المدينة والمرأة في ديوان -صورة في الماء لي ولك الجسد- سميح محسن

رائد الحواري
2016 / 11 / 23

المدينة والمرأة
في ديوان
"صورة في الماء لي ولك الجسد"
سميح محسن
تعرفت على هذا الشاعر المتألق، من خلال الامسية الشعرية التي اقامها منتدى المنارة في مكتبة بلدية نابلس وبعد أن استمعنا إلى شعره، وما قدمه لنا من قصائد حفزنا للتعرف عليه أكثر من خلال ديوانه "صورة في الماء لي ولك السجد"، الديوان يتحدث عن المدينة، الفنادق وروادها، الطبقات العليا في المجتمع التي بمقدورها الذهاب في رحل سياحية هنا وهناك، النساء في هذه الطبقة، هذا موضوع الديون.
بالتأكيد مثل هذه الاجواء لا بد أن تترك أثرا على الشاعر وعلى ما يكتبه، ما هنا وجدناه يتحدث بشخصية الشاب السائح الذي يجوب البلدان مستمتعا أو ممتعضا مما يراه/يشاهده، أحيانا نجده متحررا تماما عندما يتحدث عن أمرأته ، واحيانا نجده ممتعض عندما يحدثنا عن النساء الأخريات.
يبقى الديوان يحمل مواضيع جديدة علينا نحن في فلسطين، لحضور المدينة بشكل طاغي في النص، وللإسهاب في الحديث عن المرأة وبهذا الشكل، فالمكان في الشعر الفلسطيني يميل إلى الريف والطبيعة، أكثر منه إلى المدن، وأن كان ولا بد للحديث عنها فيتم من خلال تناول المخيمات التي تقبع فيها، لكن "سميح محسن" قدم مكان جديد، فلم يسبق أن قرأنا لشاعر فلسطيني يهمل الريف/الطبيعة/المخيم بشكل تام ويتحدث عن المدينة وفنادقها، وإذا ما أضفنا إلى هذا الأمر الحديث عن المرأة وبهذا الوضوح والصراحة، نكون أمام حالة جديدة تماما في المواضيع التي يتناولها الشعراء، فلا وجود لأي ذكر للدماء/للأسرى/للاحتلال، للأرض، إلى أي مسألة مما هو متعارف عليه في الشعر الفلسطيني، فالشاعر يقدم شيء جديد تماما، لم يسبق لأحد ان تجرأ وتحدث فيه، وكأنه يقول بأننا نحن الفلسطينيون نكون مبدعين ليس عندما نكتب عن الأرض والنضال، بل أيضا عندما نكتب عن الحياة العادية، عن المدينة والحياة فيها، وهذا ما يحسب للشاعر وللديوان.
في قصيدة "أربع حالات للرغبة" يحدثنا الراوي عن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة فيقول في المقطع "1" :
"يوم الخميس الأخير من الشهر
عد النقود التي سوف تدخل في جيبه
بعد حسم الإيجار/حساب البقالة/قسط المدارس
فاتورة الكهرباء/دين تسلفه من صديق
أعاد النقود إلى جيبه
في الطريق إلى بيته أثقلته الهموم
تنهد في سره
واشترى في الطريق زجاجة عطر
زجاجة خمر
ليطرد بهما الهموم من الرأس
فليكن هذا لنا
قال لامرأته
وكانت تعد طعام العشاء
في مكان قصي من البيت
يفترش الأرض
يطرد منه الهموم
وفي غرفة النوم عطر


وامرأة
رغبة
وانتظار" ص5و6، الحديث عن هموم اقتصادية مسألة عادية ومتعارف عليها في الشعر الفلسطيني، لكن شراء العطر والخمر وتجاهل البؤس بهذا السلوك يعتبر تمردا وتجاوز لما هو مألوف، وهذا ما يجعل طرح الراوي للحدث مميز ومتمرد، وايضا تناول المسألة الجنسية، وليس المرأة كما هو متبع، يمثل التغيير/التمرد الثاني على المألوف.
