بين نداء السلام وقذائف القصف الوحشي

بدر الدين شنن
2016 / 11 / 25

فرنسا ستنظم بعد أيام ، اجتماعاً في باريس ، " للتحرك ضد قصف حلب " . يضم دولاً زعمت أنها " صديقة لسوريا " . وهذه الدول هي : فرنسا ، بريطانيا ، إيطاليا ، ألمانيا ، الولايات المتحدة ، تركيا ، والمملكة السعودية ، والإمارات المتحدة ، وفطر ، والأردن .

والهدف الذي حدده الوزير الفرنسي ، هو مرتبط مباشرة ، بالحالة الراهنة لمدينة حلب ، حيث تدور فيها وحولها ، معركة طاحنة بين الجيش السوري ، والجماعات الإرهابية المسلحة ، معركة تشكل إحدى أهم معارك تحرير سوريا من غزو الإرهاب الدولي . فعلى ضوء نتائج هذه المعركة ، ستترتب نتائج ذات أهمية قصوى لتحرير الشمال السوري كله ، وتحسم معركة دير الزور ، وتحرير المواقع السورية المحتلة في المنطقة الشرقية ، الغنية بحقول الحبوب ، والقطن ، والغاز والبترول .

وإذا عدنا إلى المخططات التركية المتعلقة بسوريا عامة ، وحلب خاصة ، المتضمنة إحياء الإمبراطورية العثمانية ، وما لحلب من دور أساس في هذا المخطط ، وعدنا إلى المخططات الاستعمارية ، الهادفة إلى تقسيم سوريا ، عرقياً ومذهبياً، لتعزيز سيطرة ونفوذ الكيان الإسرائيلي في الشرق الأوسط ، وإلى الهيمنة على ثروات الطاقة بأنواعها ، وإلى استغلال الجغرافيا السياسية السورية ، في الصراعات الإقليمية والدولية ، نجد الهدف الحقيقي ، لاجتماع باريس ، برعاية فرنسية ، حول سوريا ، والمخصص " للتحرك لوقف القصف على حلب " بحضور ومشاركة ، ألد " أعداء سوريا وليس أصدقائها ، والتي هي بالضبط أنشأت ، ودعمت ، وتدعم الجماعات الإرهابية المسلحة ، بكل مقومات واحتياجات العدوان والحرب على سوريا ،نجد أنه ليس هو ما يتضمنه معنى النص الحرفي المعلن لغاية الاجتماع ،وإنما هو ، لحماية الجماعات المسلحة المحتلة لعدد من أحياء حلب الشرقية ، في ظروفها الحرجة ، التي تعاني منها الآن ، وإنقاذ مخططها ، لتكريس صيغة انقسامية ، مثل الحكم الذاتي ، أو الإدارة الذاتية ، المستقلة عن الحكومة المركز بدمشق ، والتي ستشكل ولابد بدا جزءاً من مشروع تقسيم سوريا ، والتي كشف عنها مقترح المندوب الأممي " ديمسورا " في زيارته الأخيرة إلى دمشق . وقد قوبل مقترحه بالرفض المطلق .

بمعنى ، أن وقف القصف المسمى بلسان الوزير الفرنسي ، ليس هو ، وقف القضف على حلب كلها ، وإنما وقف القصف الحكومي ، على الأماكن التي تسيطر عليها ، وتهاجم منها ، الجماعات المسلحة ، للأحياء الأخرى . وإطلاق يدها في قصفها أنى تشاء . ومن طرف آخر إنه دعم لمعارضة الموالية ، ورفع مستوى نفوذ هذه الدول في تحديد مستقبل سوريا .

