مع أبي حيان التوحيدي في محنته -5- الأخير

إبراهيم الوراق
2016 / 11 / 23

مع أبي حيان التوحيدي في محنته -5- الأخير
شيء من العبرة العطرة تعيدني إلى أبي التوحيدي، ونحن نستعيد معه شيئا من الذكرى، ونستهدي به من حالنا أطياف المنى، لعلنا نتطيب بأعراف حبره التي خلدها في زفيره الملتهب بين سطور حرفه، وهموم طروسه. فالشخص بقيمته العلمية، ومكانته المعرفية، وهو السباح الماهر في كل المعارف التي نشأت في عصره، واختلفت في زمنه، والعصر عصر ظهور الرد على الديانة، وزمن بناء فلسفات جديدة في كل محلات الرعاية. فهو عهد انفتاح، وحروب، وتلاقح، وكروب. وما أعسر اللحظة إذا كانت تدعو إلى عنفوان السلام، وسلامها لا يقوم إلا على قتامة الحروب المقدسة المرام. لأنها نهاية الصراع الذي ينفجر نزوعه حين لا تستقيم الموازين القائمة، ويشعر كل واحد منا بأنه يملك ما يحق أن يكون له عليه حق الامتلاك في الطبيعة الخالدة. هذه المعادلة صعبة في الطي، واللي، وقد لا يدركها إلا المفكر الحذق، والمثقف اللبق. وإدراكها بنزعة ضارية في البحث، يمتعنا بشيء من الصفاء، والنقاء، ويصرفنا عن يأس اللحظة المترعة بفنون الغربة، وصروف الوحشة، لأننا سننأى بأنفسنا عن صراع الديكة على حبة شعير، ولقمة وكير.
ولعل غموضها هو الذي جعل كثيرا ممن رام بناء الظاهر المخضرم على قبول الناس لبزته، أو رفضهم لغرته، لا يتيقن من خطواته التي يمشي بها، ولا يتبين مرمى أنظاره التي يهتدي بها. وربما قد يغتر ببعض ما يناله من علقم المنة، وصاب المقة، ولكنه غير مدرك أن ما انتهى حكمه إلى الناس في صوغه، فالاختلاف أولى فيه من الاتفاق، والافتراق فيه أظهر من الوفاق. وهذا الاتفاق الذي نبحث عنه في تحديد الصفات، وتبريز العلامات، هو الوهم الحقيقي الذي يسيطر علينا، لأننا منذ أن وجدنا، ونحن نبحث عنه، ولما نجده، وأنى لنا ان نعثر عليه بين أرض زرعت الخراب، ورعت اليباب. إذ لو كان موجودا في طبائع الأشياء المتعاركة فينا، لما رفع الناس ألسنتهم إلى السماء طالبين الخلاص من ويلات الأرض المستعرة بالضياع معنا.
هذا الاتفاق المرغوب فينا، لا يجوز لنا أن نفسره بلسان واحد يحمل لوننا، ونعني به الاختلاف في الدين المتعدد المشارب، وإلا أولنا القرآن بظواهرنا المتنوعة المشاعب، وألبسنا معانيه نزيف ذواتنا، وأنجرنا به رسوم عجزنا. فالاختلاف كما يرد في الدين، فهو قد يرد في كل شيء له أثر على الإنسان. وهل اتفقنا على أبسط رسوم الأشياء زمنا محدودا في معانينا الظاهرية، لنكون أقدر على التعبير عن أحلامنا الغائرة.؟ غريب أن الاتفاق حصل في طور الكليات، لا في سبك الجزئيات. لأنها هي المدركة أعيانها، وعليها يقع الحكم بالامتلاك لها، لكونها معان، وما عداها مبان. والمعاني لا تدرك إلا في قوتها على شمولها لمصاديقها، ولا تعرف إلا في استيفاء الحد لمجاهيلها، لأن ما يصدق عليه المعنى في أكبادها، هو الذي تهجره الذات في حدوس أنظارها. وهنا نكون قد وضعنا أيدينا على مكمن الداء فيها، وهو انصراف كثير من حدودنا إلى قاع ذواتنا الممتزجة معها. لأن الاختلاف الحاصل في الجزئيات، هو من نتاج غرسنا لأشجار الخلاف في واحات الكليات. إذ الكليات تصنعها الذات بالتفاف المعاني حول الأشياء الناطقة بصوت الإلهيات، وما وراءها، فهو الحياة المصاحبة لإدراك الإنسان لعالم الطبيعيات.
