مقدمة الطبعة الثانية لكتاب -بالخلاص، يا شباب!

ياسين الحاج صالح
2016 / 11 / 23

انقضى على خروجي من السجن سنوات تعادل عمري وقت اعتقلت، ما يقترب من عشرين سنة. وحين أنظر من وراء السنوات إلى تجربتي كمعتقل سياسي سابق تبدو لي تلك التجربة أكثر خصوصية مما ظهرت وقت كتابة نصوص هذا الكتاب، سنوات ما قبل الثورة السورية.
حتى وقت اعتقالي قبل 36 عاما كان الاعتقال السياسي تجربة أميل إلى الندرة في سورية، محاطة بفعل ذلك بشيء من الرهبة والسحر، والفتنة. أخذت التجربة تتواتر شيئاً فشيئاً منذ النصف الثاني من سبيعنات القرن العشرين، لتشمل جميع المعارضين السياسيين الناشطين، وغير قليل من عموم الناس، بعد أن كانت مقتصرة في أوقات سابقة على كبار الخصوم السياسيين، المنافسين على السلطة. تاريخ "سورية الأسد"، في طوري الأب والابن، هو بصورة ما، تاريخ تحول الاعتقال السياسي من الندرة إلى الوفرة، ومن الاقتصار على النخبة إلى عموم السكان.
منذ تفجر الثورة السورية في ربيع 2011 ظهر جيل جديد من المعتقلين السياسيين، أناس حاولوا امتلاك السياسة دون أن يكون معظمهم سياسيين أو لهم تجارب سياسية سابقة. هذا الجيل أكبر عدداً بما لا يقاس، ويتواتر الكلام بين حين وآخر على 200 ألف معتقل أو أكثر. وبقدر ما إن الخشية من الدور المفسد للمبالغة هي دوماً في مكانها، نعلم، نحن السوريين، أن الأرقام المطلقة، كبيرة أو صغيرة، يمكنها أن تكون مضللة، وأن التمثيل الأنسب على شرط "السجن الكبير" الذي كانته "سورية الأسد" هو عدد من مروا بـ"تجارب أمنية" من السكان، أعني من "استدعوا" و"نُقِعوا" في المقرات الأمنية ساعات كل يوم أو كل أسبوع أو أسبوعين طوال سنوات أو عقود، ومن اعتقلوا يوماً أو أياماً، أو أسابيع، ومن هددوا وإذلوا وعذبوا، وأجبروا على العمل مخبرين. هذه "التجارب الأمنية" أوسع قاعدة بما لا يقاس من عدد المعتقلين السياسيين في أي وقت، ولعلها تشمل السوريين البالغين دون استثناء، بمن فيهم نسبة لا بأس بها من النساء، ونسبة أيضاُ من غير البالغين.
بنظرة إلى الأمد الطويل يبدو تاريخ سورية المعاصر هو تاريخ انتقال الاعتقال السياسي من النخبة إلى الشعب، أو نزوله من كبار السياسيين من رئيس ورئيس حكومة ووزراء، وهم بالآحاد أو العشرات، إلى المعارضين السياسيين الناشطين، وهم بالمئات أو الألوف، إلى العموم أو الشعب، مئات الألوف. وهو في الوقت نفسه تاريخ الانتقال من "حجز حرية" مؤقت للنخبة، إلى الاعتقال العرفي المفتوح للمعارضين السياسيين والتعذيب الروتيني، وصولاً إلى الاعتقال المعمم للسكان والقتل الواسع النطاق تحت التعذيب وسياسة المذابح. الوصول إلى هذه المرحلة العليا من مراحل نظام الاعتقال السياسي ترافق، على ما تكشف في "تقرير قيصر" الشهير، بصناعة قتل ممنهجة في المعتقلات، ومنها مثلاً مطار المزة العسكري الذي تديره الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، وبتهجير واسع للسكان، وبتدمير بيئات الحياة في مناطق متعددة من البلد. وقائع قصف المدن بالطيران الحربي وصواريخ سكود، والأحياء الشعبية بالبراميل المتفجرة، واستخدام السلاح الكمياوي ضد السكان المدنيين، وقائع تنتمي إلى نظام للإبادة السياسية لا يشكل الاعتقال السياسي من الصنف الذي عرفناه في منتهى العقد الأول لحكم السلالة الأسدية غير الوجه الأقل وحشية لها.
ومثلما وفر اعتقال الشيوعيين في زمن الوحدة السورية المصرية، 1958-1961، نموذجاً مبكراً للاعتقالات السياسية الاستئصالية بدءأ من نهاية العقد الأول من حكم حافظ الأسد، فقد وفر التجريف الواسع للبيئات الاجتماعية للإخوان المسلمين في هذا الوقت الأخير نموذجاً باكراً عما ستتعرض له بيئات الثورة السورية بعد عقد من حكم الابن العصابي.
