اسباب فشل مشروع التنوير في العالم العربي

مولود مدي
2016 / 11 / 24

نعيـش اليوم أسـوأ عصـور الإنحطاط على مدى التاريخ العـربي كله ..
ربمـا لم يمـر على هــذه المنطقـة من العالم زمنـاً حمـل لنـا كـل هذا القــدر من البـؤس والإنحـدار والتراجـع ، إلا إذا تم القياس على عصـر اجتيـاح المغـول للدول العـربية والإسلاميــة ..
تقريباً لا يوجد بلد يتحدث أهله العربيـة الآن إلا ويعـاني مشكلات ظاهـرة ، تتمثل فى الانفجارات والفتن الطائفية وانهيار الاقتصـاد والتعليم والفكـر والخدمات والثقافة والفــنون .. او مشكـلات باطنـــة مُحكمة الإغلاق ، كأنها صندوق بنــدورا الملئ بالشــرور .. فقط تنتظــر من يفتحــه لتنهــال اللعنـات والمصائب والفتــن على الجميــع ..
فقــط يبقى الأمل قائمــاً على العقــول المتـّقــدة التى تقرأ هذا الكلام .. ربمــا نستطيــع أن ننجــز سوياً أي شيء ، يُخرجنا من البئــر السحيقة التى سقطنــا فيـها !
لا يحدث التغيير في الأفكار والأمم حتى تمر بمراحلها الحرجة، لحظات الاصطدام بالواقع. حين يعجز الفكر السائد عن تقديم أي شيء نافع بل يصبح هو القائد إلى المناطق المظلمة والمجهولة، في هذه اللحظات فقط يحين التغيير عن طريق أفراد يحملون من التضحية والشجاعة ما يكفي إلى أن يقدموا أرواحهم وطمأنينتهم من أجل أفكارهم. هم أفراد أصيبوا بجرح غائر جرح الفكر تحديدا والتجرد للبحث عن الحقيقة. هؤلاء الأفراد تعرضوا لأزمات حادة مع واقعهم أوصلتهم ل "نقطة حرجة، نقطة حدية تفرض عليه خيارين لا ثالث لهما : إما أن يفكر وإما أن ينتحر". في محيط الفكر الإسلامي ورغم اللحظات العسيرة التي يمر بها الإنسان العربي إلا أن اللحظة الحرجة لم تحدث بعد، لحظة السؤال الأكبر، السؤال الذي يتوجه للأعماق والجذور، السؤال الخطير، بل الخطير جدا. حدث الحادي عشر من سبتمبر هو أكبر اصطدام للفكر الإسلامي مع الحياة اليوم وقد نتج عنه زحزحة وتحريك في العقول والأرواح في العالم الإسلامي بأسره. إلا أنها لم تصل بعد إلى المنطقة الخطرة.
الفكر الإسلامي يعاني من "الانسداد التاريخي" الذي يقف في وجه الأسئلة الحقيقية وعملية المراجعة الجذرية. ولكن ما سبب هذا الانسداد ؟ إنه بسبب "التناقض المطلق بين النص والواقع. أي بين النص وكل التطورات العلمية والسياسية والفلسفية التي جاءت بها الأزمنة الحديثة. الالتزام بحرفية النص يؤدي بالمسلم إما إلى إنكار منجزات الحداثة بل الحقد عليها وإعلان الحرب على العصر كما يفعل الظواهري وابن لادن. وإما إلى إنكار النص نفسه والشعور بعدئذ بالإحساس الرهيب بالخطيئة والذنب. وهكذا يقع المسلم في تناقض قاتل لا مخرج منه. والحل لن يكون إلا بالتأويل المجازي للنص والاعتراف بالمشروطية التاريخية للنص كما فعل المسيحيون في أوروبا بعد التنوير...".
ماذا يستطيع التاريخ، وتحديدا التجربة الأوروبية أن يقدم من دلالات على مسألة تجاوز الفهم الأصولي للدين. أهم ما تقوله تجربة أوروبا في هذا السياق أن الخروج من الفهم الأصولي للدين هو شرط لازم للتحديث والنهوض والتطور والحداثة. لأن الفهم الأصولي للدين باختصار يقف عقبة أمام الإنسان في القيام بدور الإبداع والنهوض. هذا الفهم الأصولي لديه موقف صلب من الحرية بأنواعها وحرية الفكر بشكل خاص. التاريخ الأوروبي شاهد كبير على ذلك والتاريخ والواقع الإسلامي شاهد كبير كذلك. وهناك العديد من الشواهد على تسلط الأصولية في أوروبا حتى في عصر التنوير، ففولتير كان يصدر كتبه دون أن يضع اسمه عليها وكتابات هيجل في الدين لم تنشر إلا بعد موته وكانط جاءه خطاب تهديد من الملك بعد صدور كتابه "الدين في حدود مجرد العقل" والشواهد كثيرة جدا على هذه الحقائق.
في مقابل هذا التسلط الأصولي كان الفلاسفة والعلماء يتوجهون بالتفكير إلى الدين كظاهرة. كانت هذه فترة متقدمة بدأ الأمر مع عصر النهضة عن طريق التفكير والتعبير في سياقات لا دينية، عن طريق الرجوع للآداب اليونانية والرومانية ولكن دون الوقوع في اعتراض مع الدين، في القرن السابع عشر تقدم الفكر خطوة جبارة مع ديكارت ونيوتن و كبلر وسبينوزا. والأخير هو فقط من توجه بالنقد للدين خصوصا في كتابه الأساسي "رسالة في اللاهوت والسياسة" أما في القرن الثامن عشر قرن التنوير، فقد وصل الصراع لذروته وأصبح الفلاسفة يفكرون بقدر أكبر من الجرأة والحرية مما أنتج تفكيكا للفهم الأصولي للدين وتحريرا للعقول منه وهذا ما أطلق العنان للإنسان الأوروبي ليصبح على ما هو عليه اليوم. لم يحدث هذا التطور بعد في التجربة الإسلامية ولن ينفك الانسداد التاريخي إلا بحدوثه ولن ينهض الإنسان المسلم إلا بالمرور بهذه التجربة.
أن المشكلة هي أن العالم الإسلامي لم يشهد مرحلة التنوير حتى الآن على عكس ما حصل في أوروبا، ولذلك فإن الصدام حاصل بينهما حاليا. وسوف يضل هذا الصدام مستمرا مادام نظام القيم العليا أو المرجعيات مختلفا أو متناقضا في كلتا الحالتين. ففي جهة الغرب تسيطر المرجعية الفلسفية والسياسية الحديثة التي فصلت اللاهوت الديني عن السياسة. ومن جهة العالم الإسلامي لا يزال هذا الفصل مستحيلا حتى الآن. ولهذا السبب فإن الحركات الأصولية تتمتع بشعبية كبيرة في العالم الإسلامي.