الفلسفة والأطفال: تأسيس العقلانية المرحة

سامي عبد العال
2016 / 11 / 25

أليس الأطفال رمزاً للبراءة، التلقائية، التغني بالحياة؟! هم السعداء بلا خوف، وهم الأصداء الباسمة لعالم متجهم. لكن هل يمكن للفلاسفة استضافة الأطفالً على طاولة الفكر؟ ما الذي يسمح للطفولة بالنمو الفلسفي المتطور؟ كيف نحرثُ حياتهم العقلية انتظاراً لعالم أفضل؟ ربما كان هذا وراء الاهتمام بالطفولة من خلال التفلسف. فضمن احتفاء اليونسكو باليوم العالمي للفلسفة أعلنت اطلاق كرسي جامعي جديد. مهمته الأولى الاعتناء بممارسة التفلسف مع الأطفال.
حقاً... يا لها من فكرةٍ رائعةٍ وخطيرة على المدى البعيد!! لا لأنَّ الفلسفة تهبط من أعلى لتداعب خيال الطفولة الغض. ولكن لأنَّ الطفل، وربما الطفل وحده، هو مصدر الاحساس بجرأة الرؤى ونزقها. إنَّه كائن عصيٌّ على الاحتواء. يشغل محيطة بالحركة والصخب الجميل.
وبالتالي لم لا يكون ذلك اعادة اكتشاف للتفلسف ذاته مرة أخرى؟! فليكن التفلسف بلسان الطفولة رؤى منفتحة وقابلة للتغير. بل ليكن أفكاراً مجنونة، عجائبية لا تعبأ بكآبة العالم وشيخوخته. كانت صور الفلاسفة -كما جاءت بلوحات الفنانين التشكيليين- رجالاً طاعنين في السن. ترك الزمن على أخيلتهم تجاعيد وخربشات غائرة. وخطت الفرشاةُ ضربات المجهول الذي ينحتونه فوق جباههم. ورسبت الألوان يأساً مصيرياً يطلقونه كلما تأمل القارئ انساقاً ميتافيزيقية. ولم تكن ثمة براءة هي الطيش والحماقة واللاجدوي. تلك الأشياء المطلوبة في الأفكار كالملح بالنسبة للطعام. إذ لا يوجد فكرٌ بدون هوامش تنزلق انهياراً، ومن غير سراديب ودهاليز ممتدة تحت المتون. تنقل رائحة الغرائز وعبق الجذور المرتعشة بزخم الحياة.
تاريخياً كان الفيلسوف كلَّ شيء، أيَّ كائن، إلاَّ أن يكون طفلاً. كان حكيماً وقوراً(سقراط- هيراقليطس- إميل سيوران). كان رجلاً للدولة(أفلاطون- سولون- أرسطو). كان أيديولوجياً انتهازياً (مكيافيللي)، عالماً مهيباً(هيزنبرج- جيمس جينز- أينشتين)، أديباً(فولتير- موريس بلانشو- سارتر- ألبير كامو- جيل دولوز– جوليا كريستيفا) عقلانياً صارماً(كانط- هيجل). لكنه لم يتخيل نفسه كياناً طفولياً يعابث الوجود. برغم أن الكيان الهش يغذي أفكاره. يثير اندهاشه الطازج بالحقائق والعالم.
ذلك الأمر هو الأولى للفلسفة كشرط وجودي لنشاطها العقلي. لقد كانت الفلسفة لدى اليونان- ومازالت- هي الباثوث. أي الاحساس الذي يحرك الانسان اندهاشاً نحو التساؤل الحر. والطفل لا يستنكف اندهاشاً متكرراً يأتيه كالبرق. ولو حدث مئات المرات تلو المرات. فليس يوجد كلل ولا ملل. الدهشة الفلسفية الطفولية تعد حدثاً، موقفاً حياً. وليست فكرة صورية وجدت موضوعها اتفاقاً. لأنها تلتقط دلالتها من رحم المعضلات التي تواجه الفكر. وبهذا تتميز بالأصالة الإنسانية. كيف سيجري ذلك الوضع؟ وما هي تداعياته؟
هكذا يتساءل الطفل حول أبسط الأشياء غير المتسقة أو التي يراها نافرة. إنه يساعدها على الخروج من المألوف، تاركاً الفرصة لتتجلى عبر خياله. ليس الطفل كائناً مجاوراً للأشياء ولا معانقاً لها من الظاهر. دوماً هو في القلب منها جرياً على كونه طاقة متفجرة. ولعل ذلك منبع خوفنا الدائم على الأطفال. فنحن نتوقع الحاق الأذى بهم في الكوارث وأعمال العنف والحروب. لأنهم لا يقفون بمعزل عن الأحداث. المسألة أن الأطفال يتركون أنفسهم دونما تحفظ ولا تراجع. انهماك متواصل بلا محاذير قد يراها الكبار ضرورية.
