4 الإيمان بالدين ليس من لوازم الإيمان بالله

ضياء الشكرجي
2016 / 11 / 25

4
هذه هي الحلقة الرابعة من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن ما زلنا مع مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، وما زلنا لما ندخل في صلب نقد الدين ونفي إلهيته.

كنت قد طرحت في كتابي سبع أسئلة وناقشتها، وهي:
1. هل نحن واقعيون أم مثاليون؟ [المقصود بالواقعية والمثالية الفلسفيتان لا الأخلاقيتان.]
2. هل نحن - كواقعيين - عقليون أم تجريبيون؟ [العقليون يؤمنون بالتجربة إلى جانب العقل كمصدرين للمعرفة، والتجريبيون يقتصرون على التجربة كمصدر وحيد للمعرفة.]
3. هل نحن - كعقليين - إلهيون أم ماديون؟
4. هل نحن - إذا قررنا أن نكون تجريبيين - إلهيون أم ماديون؟
5. هل نحن - كإلهيين - عقليون أم نقليون أي وحيويون؟
6. هل نحن - كإلهيين عقليين - دينيون أم غير دينيين؟
7. أين نحن من الدين والإلحاد والإيمان اللاديني في ضوء مصادر المعرفة؟
8. هل كل الماديين دارونيون، وكل الدارونيين ملحدون بالضرورة؟

سأقتصر على تناول ثلاثة منها هنا، ولكن باختصار، أمر على الأسئلة التي رأيت أن أتجاوزها، أذكر مجددا بالنسبة لي أتبنى الواقعية، والعقلية، والنسبية، والإلهية العقلية، واللادينية، وادناه مع النقاط الثلاث الأخيرة.
1. هل نحن - كإلهيين عقليين - دينيون أم غير دينيين؟
الإلهيون العقليون الدينيون يؤمنون بمصدرين للمعرفة الدينية، العقل والوحي، بينما الإلهيون العقليون غير الدينيين [أو بتعبير أدق اللادينيون] لا يُعوِّلون على النص الديني، بل [حصرا] على العقل الفلسفي الموصل إلى الإيمان بالله، [على الأقل بالنسبة لهم، بما قدروه دليلا كافيا على هذا الإيمان، وكذلك الإيمان بـ]ـحياة ما بعد هذه الحياة، وعلى العقل الأخلاقي الموصل إلى السلوك الإنساني الحسن، فهم يؤمنون بالعقل كمصدر للمعرفة الإيمانية، ولا يُقرّون بالوحي، إلا إذا ثبت لهم صدق الوحي باليقين القاطع، أو الظن المجاور لليقين [من قبيل إن فرض المحال ليس بمحال]. ولكن هناك فريق ثالث من العقليين الإلهيين، هم الدينيون الظنيون [ما كنت عليه عام 2007 لبضعة أشهر]، الذين يحصرون يقينهم بالواجبات العقلية من مقولات أي دين، وقد يؤمنون من المقولات الدينية بالممكنات العقلية على نحو الظن، لا اليقين، وقد يرتبون الأثر على الإيمان الظني، أو يسلكون طريق الاحتياط، بحيث تكون أعمالهم صحيحة مع احتمال صدق الدين، ومع احتمال عدم صدقه، أي يتعبدون على المذهب الظني، الذي سيوضح هذا الكتاب في أحد فصوله أسسه ومعالمه، ليبقي الباب مفتوحا أمام الظنيين، كي لا يُحرَموا من التدين بما هو نافع من الدين [مع إن النافع لا يحتاج إلى دين، لكونه من ضرورات المنظومة الأخلاقية]، ومن أجل ألا يؤدي عدم حسمهم بالضرورة إما إلى الالتزام الممزوج بالشك، ولعله الموحي لهم بالوقوع في مطب النفاق، مما يسبب لهم شعورا من عدم الارتياح، والذي بدوره يُفرغ عبادتهم من روحانيتها، وإما إلى عدم الالتزام، الذي قد يجعلهم في حالة من تأنيب الضمير، من خلال التخلي عما يحتملون وجوب الالتزام به. فهم باختصار أولئك الموقنون بالله الذين لا يملكون دليلا على صدق الدين من جهة، لكن دون دعوى امتلاك الدليل على عدم صدقه من جهة أخرى. [وهذا ما كنت عليه لبضعة أشهر، تتراوح بين الثلاثة والتسعة عام 2007، عندما انتقلت من مرحلة «تأصيل مرجعية العقل»، ذلك المنهج الذي اعتمدته أو تكاملت ملامحه عندي منذ 1997 لعقد كامل أو أكثر، إلى مرحلة «المذهب الظني» كما وضحت بعض ملامحه آنفا، وقبل حسم الانتقال إلى «لاهوت التنزيه»، وهو الإيمان العقلي اللاديني منذ نهاية 2007.]
