الغربة والوطن في قصيدة -أبحث عن وطني في وطني- نزيه حسون

رائد الحواري
2016 / 11 / 25

الغربة والوطن
في قصيدة
"أبحث عن وطني في وطني"
نزيه حسون
الشعراء في فلسطين المحتلة يكتبون بحرقة من نوع خاص، فهم يعيشون في الوطن، لكن من يحكمه، ومن يهمن عليه يجعله غريبا، المحتل يغرب الأسماء، والجغرافيا، والإنسان، فالوطن يتغرب أمام ناظريهم، ومع هذا يبقى في داخلهم ذاك الطفل الذي ينتظرواه لكي يكبر ويشب، فهم مسكونين بالوطن، وهو مسكونا فيهم.
يقدم لنا الراوي في هذه القصيدة مشاعره اتجاه الوطن، يحدثنا عن ذاته كشاعر، وكإنسان يقع تحت الاحتلال، ويحدثنا عن رؤيته للواقع العربي، وكيف ينظر لمن يهيمن على خيرات الأمة، فالنص الشعري مترع بالإثارة والصراع والغضب من جهة، والحب والحياة والأمل من جهة أخرى، وهنا تكمن أهمية القصيدة، نجدها تحمل مشاعر الإنسان الغاضب والمتألم، ومشاعر الإنسان المؤمن والصابر، هي قصيدة التناقضات/الصراعات الداخلية، فالراوي قبل كل شيء هو إنسان، وليس جماد، من هنا يحدثنا عما في نفسه بكل صراحة ووضوح، مستخدما لغة شعرية خاصة، تستطيع أن تحمل هذه المشاعر وتقدمها للمتلقي بشكل أدبي وليس بشكل خطاب سياسي.
"الغربة تنهش جمجمتي
تتسرب حتى الشريان
لا زهرة اللوز تنعشني
لا كأس نبيذ يسعفني
لا وجه امرأة .. تحمل عينها
أحلام الشطآن" ص341، كافة العناصر المسكنة/المهدئة/المفرحة، فقدت بريقها أمام واقع الاحتلال، فكلنا يعلم بأن الطبيعة والمرأة والخمرة التي تمنح النشوة والكتابة كلها عناصر تخفف من حالة الضغط والشدة، وتمنح الإنسان شيء من الراحة والسكينة، لكن واقع الاحتلال أفقد كل هذه العناصر مفعولها، فهو أقوى منها، وأثره السلبي على الراوي أكبر من أن يزال بهذه العناصر.
فماذا يفعل الراوي ليخلص ذاته مما علق بها من كآبة ويأس وقهر؟
بالتأكيد سيحاول مرة أخرى التقدم من هذه العناصر، فلا مفر أمامه إلا أن يلجأ لم يحميه/يخلصه مما حل به وعليه، من هنا يبدأ مخاطبة الكائن الأقرب عليه، المرأة، فهي من يمتلك أدوات خاصة لراحة الرجال، وإخراجهم من حالتهم السلبية إلى أخرى ايجابية:
" عذرا عذرا سيدتي
تقتضي الحكمة في حضرة حسنك
أن انتفض حبورا
أرقص نشوان
سيدة القلب أغيثيني
عذرا للقهر يترجمني
فأنا إنسان مقموع مذ
طعنوا في قلبي الإنسان" إذن وجود من يمكن أن نفرغ ما في صدورنا أمامه/له يمثل حالة ايجابية، فالحديث بما يثقل الصدر يريح المتحدث، والروي وجد في المرأة من يمكن أن يفهمه ويستوعب حالة القهر التي يمر بها، من هنا وجدناه يلجأ إليها من جديد رغم ما قاله عنها.
وهنا يبدأ الراوي في إخراج ما فيه من هموم وألم وغضب، فقد وجد المفرغة التي تستوعب وتتحمل وتفهم كل كلمة تخرج من فمه.
"فالغربة تعصرني عصرا
في أعمق أعماق الأوطان!!!
ينتحب الشعر على شفتي
تنزف قافيتي جمرا
تتمزق تهترئ
الأوزان" ص342، تحميل العنصر المهدئ ـ المرأة ـ، هموم عنصر مهدئ آخر ـ الكتابة الشعرية ـ، لم يحصل إلا نادرا، فعادة ما يستخدم الراوي احدى أو جميع، أو بعض العناصر المهدئة، المرأة، الطبيعة، الكتابة/القراءة/، ونادرا ما تكون الخمرة حاضرة، لكن عندما فقدت كل العناصر الطبيعية بريقها، وفقد الفعل الإنساني دوره الفاعل في تخفيف حالة التوتر عند الراوي، مال بكليته إلى المرأة التي وجد فيها المنقذ الوحيد له، فأخذ يحدثها بما فيه من غضب، "الغربة تعصرني عصرا"، ثم يتبعها بالشكوى لعدم فاعلية الكتابة، احدى عناصر التي تمنح الراحة والسكينة، وكأنه بهذا الحديث عن عدم فاعلية الكتابة الايجابية عليه، يعطي المرأة الدور خاص واستثنائي، لا يمكن لأحد/لعنصر/لشيء آخر أن يكون بديلا عنها.