الطفل يسري داخل كل العقول. فقد يكون الفيلسوف هرماً ومع ذلك يتقافز داخله إحساس طفولي بالعالم. طفولة الأفكار والتصورات تسكن جميع الأعمار. وهي قدرة تتجاوز الزمن والنوع والأعمال. ثمة صورة لألبرت أينشتين وهو يعبث بآفاق الرؤية إذ يخرج لسانه كالطفل النزق. تبدو روحه الطليقة سارية إلى المتلقي قصداً. وفي صورة أخرى تداعب أنامله أزرار البيانو كطفل يتلهى بالأسرار من وراء والديه. ويتماوج جسمه مع النعمات كما يتراقص الأطفال في نشوة غامرة.
وربما يتساءل القارئ هل هذا العالم هو نفسه صاحب أكثر النظريات العلمية تعقيداً؟ أبعد من هذا. اعتبر اينشتين الجنون معياراً لقبول النظرية العلمية من عدمها. فحينما عرضت عليه إحدى النظريات أبدى نقداً لها قائلاً: ليست مجنونة بما فيه الكفاية حتى يتم تصديقها. وكأنَّ العالِم يجب أن يصدق الجنون وليس العقل!! وكأن المعايير لا تتوقف لدى الظاهري ولا تكتفي بالسهل منها حتى يدخل تحتها انجاز علمي. ونحن نعلم أن الطفل يتصور العالم مقلوباً ومرحاً في الوقت نفسه. ويتمسك بأبعد الأخيلة غرابة عن الواقع. وعندما سأل أحدهم أينشتين عن تعريف النسبية قال: هي بالضبط عندما تنتظر حبيبتك. فكل دقيقة تمر عليك تشعر أنها سنة كاملة. وعندما تجلس إليها تشعر أن الساعات تمرق كثوانٍ خاطفةٍ!!
الطفل ككائن متفتح هو الذي تأمل اليونسكو كمنظمة ثقافية صقل مهاراته الفلسفية. وفي هذا الشأن ماذا تقدم الفلسفة للطفولة؟ هل ستكتشف شيئاً؟ بكلمات أخرى ما أهمية هذا العمل غير التقليدي؟ قبل الإجابة عن الأسئلة علينا تقليب الموضوع في أكثر من اتجاه.
إن طفولة بدون تفلسف لهي قتل ممتد لبراءة مذهلة. كيف لا والأطفال يطرقون دوماً الأبواب المجهولة داخلنا. لأنهم كائنات أولاً افتراضية. فلا تقع منا موقع التطابق الأبوي كما نظن. هم لن يكونوا نسخاً مشوهة من جدارنا الفكري المهترئ. هم مشروعات مفتوحة على الاختلاف القادم. الفيض الثري بكل ممكنات المستقبل. والوقوف في وجه تلك المعاني لهو وقوف أمام التاريخ. وسواء أكانوا هكذا أم غير ذلك فلن يستطيع التفكير الأبوي صد تيارات الطفولة الجارفة.
في الثقافة العربية الإسلامية لا توجد أسماء دالة على الطفولة. لدينا فقط أنثى وذكر. منذ اللحظة الأولى لولادة تلك الكتلة البكر من اللحم لا يذهب الناس إلى اسعاده وتوفير الأجواء المناسبة لرعايته. لكنهم يتساءلون فقط: هل هو ذكر أم أنثى؟! نقل القرآن تلك الواقعة" إذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم". الأنثى تلتهم كافة مظاهر الطفولة في مجرد لحم قابل للتصنيف الاجتماعي. تضاريس الجسم أهم لدينا من تضاريس العقل والشعور. وفي بعض المجتمعات العربية عوضاً عن ذلك يلبسون الأنثى ثوب ذكر للإيهام طوال الوقت بأنها ولد. وستعيش كالأولاد لا وفق طبيعتها. هل سيكون هناك أمل فلسفي وراء تلك العقول؟
ونظراً لذكورة المجتمعات العربية اختفت كل طفولة وراء هذا التمييز. بل تناثرت أشلاءً على قارعة القهر إزاء ما هو انثوي. والنتيجة أيضاً أن يضيع الذكر(أي الصبي/ الولد) لأنه يُحمل بتصورات ذكورية(رجالية) مدمرة لبراءته مبكراً. فهل سيكون ذكراً قبل أن يعيش طفولته؟ وفي هذه الحال ينتزع حقه في ممارسة التفكير بكل نزقه وطيشه. جميع أطفال العرب راحوا ضحايا لأزمنة غير زمنهم البريء، كانوا يرتدون أدمغة اجتماعية فوق مستواهم الذهني. وكانوا يُحشرون بين صفوف القيم المتهالكة والمتكالبة لإرضاء السلطة السائدة. أما أن يعيشوا حيواتهم الخاصة فأخر شيء يمكن اخذه بالاعتبار.
