فلسطنة السوريين وتحولات موقع القضية الفلسطينية في الوعي السوري العام

ياسين الحاج صالح
2016 / 11 / 25

يبدو من الهرطقة القول إن مصير السوريين يفوق مصير الفلسطينيين بؤساً، وأن قيام الدولة الأسدية يصمد للمقارنة مع قيام إسرائيل، وربما يكون أسوأ. لا تقبل العقيدة القومية العربية القويمة هذه المقارنة، بل هي تعتبرها تجديفاً وكفراً. فالعلاقة مع إسرائيل علاقة صراع ماهوي ووجودي، بينما العلاقة مع الدولة الأسدية هي علاقة صراع سياسي عارض في أسوأ أحوالها، هذا إن لم تكن هذه الدولة التجسيد الأمين لمبادئ القومية العربية، ويكون الاعتراض عليها خيانة للقضية وعمالة للعدو.
والحال أن الفكر القومي العربي لم يعد، ولعله لم يكن يوماً، شاهد عدل على أحوال العرب المعاصرين، السوريين منهم والفلسطينيين والعراقيين وغيرهم. وتعاليه على حياة الناس وموتهم، وعجزه التكويني المطبق عن النظر إلى الأفراد والجماعات وحقوقهم وحرياتهم وشروط معيشتهم في أي من "أقطار الوطن العربي الكبير"، وتمركزه المفرط حول السياسة العليا (هاي بوليتكس)، أو السياسة من فوق، واللاعبين الكبار، وعماه التام عن السياسة من تحت وعموم الناس (غراس روتس بوليتكس)، هذا كله جعله يولي أهمية كبيرة لحياة طاغية مثل صدام حسين لا لحياة مئات ألوف العراقيين، لحياة مجرم عام مثل بشار الأسد، وقبله أبيه، لا لحياة ملايين السوريين. وهو إذ يرى الصراعات الاجتماعية والسياسية والفكرية ضمن أي من البلدان العربية شيئا ثانوياً جداً، ولو تمخض عن قتل مئات ألوف المواطنين على يد حكامهم، يجعل من الصراعات مع قوى "خارجية" صراعات مطلقة، بصرف النظر عن الأوضاع الواقعية والقدرة على التأثير فيها لمصلحة العرب النثريين وعموم سكان بلداننا.
لا تستطيع الدوغما القومية العربية أن تقف في وجه العنصرية المعادية للعرب لأنها هي ذاتها لا تبالي بحياة وكرامة العرب الملموسين، ولأنها لا إنسانية جوهرياً. الإنسان، حياته وتطلعاته وأشواقه وإحباطاته وألمه وغضبه وأمله ويأسه وجوعه ومرضه وعذابه وموته، لا شأن لها عند القوميين المنشغلين، بالأحرى، بالأرض وبالدول، بالجيوسياسة والقضايا الاستراتيجية. إنها تفكير ونزوع امبراطوريين بدون امبراطورية. هذا فوق كونها، الدوغما القومية، تحتقر نظراء العرب الضعفاء من غير العرب (الكرد والأمازيغ والسود غير العرب في السودان...)، وتتعالى عليهم في كل تطبيقاتها الواقعية المعروفة. لذلك فإن كرامة العرب لا تمر عبر الدفاع عن فكر لا تشغل كرامتهم موقعاً ذا شأن فيه، بل بالعكس عبر نقده الجذري وإظهار حدوده الفكرية والأخلاقية والسياسية، وعبر تخليص الرابطة العربية الحية من هذا الإطار الإيديولوجي الميت.
نهتم بهذا الكائن الإيديولوجي في مقدمة كتاب عن سورية الفلسطينية وعن الفلسطينيين السوريين لأنه كان طوال جيلين مصدر تعريف المقاربة الرسمية المقبولة على نطاق واسع للقضية الفلسطينية، في سورية وعربياً. فلسطين "قضية العرب الأولى"، ونحن في حالة حرب مستمرة مع إسرائيل ومن أجل فلسطين، توجب أن نؤجل خلافانتا الداخلية وأية مطالب سياسية واجتماعية من أجل صمود قطرنا في هذا النضال.
الرصيد الفعلي لهذا الكلام من الواقع هو صفر. جرى توسل القضية الفلسطينية أداة للضبط الداخلي وجباية السياسة والمبادرة السياسية من السكان، السوريين والفلسطينيين في سورية، وفي الأقليم بقدر المستطاع، وإلحاق كل ذلك بمقتضيات الحكم الأبدي للدولة الأسدية. لم يتعلق الأمر في أي وقت بكفاح تحرري من أجل فلسطين وأهلها. وما كان للعبة أن تكون مثمرة جزئياً إلا لأن السوريين أنفسهم كانوا متواطئين معها بفعل علمهم أن إسرائيل كيان معاد وعدواني. هم أكثر جذرية من حكامهم حيال هذا الكيان، وإن لم يعن ذلك بالضرورة وفي كل وقت تأييد نهج سياسي بعينه، أو نزوعاً إلى مواجهة حربية لإسرائيل في كل وقت. لكن في كل مرة فرضت على الفلسطينيين الحرب الإسرائيلية، كان الكل مع فلسطين، أياً يكن رأي كثيرين بسياسات أطراف سياسية فلسطينية أو بسياسات جميع الأطراف.
