسأل ولا لينتقد ولا ليذهب بمنأى عن أسر الصورة المؤدلجة. حتى غدا جزءاً من عتاد الاعلام في التأثير على مجرى الأحداث. هذا الحس أيضاً ترجم اللغة إلى أداء جمعي. امست اللغة فعلاً سابق الإنجاز ومنتهي النفاذ. وهي خطاب يقع تحت معنى القابلية للافتراض. كأنه يؤكد على دلالة الأخذ بالاتجاه المطروح والذي تعبر عنه القناة بأسلوبها المكثف والتلويني.
3-كان كلام الطرفين المشار إليهما هامساً أثناء الفاصل. حيث أوصي الظفيري بشارة بعدم الاقتراب من المملكة الأردنية الهاشمية وتكثيف التعليق على ليبيا ومصر. وعلى الرغم من كونه كلاماً عابراً إلاَّ أنه كشف إلى مدى كانت تغطية قناة الجزيرة للربيع العربي تغطية غير بريئة. على أدنى تقدير أوضح أن التعليقات والأحاديث جرت وفقاً لبرنامج مدروس وتبعاً لخريطة مرسومة كما نوهنا بالمتن. وليس التنويه اعتباطاً إنما أكده همس الظفيري وبشارة مع طريقة الحوار. واللقطة بمجملها كاشفة لأداء العمل الإعلامي في التكثيف والتأثير. وربما المشهد يبرز على الصعيد السياسي كيف يعبد الإعلام طريقاً للخطط والأفكار والبيانات(بيانات وزراء خارجية أمريكا وانجلترا وفرنسا وقطر ).
4- من تلك الزاوية يمكن النظر إلى الإنسان بوصفه حيواناً تلفزيونياً. فلم نر حماراً ولا غزالاً يجلس أمام التليفزيون لساعات طويلة، ولم نر ظرافةً تتلقى صوراً وتقارير بغرائز العدوانية والاستنفار!! فالمتابع العربي لا يشاهد التلفزيون فقط إنما يتبادل الأدوار مع الصور. ففي الصور بخاصيتي" التمثيل والتخييل" يخرج طاقته الداخلية ويدمج رصيده الغريزي عبر تصوراته ورؤيته للعالم والأحداث. حتى أنه يسمح بتشكل تكوينه الذهني مع تحولات غرائزه. الصورة عندئذ هي محل الاندماج اللاواعي بالحالة الافتراضية. حيث تتسرب إلى أعماق تلقيه. فنظراً لكونه- هو الآخر- منحازاً أيديولوجياً(وبخاصة الأيديولوجيين الإسلاميين)، تصبح الصورة و اللغة مثيراً شهوياً. ويتحول الواقع إلى كتلة حسية، كأن الإنسان يستقبل الأشياء والأفكار والأفعال كجزء من أحاسيسه. حتى أننا قد نظن ذوبان الأحداث في شكل أفعال مثيرة كالإثارة الجسدية. لقد حرص هذ الخطاب الاعلامي على طرح التغطية من خلال التمثيل الجسدي، سواء بطرائق الكلام أو بالاشتباك بجميع أصنافه.
5-لاهوت أمريكا السياسي يبدو واضحاً في وقوفها الخفي والسري والمقدس في آن معاً ضمن الأحداث. وهي في غير مناسبة تعلن ربوبيتها لمنظمات دولية تحركها عن بعد وتمارس طقوس السيادة من خلالها. كما لم يعد خافياً هذا الأثر الأمريكي في مناطق التحول والصراع السياسيين على امتداد العالم العربي. وحتى على الرغم من عدم معرفتنا بحجم هذا الوقوف إلا أننا نتوقع أنه سر، وأنَّه فُعلَّ بعيداً عن أعيننا. كما أن لاهوت أمريكا، بمعني المرجعية السياسية الدينية، يتشابك مع لاهوت الربيع العربي. لأن الأول سيوظف الثاني ويعيد إليه وزنه النوعي من أجل الإفادة منه في الواقع. حقاً طُرح سؤال أساسي: هل تؤيد أمريكا جماعات الإسلام السياسي؟ طرح السؤال نظراً لوقوفها بأساليب مختلفة بجوار الإسلاميين وإن كان الادعاء العام أنها تناصر الشعوب الحرة من أجل الحصول على الحرية. هكذا مثل لاهوت أمريكا جغرافيا الثقافة والأرض. وقد نرى مصطلح "فجر أوديسا" في هذا المناخ البرجماتي. فلا مانع من استعمال كلمات تطرق الذهن بجذورها الممتدة مع التاريخ، وتبدو في نفس الوقت لامعة. وفوق ذلك تحمل معاني إنسانية تجاه تشكيل صورة العالم الجديد. وقد حرصت على استعمال" لاهوت" ، لأنه لا يفهم كيفية توظيف جماعات ذات خلفية دينية إلا رجال دين لكنهم يمثلون أباطرة السياسة ويخفون خناجرهم تحت جلباب الحرية والربيع القادم.