نقول ذلك وسط الكآبة التي تعيشها الطفولة في كل مكان. وقد تجاوزت الكآبة قدرات التحمل الممكنة. التهمت الجماعات الإسلامية أطفالاً حينما دجنت عقولهم لصالح فكر دجمائي مغلق. يحاول حشو أدمغتهم بأفكار التكفير وتذليلها للسمع والطاعة وقتل التفتح الإنساني لذواتهم. بحيث إذا بحث الطفل داخله عن أية إرادة مرحة لن يجد غير الخشونة المتوارثة والتعاليم الدينية المتشبع بها. وبالتالي يصبح عضواً جهادياً ناشطاً على العنف. مثلما جندهم الإرهابيون لتنفيذ أعمالهم الإجرامية في العراق وسوريا وليبيا. وتحويلهم إلى أحزمة ناسفة. و واستعمالهم في تجارة الأسلحة ونقل المواد الممنوعة وتجارة الرقيق البشري.
وليست بعيدة عن ذلك صور الأطفال الغرقى أثناء هروبهم عبر البحر من دمار الربيع العربي. هؤلاء لم تطرق الفلسفة أبواب رؤوسهم بعد. بل لم يجدوا منفذاً لحياة كريمة فكانوا عل غرار إيلان كردي لقمة سائغة للغرق والضياع. كذلك تعليم الأطفال كارثة ما بعدها كارثة. تعليم هو الحفظ والتلقين والاستظهار. لا يوجد إبداع ولا فكر من شأنه احترام ملكاتهم ولا تنمية مهاراتهم المتميزة.
الفلسفة تحديداً تنمي ملكة الفهم المنطقي للأشياء والعلاقات. ولئن أردنا انقاذ الطفولة من غربال المجتمعات المتخلفة علينا بتنشئتهم فلسفياً. لأنَّ التفلسف سيحل عقدة لسانهم الجمعي. أي يمزق خيوط العنكبوت التي تجعلهم قابعين في كهف قديم اسمه الموروثات المعرفية. فهوس التقاليد يفوق هوس المرضى النفسيين بالأشياء. حتى أن الأطفال يخرجون إلى الحياة مزعورين ومغلفين بأغطية وراءها أغطية من التحريمات والنواهي بطريقة الدجما الدينية. كيف يمكن إعادة الانسجام الطفولي إلى حياتهم؟
التفلسف يمرن الطفل على التسامح مع ذاته أولاً. لأنَّ لهوه المتواصل يعد أكبر مُعلم لإنشاء منطق لعبي ناقد. إنه نسق من الألعاب والحيل التي يمكن تركيبها وتفكيكها دون عنف. مثله مثل ألعاب البزل والمكعبات والألعاب الافتراضية. حينما تفتح مهاراته على المستحيل الخيالي. وتدخله إلى عالم ساحرٍ من الأعاجيب والترحال الرغبوي. وإذا كان الأطفال عقولاً غضة فالتفلسف يمنحها قواماً يناسبها. يجعلها فضاءً للتجريب واللعب الحر بالأفكار كما هو المرح الجاد الذي يستغرقون فيه. وبخاصة أن الأطفال لديهم نزوع نقدي فطري، يكاد يعصف بجميع الثوابت ولا يعترف بشيء إمامه.
إذن العقلانية المرحة ممارسة لآفاق العقل والتفكر الإبداعي بشكل غير مقيد. تبرز على أنقاض العقلانية الزائفة التي تستعمل المنطق بقوانين صارمة. كأن العقل لاهوت سري يهيمن على الأفكار. بينما يقدم الأطفال شيئاً غرائزياً وغرائبياً. ليس تصنيفاً لكنه أساليب مرنة مشبعة بالسخرية والبهجة. وأكثر انضباطاً وامتلاءً من خلال الإثارة والتشويق والطرافة.
المدهش أن الفلاسفة المعاصرين تحولوا إلى أنماط طريفة من المفكرين. فمفاهيم اللعب عند جاك دريدا وجيل دولوز ورولان بارت وجورج جادمر وجيانو فاتيمو كانت حاضرة بقوة في نصوصهم. ألا يعتبر ذلك استعادة لطفولة فلسفية كانت غائبة طوال تاريخ الفكر الغربي؟
ها هو رولان بارت يعتبر النص ضرباً من التأجيل اللامتناهي للمدلول، المعاني ، المفاهيم. فالدوال هي النسيج الأهم فيه. وذلك بالضرورة يعني كونه لعباً play. وطبعاً يقصد بارت اللعب الممتلئ بالمعاني ما بين الدوال وتوليد الدلالات الحرة من وراء الألفاظ. وهو النشاط القائم على الإزاحات dislocations والتداخلات overlapping والتقاطعات بين نقاط التماسcontiguities والاختلافات variations. تلك الفاعلية النصية هي انهماك واستغراق أشبه بألعاب الأطفال. هذا في جو من عقلانية تعتبر الموضوعات متغيرات قابلة للبناء والهدم، التعديل والتنويع، التشظي والتكوين الدلالي الفوضوي.
إنَّ تلك الطاقة الطفولية طاقة رمزية عابرة للنصوص كما هي عابرة للمفاهيم التقليدية حول الأطفال. روى أحد الحكماء تجربته مع تلك القضية: قبل الزواج كان عندي ست نظريات لتربية الأطفال ورعايتهم وكيفية تعليمهم... لكن بعد الزواج أصبح لدي ستة أطفال... ولم تُجد أية نظرية واحدة!!