عمق العداء لإسرائيل أخلاقي وإنساني، وليس دينياً أو عرقياً. هذا رغم أنه أمكن لمتدينين وسياسيين استثمار العداء العادل لإسرائيل المعتدية وإلباسه اللباس الديني أو العرقي. أما استخدام هذا العداء العادل ضد المحكومين فلم يكن الغرض منه مواجهة الكيان المعتدي، بل المزايدة عليهم ووضعهم في موضع القُصّر، المحتاجين إلى الحماية والرعاية، وتالياً تكبيلهم وإخراسهم. ومنهم في كل وقت الفلسطينيون أنفسهم. ما يلزم هو فلسطين كقضية مفيدة للضبط الدخلي، أما الفلسطينيين، فبم يفيدون؟
والواقع أن ما يحتاج إلى تفسير، إذا كانت الإيديولوجية القومية هي مصدر مواقفنا، هو توقف الحرب مع هذا "العدو القومي"، وليس وجود الحرب. ولعل الإيديولوجية القومية من هذا الباب اخترعت إيديولوجيتين فرعيتين: التطبيع ومناهضة التطبيع، ثم إيديولوجية الممانعة. ما يفوت الإيديولوجية الفرعية الأولى هو أن التطبيع ليس قرارنا، كي نريده أو نرفضه، أن إسرائيل لا تريد تطبيع نفسها في الإقليم، ولا تكف عن التسلح لأنها تدرك أنه، بصرف النظر عن موقف الحكومات، وعن احتمالات قيام علاقات دبلوماسية عادية، فإنها مرفوضة شعبياً، لأنها متعالية وغريبة، ولم تبذل أي جهد كي تكون جاراً مقبولاً.
أما الممانعة فهي مزيج من موقف حرون سلبي حيال العالم، وليس حيال إسرائيل أو الغرب السياسي وحده، ومن تحكم أبوي بالداخل وطرد لجمهور السكان من ملعب السياسة. إيديولوجية الممانعة متمركزة بدوها حول السلطة، وليس حول المجتمع وحاجات السكان، وهي تعطي الأولوية لصراعات قومية مفترضة على حساب صراعات اجتماعية حقيقية. إنها إيديولوجية وكيلة للاستبداد لهذا السبب بالذات.
لكن خلافاً لما تخادع به الإيديولوجية القومية نفسها وغيرها، فإن نقيض معاداة التطبيع ليس دعوة إلى التطبيع، ونقيض الممانعة ليس الموادعة المنفصلة عن قضايا الحق والعدل، نقيضهما معا هو النضال من أجل العدالة والمساواة في بلداننا، وفي فلسطين، وفي العالم. ومنه النضال ضد الصهيونية بوصفها منبعا للتمييز والسيطرة والعنصرية في فلسطين والإقليم والعالم. ويخطئ معارضون سوريون وعرب حين يتحولون من ازدراء محق لإيديولوجية مناهضة التطبيع الكاذبة إلى تقبل باطل كل البطلان للتطبيع، كأن إسرائيل تنتظرنا للعناق الحار وراء الباب. في واقع الأمر يختصرون أنفسهم إلى أدوات عارضة صغيرة في صراع مديد كبير، ويستغفلون أنفسهم أخلاقيا منذ اللحظة الأولى.