2. أين نحن من الدين والإلحاد والإيمان اللاديني في ضوء مصادر المعرفة؟
إذا واجهنا الخيارات الثلاثة؛ الدينية (الدين)، واللادينية الملحدة (الإلحاد) أو (اللاإيمان)، واللادينية المؤمنة (الإيمان)، وطرحناها على مصادر المعرفة الثلاثة؛ الوحي، التجربة، العقل، لا بد أن ننتهي إلى نتائج ما.
الدعوة إلى الإيمان بالله [والأصح اعتماد الإيمان بالله لأن الإلهية اللادينية ليست تبشيرية كالأديان ولا تدعو بل تعرض أفكارها وتعرف بها]، و[اعتماد] كل ما يرتبط بهذا الإيمان، من الثقة به سبحانه، والرضا برضاه، والتوكل عليه غير اللاغي لإرادة الإنسان، والحب له [بدلا من علاقة الخوف]، واستشعار المسؤولية بين يديه، وإظهار الندم له عند الخطأ تجاه الناس، والتوبة إليه، واستغفاره، وشكره على نعمه، وتسخيرها لخير النفس وخير الآخرين، والتخلق بالخلق الإنسانية، من الصدق، وحفظ الأمانة، وحب الخير للناس، والوفاء بالعهد، ومعاملة الآخرين بما يحب المرء أن يعامَل به، والعدل، والرحمة، والعطاء، ومد يد العون لمن يحتاجه مع القدرة، والعفو والتسامح، والإصلاح بين الناس، ونشر السلام، وإلى غير ذلك، مرتبطا بالإيمان بالله سبحانه، هذه الدعوة [والأصح هذا المنهج] مع التطبيق لمفرداتها ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلا، أمر مهم لخير المجتمع الإنساني، وفيه رضا لله سبحانه وتعالى، ولذا إذا تحقق كل ذلك حتى عند من لم يقتنع بأي من الأديان، ربما يكون في كثير من الأحيان، وليس في كلها، أفضل من الانفصال عن الله بسبب الانفصال عن الدين، أي دين كان، إما بسبب عيب في ذلك الدين، مما يكون سببا للإيمان بأنه ليس دين الله، أو بسبب فهم خاطئ وتطبيق سيئ له، ومن هنا يؤسس هذا المذهب للطريق الرابع، لمن يريد أن يرتبط بالله دون الارتباط بدين من الأديان، ولا حتى على مستوى أطروحة المذهب الظني، وفي نفس الوقت لا يريد الابتعاد عن الله بسبب الابتعاد عن الدين، وهذا تطبيق لمقولات ثابتة عن نبي الإسلام وأئمة الشيعة، وعن أنبياء ورسل آخرين، كـ «لا تنظرو إلى صلاتهم وصيامهم، بل اختبروهم في صدق الحديث وأداء الأمانة» (جعفر الصادق)، و«أقربكم إليَّ يوم القيامة أصدقكم حديثا وآداكم للأمانة وأحسنكم خلقا» (محمد)، و«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (محمد)، و«الصدق رأس الدين» (علي)، و«ينادي منادٍ يوم القيامة: من له حق على الله فليقُم، فيقوم العافون عن الناس، فيُقال لهم ادخلو الجنة بغير حساب» (محمد)، و«عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة، قيام ليلها وصيام نهارها، وجور ساعة شر من معاصي ستين سنة» (محمد)، و«إنما الدين المعاملة» (علي أو الصادق). إذن الإيمان ببعده الروحي أو العرفاني كعلاقة بالله، وبعده الأخلاقي الإنساني كعلاقة بالإنسان، نافع دنيويا وأخرويا في كل الأحوال، ولذا نجد أن المؤمن بدين ما أو بمذهب ما يُحترم إيمانه، ولكن لا ينبغي أن يكون أنانيا، عندما تتحول هويته الدينية إلى جزء من ذاته، فلا يحب للناس أن يكونوا إلا مؤمنين وفق عقيدته الدينية، ومن لا يكون كذلك فهو غير مؤمن، أي من ينعته بالكافر، بكل ما تختزن الكلمة من انفصال