ثم يحدثها عن واقع الفلسطيني في ظل الاحتلال:
"عفوك عفوك عاشقتي
فالدمعة تتفجر قسرا
حين يعامل طفل
في وطني كالحيوان
والدمعة تتساقط لهبا
حين تداس كرامة شيخ
صاح بصرخة حق في وجه السلطان" ص342، جميل أن نجد من يستمع لهمنا، لما يثقل كاهلنا، فالمحتل هو اساس البلاء للراوي، وسبب المصائب التي تحل عليه، فهو كإنسان لا يقبل أن يهان طفل أو شيخ أو امرأة أو أي إنسان، فهو يمتلك مشاعر جياشة تجعل يتألم لألم أي إنسان، وهذه المشاعر هي التي تميز الراوي صاحب المشاعر الإنسانية النبيلة.
بعد الحديث عن المحتل وما يقوم به من بطش بحق الفلسطيني، ينتقل الراوي ليصب لجام غضبه على الحاكم العربي، الذي بطريقة أو بأخرى يدعم هذا المحتل، حتى بحياديته هو يدعم الجهة الأقوى ـ المحتل ـ :
"....أقطيع نحن أيا وطني
وخصايا العصر هم الرعيان
سيدتي
كيف يعيش الإنسان الصادق
في عصر يبطش فيه الخصيان؟؟
ماذا يعني أن يحكم فينا
هذا اللابس من عار النفط عباءة ذل
يعرف حرق الدولارات
على افخاذ النسوة
لكنه لا يعرف أين الأقصى
أين القدس وأين الجولان
لا يعرف أبدا لا يعرف عن طفل يحرق يقتل
يولد في غزة جوعان
يا هذا الممعن في القبح الأرعن
هل تعرف أينها بيسان؟؟
" ص343 و344، الطرح متقدم يوضح ما يقوم به الحاكم، أي حاكم، إن كان محتلا أم موظفا عن الآخر، فالمسؤول يقوم/يحمل صفة سلبية، من هنا وجدنا الراوي يعريه، المسؤول العربي يسهم فيما يقل للمواطن العربي، فقد توجه نحو الملذات متجاهلا حال الوطن والمواطن.
ينقلنا الراوي إلى الجغرافيا الفلسطينية، وكأنه بهذا التذكير يواسي نفسه لكي يستمر فيما هو فيه من غضب وحنق على واقع الاحتلال والواقع العربي، فها هو يعود إلى الطبيعة لكي يخفف/ يتخلص مما يمر به من غضب وألم:
"أتوسد خاصرة الكرمل
كغريب أصرخ
يا جبل الكرمل أنقذني
فالغربة تلفح روحي
والغربة تكتسح الشريان
حيفا ترجمها الأغراب
وقد كان يرتل
فوق مآذنها القرآن
غفرانك حيفا
أينك حيفا؟؟" ص344، الراوي هنا يتراجع عما بدأ به حديثه، فنجده يميل للمرأة أولا، وها هو يميل للطبيعة، فيجد فيها مبتغاه، فبعد أن أزالت المرأة شيئا مما علق فيه من كآبة، يتجه نحو الطبيعة لتزيل عنه ومنه أيضا المزيد.
بعد هذا التفريغ يتجه الراوي إلى العنصر الثالث، الفعل الإنساني الخالص الكتابة/الغناء، فيستخدمه بصفتين، صفته الضحية، إن الألم وصفة المخلص/المسكن:
"هل من بشر في الدنيا
تخنق فيروز
وتشنق جبران!!
سأطل احبك يا وطني
وأظل عناقا روحيا
مع أوسخ بقعة وحل في وطني
مع ورد اللوز
وأزهار الرمان
سيدتي
لا بد لهذي الأمة من طوفان
كي تسق كل الأصنام
الحاكمة
بنار العنف
كي ببزغ نور الحرية
تشرق شمس الإنسان" ص345، إذن العناصر الثالثة تم استخدامها من الراوي ليريح نفسه مما فيها، وفعلا نحج في ذلك، من هنا وجدنا نهاية القصيدة تحمل الأمل وتحث على الفعل الايجابي ، على النقيض من بدايتها التي كانت سوداء قاتمة تماما، وهذا الأمر يمثل دعوة من الراوي للمتلقي لكي يتجه نحو الطبيعة والمرأة والفعل الإنساني الخلاق، الكتابة والقراءة والغناء.
مختارات من شعر المقاومة الفلسطينية في الداخل 48، إعداد وتقديم سامي مهنا، صادر عن الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين 48، بدون سنة طباعة