المقطع "2"
"على كتفه من الخلف
كان يحاول ينهي القصيدة
مرت أصابعها
مررتها برفق
وفكت زرار القميص
لتدخلها غابة شعر
نما فوق صدر نحيل
على وجهه مررت راحتيها
انثنت فوق طهر راحتيها
انثنت فوق طهر تقوس وقت الكتابة
ضمته بين ذراعين عاريتين
تدلى على وجهه شعرها مثل ليل طويل
عشيقان سارا إلى غرفة النوم
تحت الملاءات يلتمع الشعر والشعر
قال: أحبك يا مهجة القلب
مد يديه إليها
فراحت تغط بنوم عميق
وعاد لينهي القصيدة
أعاد كتابتها من جديد" ص6و7، بهذا الحديث يكون الراوي قدم لنا مشاهد تعد من المحرمات، فلمشهد السابق غير معهود في النصوص الشعرية، لكنه تجاوز المألوف وحدثنا عن الكيفية التي يتم فيها أخذ الحبيبة إلى الفراش، ومن الأفكار المتقدمة التي يطرحها الراوي علاقة الكتابة بالجنس، فبعد أن أخذ وطره منها استطاع أن يكمل لقصيدة، فالجنس هنا هو المفتاح لتفجير الابداع والكتابة الشعرية، وليس المرأة، لأنها كانت حاضرة قبل الجماع، ولم يستطع كتابة قصيدته، لكنه بعد الجماع تفجرت فيه القصيدة وأخرجها للملأ.
المقطع "3" يتحدث فيه عن كل المقدمات السابقة لكن العملية الجنسية لم تتم،:
"أزاحا الستائر خلف زجاج الشبابيك
أزاحا معا
أضاءا معا
شمعة
تعرى وتعرت
وتحت الملاءة نانا معا
وهم بها
وهمت به
وهما معا
وفي لحظة
غير محسوبة
تباعد عنها وفك ذراعيه
فكت
وفكا معا
وفز
وفزت
ففزا معا
فقد قد
شق
صوت صوت
الصغير الصغير
المكان المكان
لقد افسد الرعشة القادمة" ص7و8، عندما نقرأ هذا المقطع يتأكد لنا بأن الراوي لا يتحدث عن لجنس كجنس، بل ما يتخلله/ما فيه من مشاعر إنسانية، فهو يرعي الظرف ـ صوت الطفل ـ من هنا نجده ينتهي ما يصعب انهاءه، الجنس اثناء الرغبة النشوة، وهنا يكمن أهمية فعل إنهاءه، فلو كان هذا الرجل شهوانيا لما ألقى بالا لصوت الطفل، لكنه لا يتعامل مع الجنس بصفة/بشكل حيواني، بل بصفة إنسانية، ولهذا قدم لنا كل التفاصيل السابقة، وتعمد أن يثيرنا فيها، ثم ينقلنا ‘إلى عالم الإنسان، وهذا أهم ما في المقطع السابق
المقطع "4" أيضا نجد الراوي يحدثنا عن تهيئة الظروف تماما لممارسة الجنس، لكنه يحجم عن هذ الفعل، مشهد يحمل معنى إنساني للجنس، وليس حيواني.
" سرير لشخصين في غرفة في الممر الأخير من الطابق العاشر في فندق يطل على البحر من جهتين....
سرير لشخصين، نزيل وبائعة للهوى، رغبة للجماع
سرير لشخصين
أي شخصين!
لقد نام فوق السرير ألوف الشخوص!
ارتدى سترة الجلد ثم غادر" ص9، إذا ما تمعنا في المقاطع السابقة نجد تكرار لفظ "سرير لشخصين"، وكأن الراوي يردنا أن نركز على هذا الأمر السرير والشخصين، فهو لفظ يثير الشهوة والرغبة فينا، لكن قيام/رحيل الرجل يمثل ثورة/تمرد/رفض لمثل هذه العلاقة غير الإنسانية.
المقارنة بين المقطعين "1و2" والمقطعين "3و4"، يشير إلى أن الجنس الذي يسعى له الراوي جنس إنساني وليس حيواني أو جنس محرم، يريده جنس تكون دوافعه وظروفه ومكوناته مجتمعة سليمة ومنسجمة، فرغم أنه يسعى لتفريغ شهوته، إلا أننا نجده يحجم عن هذا التفريغ، عندما لا يكون الظرف/المكان/المرأة مناسب، وهذا الطرح الإنساني أهم ما جاء في هذه المقاطع.