نفسي وفكري لا يخدم البشرية، ولا يخدم فكرة الإيمان بمعناها الواسع وأفقها الرحب. ومن هنا نقول إن الخيارات للإنسان في علاقته بالدين ليست محصورة بخيار واحد، هو الإيمان والالتزام بدين من الأديان السائدة، أو الكفر بالدين وبالله، أو الانتساب إلى دين موروث دون ترتيب أثر من التزام، أو حتى الإيمان والالتزام على ضوء ما تطرحه نظرية المذهب الظني أو العقلي-التأويلي، فيمكن أن يكون الخيار الرابع هو خيار التفكيك بين الإيمان والدين، والأخذ بلوازم الإيمان دون لوازم الدين، وهذا ربما لا يكون من قبيل ما ذكر في القرآن: «أفتؤمِنونَ بِبَعض الكِتابِ وَتكفرونَ ببَعض»، لأن هذه الازدواجية التي يرفضها مؤلف القرآن ويدينها ويتوعد أصحابها بقول «فما جَزاءُ مَن يَّفعَلُ ذلك مِنكم إلا خِزيٌ فِي الحياةِ الدُّنيا وَيَومَ القِيامَةِ، يُرَدّون إلى أشَدِّ العَذابِ، وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعمَلونَ»، فهذا وفي ضوء الضرورة العقلية للعدل الإلهي لا يمكن أن يكون صحيحا، إلا بالنسبة لمن يُجزّئ الإيمان والالتزام عارفا بذلك، من أجل تحقيق مصالح أنانية، تؤدي إلى التجاوز على حقوق الناس وكرامتهم وحريتهم وسلامهم وأمنهم، بالدرجة التي تجعله مستحقا لكل [أو بعض] ذلك الوعيد. وبالتقسيم أعلاه لا ننفي، بل نؤكد موقنين، قرب نوع من الملحدين من الله سبحانه، وذلك بمقدار ما تحلَّو به من بُعد إنساني في شخصياتهم وسلوكهم وتعاملهم مع الناس، لاسيما إذا كان إلحادهم قد حصل قصورا، بسبب شبهة [أو ربما لأدلة بالنسبة لهم متينة ومقنعة عندهم]، وليس معاندة ومكاندة لله عن علم وقصد، ومكابرة من أنفسهم. [أو إنهم لم يكفروا في حقيقة الأمر بالله، بل كفروا بالله الذي صورته الأديان، ولم يعرض عليهم إله آخر كي يقبلوا به، فكان كفرهم أقرب إلى الإيمان بالله من الإيمان الديني به على وفق كل أو جُلّ ما صورته الأديان.]
3. هل كل الماديين دارونيون، وكل الدارونيين ملحدون بالضرورة؟
بعض المعتقدين بعدم وجود الله يستندون في أدلتهم إلى أن علماء الطبيعة أثبتوا صحة نظرية دارون في التطور، إضافة إلى نظرية الانفجار الأول التي تكاد تكون [بل أصبحت] هي الأخرى من المسلَّمات العلمية، مما ينفي بحسب اعتقادهم نظريات الخلق التي تطرحها الأديان. وواضح الخلل في هذا الاستدلال، وذلك لعدة اعتبارات؛ أولا إنهم استندوا إلى ما تعرضه الأديان من قصة الخلق عموما، وخلق الإنسان خصوصا، مما أصبح يتعارض بالضرورة مع الحقائق التي توصل إليها العلم، وثانيا ثبوت عدم صدق العرض الديني لقصة الوجود، فهذا يثبت في أقصى الحالات عدم إلهية مصدر تلك الأديان، وعدم صدق دين ما، أو حتى مع ثبوت عدم صدق كل الأديان بلا استثناء [كما هو ثابت عندي]، لا يصح دليلا على عدم وجود الله، ورابعا ليس هناك من تلازم بين صدق نظرية التطور الدارونية (Darwinism) أو (Evolution)، وصدق نظرية نفي وجود الله، أو ما يسمى بالإلحاد أو اللاإلهية (Atheism)، فليس كل داروني ملحدا، ولا كل ملحد دارونيا. كما إن ليس كل إلهي دينيا، وإن كان كل ديني إلهيا [أعني بالتعميم الأديان التوحيدية]. هنا نكتفي بنفي التلازم، وللبحث تفصيل في موقع آخر.