ومن الواضح أن قصف الجماعات المسلحة للأحياء الحكومية ، هو الأقسى والأشد ضراوة ووحشية ، وذلك لاستهدافه المدنيين ، وأماكن عيشهم ، وتجمعاتهم الحيوية ، مثل الجامعات ، والمدارس ، ودور العبادة ، والمشافي . والمثال الواضح على ذلك هو عمليات قصف المسلحين في الأيام الأخيرة ، لجامعة حلب ، ولمسجد أثناء خروج المصلين ، ولمدرسة الفرقان الابتدائية ، التي راح ضحيتها ، عشرات الشهداء والمصابين ، وعدد منهم من الطلاب والتلاميذ . .

وعلى ذلك ليس من المنتظر ، أن يطالب وزراء خارجية الدول المشاركة في الاجتماع الباريسي المقبل حول حلب ، بوقف قصف الجماعات المسلحة الوحشي للسكان في الطرف الآخر ، والتوجه لملاقاة مساعي الحل السياسي ، والمصالحات الوطنية ، والعودة للا ندماج في الحيا ة الطبيعية ، وإنما العكس ، سيقدمون دعماً معنوياً للإرهاب في الأحياء الشرقية ، لتشديد الضغط على الجيش السوري والدولة السورية ، حسب المخططات المقررة سابقاً ، المعمول بها على مدار سنوات الحرب القذرة ، التي فتحوها على الشعب السوري المسالم ، الذي لم يطلق رصاصة واحدة على أي بلد من بلدانهم .

وقد اعتدنا ، أنه كلما تحرك " أصدقاء سوريا " المزعومين ، فإن هذا يعني ، أن الجماعات الموالية لهم في حالة أزمة معنوية وعسكرية . كما يعني أننا سنشهد تصعيداً من قبلهم لتعديل موازين القوى السياسية والعسكرية والمعنوية .
بيد أن ليس كل مرة تسلم الجرة . أي أن مساعيهم التصعيدية ، لا يقابلها تصميم الجيش السوري على تحرير سوريا من الإرهاب وحسب ، وإنما تصميم أطفال سوريا أيضاً ، الذين يقابلون قذائف وصواريخ القتل والموت ، التي تغتالهم وهو على مقاعد الدراسة ، بالنداءات السلمية البريئة الطاهرة ، التي يلقونها بواسطة طائرات كلفت بالدعوة إلى السلام .. وإلى الحياة .

إن اجتماع وحوش الإمبريالية والرجعية ، لحشد الإمكانيات ، لتجميع أدوات القتل للأبرياء .. يسقط قيمة وأخلاقاً وشرفاً .. أمام اجتماع الأطفال الداعين للمحبة والسلام . وإن الأقلام التي تخط بأصابع الطفولة الصغيرة .. داعية كل أطفال حلب .. تعالوا نعيش أخوة سواء بكل شيء .. هي أقوى أثراً في الوعي .. والضمير .. والإنسانية .. والتاريخ .. من أدوات التوحش القاتل .. واستلاب الأمان والحياة .

وأمام الصراع بين البراءة والوحش ، يشتد الرهان .
ودون أدنى شك ، إن المراهنين على الوحش هم الخاسرون ، وهم ورثة قذاراته ، ووحشيته وعاره .
أما المراهنون على البراءة الداعية للتآخي ، والأمان ، والفرح ، فهم الرابحون .. ويشرفهم أبد الدهر أنهم كانوا مع أبطال عصرهم ، الذين يطفئون بسواعدهم الصغيرة الغضة ، نار الحرب والحقد والضياع .
بعد انفضاض اجتماع باريس ، سيذهب الوزراء المجتمعون ، كل إلى بلده .. ويتطلع إلى المشهد السوري ، بمشاعر وحشية منتعشة .. ويرسم في سوريا خراباً أكثر .. ودماً مسفوحاً أكثر .
ويذهب الطلاب والتلاميذ .. رغم قذائف وصواريخ الموت ، إلى جامعاتهم ، ومدارسهم ، ويتطلعون بحب ، وانفتاح طاهر بريء ، إلى لوح التعليم المعلق على الجدار .. ويرسمون .. العمران الجديد .. وكل ما ينشر الحياة الجميلة .. على أرض سوريا .. أرض السلام .