الحبيبة والأم
هناك ميل عام اتجاه الأم عند غالبية الأولاد، إن كانوا ذكورا أم اناثا، وهذه حالة طبيعية يمكن تعميمها، لكن أن يجمع بين الحبيبة والأم، فهو أمر غير معمم، غير منتشر بكثرة، رغم أن البعض تناوله، الراوي يتحدث عن هذا الجمع بين رغبته/ميله للأم من خلال الحبيبة، وكأن الحبيبة تأخذ الصفتين، الأم والحبيبة معا، أو أنها تعوض عن الأم، فالعلاقة الجسدية معها يمنحها أفضلية على الأم التي تمنحه فقط العلاقة الروحية/العاطفة.
الراوي في قصيدة "ثنائيات تعاويذ الجسد" يقدم لنا هذا المقطع
"تضاريس
دعيني أنام على صدرك الأرجواني
أغو قليلا
كطفل رضيع يفتش عن حلمة الثدي
يسبح في ملكوت سمائك
يرتشف عتمة الليل منه السكينة
أو زهرة الماء
يحو
قريبا من القلب في غابة الراح
يا جمرة الروح
يغفو
يصحو
على نبضات الحنين
اشتعال الأنين
وقلبك
هذا الذي يمتطي صهوة النار
دعيني أنام على صدرك المشرئب
وألتهم الثدي في شفة راعشة" ص25و26، يبدأ القصيدة بالحدث عن حنينه للثدي أمه، لكن جسد الحبية يذهب به بعيدا عن حنيته لأمه بعد أن يتذوق الشهد من شفتيها ونهديها، ومن هنا نجده ينهي المقطع بحدثيه عن الحبية التي منحته ما لم تمنح الأم له.
الرمزية
في قصيدة "قلب مدينة" نجد فيها رمزية قدمت بشكل لافت، حيث استوحى الراوي وقائع على أرض من أرض الواقع وأطفى عليها رمزية، وهنا تكمن جمالية النص، فهو يحدثنا عن المدرج الرومان في عمان وعن الحارس الذي يحرسه، وفي ذات الوقت يقدم لنا مشاهد عامة الناس في هذه مدينة عمان:
"عمان (عمانان)
عمان رائحة العرق البشري
وعمان رائحة العطر الفرنسي
كانت الساحة الهاشمية تعبق برائحة العرق البشري
ورائحة جسدين توضا بمائهما
قبل الولوج إلى قلب المكان
وجوه عابسة تعبر باتجاه مجمع المركبات
أياد محملة بالبضائع
ونفوس مثقلة بالهموم
على كتف الساحة الهاشمية يتبرع المدرج الروماني
يزهو بحجارته الصامتة
يقف الحارس البدوي خلف باب الحديد الشبكي
كان الباب مغلقا
يحرس هندسة الرومان
...
هل يعرف الحارس البدوي من عبوا المدينة في اتجاه الغرب
من أقاموا حجارتهم
هنا، ومضوا
أم يكتفي بإلقاء التحية على الأجانب من باب إسداء الجميل لهم
لأنهم
لم يحملوا معهم
حجارتهم
عندما رحلوا
وكلف من الحكومة حراستها بأجر زهيد يسد الرمق" ص75 – 77، نجد الحالة العامة للناس في عمان وكيف حالتهم النفسية والاقتصادية، يحدثنا عن الحارس البسيط، وكيف يقوم بعمله، لكن الروي عندما تحدث عن المدرج الروماني نجد في حديثه بعدا رمزيا، وهنا تكمن جمالية القصيدة، ربط مجد عمان الحالي بما خلفه المحتل الروماني، وكأنها بدون هذا المحتل المبدع ليس لها أهمية، بدون المدرج الذي يقتات من خلال حراسته الحارس لان يجد قوته اليومي، ومن هنا وجدناه يلقي التحية على احفاد أولئك الرومان الذي يحضرون لمشاهدة امجاد اسلفهم .
الديوان من منشورات مركز أوغاريت الثقافي، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2005.