تاريخ الاعتقال السياسي في سورية هو، بعبارة أخرى، تاريخ "دمقرطة" وتعميم متصاعدين للتجربة، وصولا إلى ما يمكن تسميته اعتقال الشعب. ولا نحتاج إلى تنبه خاص لندرك أن الوجه الآخر لتعميم الاعتقال السياسي هو طرد الشعب من السياسة ومن الدولة، والتملك الخاص لهما من قبل طغمة السلطة الأسدية. فإذا عبرنا عن الأمر بلغة تخطيطية، أمكن القول إن الطغمة في السلطة والشعب في السجن. والرهان هو الأبد، الحكم المؤبد للسلالة الأسدية. والحكم المؤبد للسلالة، ينبغي أن يكون هذا واضحاً، هو حكم بالسجن المؤبد للعموم.
ونعلم اليوم أن تعبير "سجن الشعب" ليس مبالغة: فأصحاب "التجارب الأمنية" بمئات الألوف دون ريب، وقد يكون من قتلوا تحت التعذيب بعشرات الألوف، وهذا مع تهجير فوق خمسة ملايين خارج البلد و7 ملايين داخله، ومع مقتل نحو نصف مليون، وإعاقات متفاوتة لما يزيد على مليونين.
وإنما لذلك أقول أن تجربتي كمعتقل سابق خاصة بعض الشيء. أنا من الجيل الوسيط، جيل المعارضين السياسيين المنتمين إلى أحزاب جرى اجتثاثها بصورة قريبة من الكمال، وممن تعرضوا لتعذيب روتيني غير قاتل. لم أكن من "النخبة" التي تنتقل من كرسي الحكم إلى السجن، ويبقى الطريق المعاكس مفتوحاً بعد حين، ولا من عموم السكان الذين حطمت بيئاتهم الاجتماعية وأبيدوا سياسياً واجتماعياً حين لم يبادوا فيزيائياً.
الخصوصية، تالياً، هي خصوصية جيلية وتاريخية، خصوصية حقبة من الصراع السياسي والفكري في السلطنة الأسدية.
ثم إنها، من جانب آخر، خصوصية شخصية، جرى الكلام عليها في هذا الكتاب في سياق تناول تجربة الاستحباس. يحيل هذا المفهوم إلى العيش في السجن كأنما هو بيت، وصنع قدر من الخصوصية والبيئة الشخصية في شروط السجن العادمة للخصوصية والشخصية. تسنى لي ذلك في وقت متقدم من سنواتي الستة عشر في السجن بفعل ظروف متعددة، لن أعاود التطرق إليها هنا. وأفترض أنه تسنى لبعض زملائي بمقادير متفاوتة. وتقترن بتجربة الاستحباس تجربة أخرى، أعز: الانعتاق، التحرر داخل السجن من سجون داخلية متنوعة، أهمها في النهاية هو سجن الأنا. هذا سجن لا نتحرر منه تماماً، لكننا ربما نتدرب في السجن على أفعال انعكاسية مثل مراجعة الذات ومساءلة الذات ونقد الذات وضبط الذات والتهكم من الذات، وتغيير الذات. على هذا النحو نقيد أنانا، فنطور أنا دستورياً، على نحو ما نقيد السلطة بدستور، فنتحول من حكم مطلق إلى حكم دستوري.

اليوم، في زمن سجن الشعب والأسدية العليا المحمية بقوى إقليمية ودولية متوحشة، أكثرها توحشاً ما كان سماها ماركس في أيامه "سجن الشعوب"، روسيا، تبدو فرص الاستحباس والانعتاق ممتنعة. ما جرى بعد الثورة هو "تدمرة" سورية، تعميم تجربة سجن تدمر على المجتمع السوري ككل، وبصورة أكثر تدميراً على البيئات الثائرة منه.
هناك منذ الآن قصص كثيرة عن الجيل الجديد من تجارب الاعتقال. وهي تبرز تصاعد الطابع الإذلالي لعنف المعسكر الأسدي. وهذا، خلافاً للعنف العقابي، عنف منتج للتطرف ومُولِّد للثأر.
مولد أيضاً لنظام للنفس لا يساءل النفس ولا يراجع النفس ولا يغير النفس ولا يلومها. ولا يخرج منها. أناً سجين نفسه لا يستطيع الانفصال عنها كي يعود إليها ويسائلها. بشار الأسد نفسه نموذج: كان موضع سخرية واحتقار في طفولته، وموضع تشكك حتى بعد وراثته سلطة أبيه، فالتصق بنفسه وتحجّر عليها.