الدارونية ووجود الله وقصة الخلق
أصبح اليوم العديد من علماء الطبيعة يوردون الأدلة على صحة نظرية التطور (Evolution) لدارون (Darwin)، مما جعل بعضهم يتخذون ما يذهبون إليه من صحة النظرية دليلا على نفي وجود الله (Atheism)، ويبدو إن الخطأ الذي وقعوا فيه، هو إنهم اعتبروا الإلهية (Theism) مرتبطة بالصورة التي تعرضها الأديان، بحيث يستدلون بمعارضة قصة الخليقة، أي خلق الكون عموما، وقصة خلق الحياة بشكل خاص، وخلق الإنسان بما هو أخص، التي تطرحها الكتب (المقدسة)، دليلا على خطأ النظرية الإلهية برمتها. فبدلا من أن يُخطّئوا الأديان (كلها أو بعضها)، بسبب عرضها المتناقض مع الحقائق العلمية الثابتة، في حال ثبت أن هذه الحقائق ثابتة ونهائية، وثبت أن العرض في الكتب المقدسة يتقاطع معها، على نحو وجوب الحكم على عدم صدق تلك الكتب، ثم وقعوا في خطأ تعميم ما يقدمه العهد القديم والعهد الجديد على سائر الأديان، ولو إن التعميم أقرب إلى الواقع، لكنه مناف للعقلانية من حيث المبدأ، وعلى مستوى الفرض النظري. فالدارونية، حتى لو صدقت يقينا، لا تدل على اللاإلهية (Atheism)، إنما يمكن أن تدل على اللادينية (Areligionism) [كما أتبناه]، أي خطأ كل الأديان أو بعضها. ومن الناحية العقلية المجردة، بعيدا عن مقولات الدينِ/دينٍ-ما/الأديانِ/أديانٍ-ما، لا تلازم بين الدارونية واللاإلهية. لأن الدارونية لا تجيب على كل الأسئلة، بل هناك إجابات قدمتها نظرية الانفجار الأول، أو قل حقيقة بداية وجود الكون عبر الانفجار الأول، وأصالة المادة أصالة نسبية، أو أصالة الطاقة. وحتى الانفجار الأول لا يصلح دليلا على نفي وجود الله سبحانه؛ هذا الانفجار الذي يذهب الكثير من المسلمين إلى وجود إشارة له في القرآن بعبارة «أَوَلَم يَرَ الَّذينَ كَفَروا أَنَّ السَّماواتِ وَالأَرضَ كانَتا رَتقًا فَفَتَقناهُما، وَجَعَلنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ، أَفَلا يُؤمِنونَ»، أقول هذا رغم عدم قناعتي بما يتكلفه البعض مما يسمونه بالإعجاز العلمي للقرآن. ولسنا هنا بصدد إثبات أو نفي إلهية القرآن [بل سيأتي بحث ذلك لاحقا]، بقدر ما نريد القول بأن لا الدارونية، ولا أصالة المادة، ولا الانفجار الأول، تقوى على أن تكون أدلة على نفي الخالق، بل [ربما] هي بالعكس [تصلح كـ] أدلة على استحالة الصدفة في كل ذلك، لأن السؤال عن موجد هذه الكتلة المادية والمودع فيها قابلية الانفجار، المؤدي إلى تكوّن كل هذا الكون بكل نظامه الدقيق، وبتكوّن كوكب ضمن المنظومة الشمسية، فيه كل شيء موزون بمعيار دقيق، ومَقيس بقياس غاية في الدقة، لو كان فيها تفاوت ضئيل لما توفرت شروط الحياة عليه، ثم أن ينتج عن هذه الحياة المتنوعة والمتفاوتة في إدراكاتها، الكائن الإنساني ليتربع في القمة من كل ذلك؛ كل هذا لا يمكن أن يكون قد حدث عن طريق الصدفة التي يرفضها حساب الاحتمالات بشكل قاطع، ومن ثم يحتاج كل ذلك إلى علة أولى. [أما إذا توصل الإنسان عن طريق آخر، وليس استنادا إلى الدارونية، أو بسبب تعارض مقولات الأديان مع الحقائق العلمية، إلى القناعة بعدم وجود الخالق، فقناعته محترمة.]

كتبت عام 2007 | روجعت في 29/10/2009
22/11/2016