انحسار الوطنية وبروز المذهبية والقومية-

فلورنس غزلان
2016 / 11 / 26



هذا الوهن الظاهر للعيان في رابطتنا الوطنية، يشكل اليوم ظاهرة خطرة، تشير إلى انحدار في القيم والأخلاق كما في العلاقات الاجتماعية ، ويؤشر إلى ضعف لُحمتها ويؤدي إلى بروز ظواهر أدنى حلت محل هذا الرابط الوطني وغدت هوية يُعَّرف بها المواطن...أو يُعَرِف عن نفسه بها، مما يوسع الهوة ويبني الجدران بين المواطن وأخيه المختلف في مذهبه أو إثنيته...التي طفت على السطح ، خاصة بعد خفوت نجم الثورة ...وتسلق الحركات السلفية الإسلاموية أغصان شجرتها ...بعد أن قوض النظام بعنفه ووحشيته آمال وأحلام السوريين الذين حملوا السعفة الأولى مطالبين بالحرية والديموقراطية لوطن استبيح من سلطانية أسدية تسلطت على رقاب الشعب بالقوة العسكرية والأمنية...معتمدة سياسة التطييف وإضعاف الشعور الوطني من خلال ايقاظ النعرات المذهبية والإثنية ...مع ستار قومجي عربي يخفي خلفه أطماع آل الأسد في تكريس سلطانهم وربط الخيوط الأهم بيد " القائد وحاشيته " الموثوق بها وبولائها من خلال الإفساد والفساد والنهب للثروة الوطنية.
عمل الأسد الأب طويلاً منذ تسلمه السلطة بقوة العسكر والأمن على ربط الثروة الوطنية والقوى الفاعلة في الدولة بشخصه، كما جعل الانتماء الوطني يغدو متماهياً مع الولاء للقائد...وحوَّل سوريا إلى "سوريا الأسد" ...فلا غبار إذن على شعار الوريث وأعوانه ...وعلى اعتبار سوريا ملكاً حصريا ..يمكنه إفناء كل معارض ...فصار " الأسد أو نحرق البلد "....و" الله ، بشار، وبس"، كما لعب بالقضية الكردية وزعمائها ..بشكل يضمن له الولاء والنفوذ والعلاقة الطيبة مع تركيا وإيران ــ حسب مسير الريح السياسية التي تخدم بقاءه ــ...ومازال يوظفها في صالح مكاسبه .
لم تكن لتحيا وتعيش هذه الظاهرة لو لم تتواجد في منطقة مؤهلة في تربتها وقابلة للعيش، فالدول العربية الأخرى المحيطة بسورية شجعت وتشجع على بروز الروابط الأدنى من الوطنية، لأن هذا يقوي من سلطانها، ويدعم وجودها القائم أساساً على حملها درع الإسلام ورايته ، وحارسة أمنه وسلامته وانتشاره، فالسعودية حامية " الإسلام السني "، وايران حامية "الإسلام الشيعي "، لكن صراع النفوذ لدى هاتين الدولتين ...جعل هذه الظاهرة تُعَمم وتصب النار في هشيم وعي ضعيف اشتغل عليه النظام الأسدي نصف قرن من الزمان ..وأدخله في عقول وبيوت معظم أبناء الوطن ...مما جعل من الثورة اليوم " ثورة سنة ضد شيعة"! بدلا من ثورة حرية ضد استبداد ...
وحال العراق منذ الاجتياح الأمريكي ليست افضل من حالنا بل أسوأ مع انعكاس الصورة المذهبية ، بعد تسلم المالكي السلطة وارتهانها لإيران...فلا ايران مهتمة بحرية العراق ولا السعودية مهتمة بحرية سورية...وكلاهما ضد الديمقراطية والمساواة بين أبناء الشعب الواحد متعدد الانتماءات المذهبية والإثنية ، وما التحالفات القائمة اليوم بين حزب الله والأسد والنجباء ...وإن بدت ظاهرياً لمقاومة داعش أو النصرة وغيرها ، فداعش السنية ...لاتختلف عن داعش الشيعية ...وكلاهما تعمل لصالح أجندة ونفوذ لاناقة لحرية الشعوب ولا جمل فيها، ولا حتى لتكريس مذهب ما على حساب آخر...بل لتكريس سلطة فارسية، أو روسية...أو سعودية ــ تركية في المنطقة.
ونحن نغرق أكثر وأكثر في وحل مسلسل موتنا لصالح غيرنا...ولا نملك إلا كيل التهم لهذا وذاك...ولهذه الطائفة وتلك...فنقع في شباك المصيدة الطائفية والقومجية...التي تمنح الأسد " كارت بلانش " في حربه على " الإرهاب "!!!، فنخسر محبتنا وعلاقاتنا الوطنية السليمة ...التي عاش وتعايش عليها آباؤنا واجدادنا طويلا ...ونترك الأسد وأعوانه ...وكل قوى النفوذ الخارجية تصطاد في مياهنا العكرة.
فلورنس غزلان ــ باريس 26/11/