وما يولده الإذلال من مظلومية يحول دون الأفعال الانعكاسية، المولدة للضمير. المظلوميات تمنع الخروج من النفس والنظر إليها من الخارج، فتقتل الضمير، وتنتج الأنا المنتقمة، السجانة والقاتلة. الأناني هو الشخص الملتصق بنفسه، الخالي من أي تعدد داخلي. وهو يريد الاستئثار بكل شيء لأنه يظن أنه هو الوحيد الموجود، لا يستطيع الخروج من نفسه ليتيقن من وجود غيره، وليرى نفسه من خارجها.
فإذا كان هناك منذ الآن سجانون آخرون غير السجان الأسدي، فإنهم مُكوّنون من تلك الأنوات الذليلة، التي عادت صغيرة وعاجزة كالأطفال بفعل ما تعرضت له من قسوة، وتعرض كل صَغار الأطفال وأنانيتهم وجبروتهم، وتداري صغارها بالقسوة الوحشية. داعش، وهي مزيج إجرامي من نظام صدام حسين ومن تنظيم القاعدة، لكن أيضاً "جبهة النصرة"، أي تنظيم القاعدة في سورية، و"جيش الإسلام"، وهو تشكيل سلفي مجاهد في الغوطة الشرقية، وهو يدير سلسلة سجون اسمها "التوبة"، كانت من أول ما أقامه بعد انتزاع غيره للمنطقة من سيطرة النظام في خريف 2012، هذه التشكيلات كلها مكونة من أنوات منتقمة، مسجونة في نفسها، وسجانة. "الإسلام" في كل الحالات يوفر سردية تفوق تثبت فعل سردية المظلومية كدرع يحول دون مساءلة النفس.
وهكذا يولد السجن والإذلال شروط تجدده بإنتاج الأنوات السجون، الناقمة، المتقمة والمغلقة على نفسها.
لكن هناك في الوقت نفسه مقاومات متنوعة، مستمرة في الداخل السوري وفي الشتات. هناك من يتمردن ويتمردون على الإذلال، ويتمردن ويتمردون حتى على النفوس المتمردة، هناك مساءلات وتفكر وتفحص للنفس، تفتح لها أبواباً ونوافذ. تُغيِّرها. ويمكن لملحمة الثورة والصراع المدمر والمأساوي أن تؤسس لانعتاق أوسع نطاقاً، لصراع مع الذات وتغير للذات ومساهمة في التحرر العام قد تظهر لها ثمار بعد حين. فلنتخيل أنه خلال عشر سنوات من اليوم أخذت تظهر مساهمات سورية أساسية في النقاش حول الإنسان والعالم المعاصر، ولنتخيل ظهور مساءلات تزداد جذرية للدين عن عدالته ومعناه، و"جهاداَ" ضد الجهاد، يجتهد من أجل التحرر الروحي والأخلاقي، ولنتخيل ظهور مجموعات سياسية فتية جديدة... وهذه كلها احتمالات حية منذ الآن، ألن يدفع ظهور هذه الحركات والذاتيات االجديدة إلى النظر إلى صراعنا المهول الحالي ككسر تراجيدي لأبدٍ مميت، وكقفزة في إنتاج المعنى والثقافة؟ كتأسيس للاستقلال والحرية؟ كثورة كبرى بعد كل شيء؟

وقت كتبت أول نصوص الكتاب في عام 2003، طريق إلى تدمر، كنت آمل أن تكون التوبة فعلاً جمعياً، نطوي به نحن السوريين صفحة مؤلمة من ماضينا، ونكرم ضحايانا، ونقطع الطرق على مصادرة الثأر لمستقبلنا. لم يكن في بالي أن تكون التوبة اسماً لسلسلة سجون في دوما في الغوطة الشرقية، يديرها تشكيل "جيش الإسلام" السلفي، في منطقة محاصرة من قبل الأسديين! وأن تكون سميرة زوجتي، وكانت من قبل في سجن النساء في دوما بالذات، نزيلة في أحد فروعه بعد عشر سنوات.
خطف سميرة، وقبلها خطف أخي فراس من قبل داعش في الرقة في 20 تموز 2013، وقبلهما وبعدهما ومعهما، صديقات وأصدقاء كثيرون، استشهد بعضهم تحت التعذيب، وغيب الكل دون معرفة شيء عن مصيرهم، هو احتراق ثان، كم كنت أود تفاديه. منذ سنوات الاحتراق الأول، كان خاطر إطاقة ما لا يطاق يتردد على بالي. ها هو هنا اليوم، ولا يبدو أني أملك غير العيش معه واختباره إلى النهاية. ومحاولة صنع معنى من هذا العناء الرهيب.