لكن هذا الموقف المشين المفتقر للكرامة، والجدير كلياً بالاحتقار، هو تطور طبيعي للإيديولوجية القومية المتمركزة حول الكيانات والدول، حول صراعاتها وعداوتها وتفاهماتها وعلاقاتها، ولا تنزل عنها إلى عالم الناس وعلاقاتهم وحرياتهم وقدراتهم وفرصهم المتاحة أو الضائعة. حين "يفوت في الحيط" عالم الإيديولوجية القومية لا تنزل منه إلى عالم الناس، تبقى فوق وتنقلب إلى موادعة العدو القوي والتعايش معه، والقيام بما يتوقعه منها. أو قد تأخذ لبوساً جديداً: هناك كثيرون في أوساط الموالين للدولة الأسدية يرفعون الدعوة الركيكة "سورية أولاً" أو "سورية فوق الجميع"، ويحصل أن يدعوا أيضا إلى الانشغال بسورية حدها، وترك فلسطين للفلسطينيين. وقد يقولون: هل جاءنا من فلسطين غير وجع الرأس! هذا كلام غبي. فحتى لو نسينا الجولان، وتركنا فلسطين لحالها، لن تتركنا إسرائيل لحالنا. بما هي تجريد للشعب الفلسطيني من كيانه وحقوق، إسرائيل سند لكل تجريد في بلداننا من الحقوق والكيان، وهي خلاصة للعلاقات العنصرية أو شبه العنصرية التي تقيمها أطقم السلطة الامتيازية في بلداننا مع محكوميها، ومنها بخاصة الكيان الأسدي. فلسطين أهم بألف مرة من أن تترك للقوميين العرب، وللإسلاميين |(وهم جيوسياسيون وجيواستراتيجيون وامبراطوريون بطريقتهم، لا اجتماعيين ولا إنسانيين بطريقتهم أيضا). إنها قضية تحرر وكفاح من أجل العالة والتحرر، وهي في آن ميدان أساسي من ميادين الكفاح التحرري، ومقياس لتقدم هذا الكفاح على المستوى الأخلاقي والفكري والسياسي.
ليست الدعوة للتطبيع، تالياً، خروجاً على الإيديولوجية القومية، بل هي مؤشر على مدى احتلالها للأذهان، وعدم تخيل عالم غير عالم الدول والنخب والفوق. كمال اللبواني الذي زار إسرائيل في أيلول 2014 ليس نقيضاً لبشار الأسد وزبانيته، بل هو قفاهم.
هذان التناسخان الركيكان للإيديولوجية القومية العربية، الممانع والمضاد للتطبيع، احترقا معاً في لهيب الثورة السورية، حيث ظهر التعارض الهائل بين الماهية القومية المفترضة، وهي تخفض من قيمة أية مطالبات سياسية واجتماعية محلية على مذبح الصراع الوجودي المفترض مع إسرائيل، وبين الوجود الفعلي للناس، السوريين والفلسطينين واللبنانيين والعراقيين وغيره، وهو وجود منذور للذبح السياسي، وللذبح الفعلي إن اعترضوا على حكامهم. قتل من السوريين خلال 44 شهرا من الثورة فوق 200 ألفا، يتكلم البعض على 300 ألف، وغيرهم على نصف مليون. وقتل تحت التعذيب 11 ألفا بين بداية الثورة في آذار 2011 وبين آب 2013، أي بمعدل 12 كل يوم، وهو ما يعني نحو16 ألفا حتى يومنا (تشرين الثاني، 2014)، وكان من آخر الضحايا ما علم في نهاية الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني 2014 من استشهاد الفسلطينية سميرة السهلي من مخيم اليرموك، الأم لأربعة أطفال، وكانت تعنى بالإغاثة وتأمين الغذاء لسكان المخيم.
وفي سجل الدولة الأسدية من المذابح ما كان من شأنه أن يثير حسد آرييل شارون لو شهدها، ومن أشهرها المذبحة الكيماوية التي وقع ضحيتها 1466 مواطنا من سكان الغوطة الشرقية وحدها فجر يوم 21 آب 2013. وغير قليل من هذه المذابح طائفية (الحولة، القبير، بانياس، كرم الزيتون...)، وهي بذلك لا تقتل بشراً بالعشرات والمئات فقط، وإنما تقتل الرابط الوطني السوري كذلك، وتشحن نفوس السوريين بالعداوة والكره لبعضهم، وتمهد تالياً لقتل مستقبلهم أيضاً.
ومعلوم بعد هذا كله أن عدد المهجرين السوريين من منازلهم يتجاوز 10 ملايين، ثلثهم في الداخل لسوري، ونحن أربعة ملايين في بلدان مجاورة وبعيدة، وفوق ثلاثة آلاف ابتعلتهم مياه المتوسط.
هذه النكبة السورية، ألا تذكر بالنكبة الفلسطينية؟
وخلال 44 شهراً من الثورة والصراع والحرب متعددة الأطراف والمستويات، وقبلها خلال 44 عاما من الحكم العائلي، لم يعرض النظام أي استعداد للتفاوض، ولحل سياسي حقيقي يتضمن تغيرا في البنية السياسية التي ثار ضدها السوريون. أليس رفض التفاوض وتقديم أدنى تنازل إسرائيلياً جداً؟
ونال النظام الحماية من 4 فيتوات روسية صينية، وثابرت روسيا على دعمه عسكريا دونما توقف، أليس هذا إسرائيلياً جداً، تحل روسيا والصين فيه محل أميركا؟
واستأثر النظام طول 44 شهرا بسلاح الجو، يلقي البراميل المتفجرة فوق السكان من المروحيات، ويستخدم طارات الميغ وسوخوي في قصف المناطق الأهلة بالسكان، أليس هذا أكثر من إسرائيلي؟
وشكل الاستثناء الإسرائيلي المستمر من الالتزام بالقانون الدولي المسوغ الشرعي لانفلات الدولة الأسدية من أي قاعدة قانونية في التعامل مع محكوميها ومملوكيها. بل هي من مخزون التجارب التي ولدت منها داعش بوصفها عداءاً عدمياً للعالم، أضراره على السوريين والعراقيين، والعرب والكرد، وعموم المسلمين، ستفوق دون أدنى شك على إضراره بأي من أعدائهم.
ومثلا عملت إسرائيل على الإبادة السياسية لأعدائها الفلسطنيين، وإبادتهم فيزيائياً حين يواجهونه، قامت الدولة الأسدية بالشيء نفسه، بهمجية أشد وكلفة بشرية ومادية أعلى بما لا يقاس.
ومثلما انتزعت إسرائيل فلسطين من ملكية الفلسطنيين انتزعت الدولة الأسدية سورية من ملك السوريين، وجعلت من أسرة من القتلة حاكمين مالكين لها، وسمتها "سورية الأسد".
لا ننسى أخيراً أن مؤسس السلالة الأسدية، حافظ، كان وزير دفاع 5 حزيران 1967، وإذا كان أجبن من أن ينتحر ليصون كرامته، اختار أن يجرد السوريين (والفلسطينيين) جميعا من كرامتهم، وأن يدمر مفهوم الكرامة نفسه، كي يكون هذا الرجل العار "بطل الأمة" و"فخرها". وإمعاناً في إذلال السوريين والفلسطينيين ورث حكم الجمهورية لسلالته. يدفع السوريون، والفسلطينيين السوريون، الثمن الرهيب لنشوء هذا السلالة الضارية التي تخوض ضدهم حرباً ثانية (بعد حرب 1979- 1982 التي وقع فيها عشرات ألوف السوريين)، ولن تكف عن خوض الحروب ضدهم إن بقيت في الحكم. إنه حرب مستمرة، تفتر حيناً وتتأجج حيناً، لكنها لا تتوقف.
وفي المحصلة، لدينا فلسطينان، وإسرائيلان. ويجد شعبا الفلسطينيْن نفسيهما أعزلان في مواجهة الإسرائيليْن. وبينما يصعب حسد فلسطينيي فلسطين على أي شيء، فهناك الكثير مما يحسدهم عليه السوريون، منه ما يقارب إقراراً يسارياً عالمياً بعدالة قضيتهم، بينما يبدو معظم يسار العالم بسوء يمينه في الموقف من صراع السوريين وفهمه.
المحصلة خلال 44 عاماً هي فلسطنة السوريين بصورة جديرة لتحول التماهي بالفلسطينيين من تماه هويتي شكلي، مسخر لخدمة الطغمة الأسدية، إلى تماه إنساني وسياسي تحرري، منسوج من شراكة المحن والدم والصراع.
لكن العملية ليست تلقائية، إنها ممكن قوي قائم، يحتاج إلى الشغل الفكري والسياسي عليه، وترسيخه كنقلة فكرية وسياسية وأخلاقية. إسرائيل هي العالم الأول على حساب فلسطين وسورية والمنطقة المشرقية، وركيزة العالم الأول الغربي في مجالنا، ونظام الطغمة الأسدية هو العالم الأول الداخلي في سورية. وعلاقة التماثل البنيوي بين ممثل العالم الأول أقوى بكثير من الخصومة الشكلية. ولا ينتمي التعالي الطبقي الذي يبلغ حد العنصرية من جهة الدولة الأسدية، وقد تجسد في القتل واسع النطاق للسوريين الثائرين وتحطيم مجتمعهم وبيئات حياتهم وتهجير نصفهم من مواطنهم، لا ينتمي إلى عالم بعيد عن عالم العنصرية الإسرائيلية التي لا تتصور المساواة مع الفلسطينيين والعرب. ربما لا يقبل الإسرائيليون الدولة الأسدية نداً، لكن علاقتهم به أقرب إلى وحدة الحال والموقع حيال العالمين الثالثين: عالمهم الثالث الفلسطيني والعالم الثالث السوري.
مواجهة العالمين الأولين، والبلورة النظرية والعملية والرمزية لكفاح العالمين الثالثين السوري والفلسطيني، هو ما يؤسس لعلاقة بين السوريين والفلسطنيين تقوم على وحدة الموقع ووحدة الكفاح.
******
مقدمة كتاب "أوراق الزعتر" الذي حرره جمال صبح، وصدر قبل أيام عن المؤسسة العربية للدرسات والنشر في بيروت.