وإذا أردنا أن ننهي ما تنافر في الجزئيات من معاني الاختلاف حولها، فلنعد بها في غمرة الاندهاش إلى المعنى الجامع لها، وهو المفهوم الذي يمنحنا الدلالة على المراد في اعتبارها. وذلك على القول بأنه يتضمن الكليات، كقولنا: الحكمة، هي جري الأشياء في موردها. والتصوف، هو شرب الأشياء من معينها. وإذ ذاك، سنكون روحيين في تعاملنا مع اللغة، ومفاهيمها، لا ماديين في اقتضاب المعاني، وجزئياتها، وحصرها في قوالب الذات القلقة، وقصرها على الآلام الضجرة. وإذا كنا كما هو مطلوب منا في تركيب لغاتنا بمعانيها الفطرية، انتهى كثير من بؤس العالم المستحر بين أسحار عقولنا المتململة بالقضايا المتكاثرة، والأحداث المتعاقبة. لأن ألمه ألم خوف، وشقاءه شقاء كيف. ولذا صنع ما يأكله للجوع، ثم ادخر ما ينال به الشبع، فطاش به الجشع، فصنع صناعة لا يقبلها الكون حين يتسم الإنسان فيه بتحير الورع.
وإذا كانت الجزئيات تؤدي بنا إلى صراع، لانعدام ظهورها إلا فيما ينزع إلى الطمع، فإن عدم اعتبار لفظ الاختلاف في القرآن قاعدة عامة، وشاملة، سيكون غلطا فاحشا في الأقيسة التامة، والكاملة. فلا يحق لنا أن نبني عليه رغبات عقول الناس في الائتلاف، فنجعلهم لا يرون الدين إلا في الاختلاف، ولا يشهدونه في كل الأشياء التي وطدت لعالم الزوجية، ورسخت لمعاني الثنائية. ومن الغرابة أن العقل الديني في كثير من أدواره، يلتف على نفسه بأقتابه، فيحدث في عمقه أزمة عنيفة، يفجرها حقدا في سبل صونه للمعاني المخزونة في الطبيعة الإنسانية، لأن تفسيره الذاتي لحقيقة امتلاكه للقرآن في مقتضيات العقيدة، والشريعة، على اعتبارها مفاهيم تفوق الإدراك في المحسوسات، والمعنويات، وتسويغه لما يحدث بمقتضى فهمه للروابط والعلاقات المشتركة بين العلل المتعارضة، لن يظهر نجم الأمة مضيئا في سماء الحقيقة، ولا مسايرا لما يحدث بمقتضى الحقيقة التي خلدها الله في الخليقة. وهكذا كل الكتب السماوية، فهي قد جاءت بالمفاهيم التي تستوعب جزئيات الحوادث، وبالكليات التي تحتوي المعاني بالتياث. وانتماءنا إلى أحد هذه الكتب المهذبة للغاتنا في التكليف بالإلهيات، يفرض علينا أن ننظر إلى مآل هذه الكليات، ونهايتها في الجزئيات، وهي الفناء في معنى، والاستقامة في مبنى. وهذا الاعتقاد بوجود نسمة في سير الأشياء بين مدارها، هو الذي يمنحنا روحها، وصفاءها، ويدرّكنا معنى الله في خليقته، وحقيقة الامتثال في أقدس أذواقها، وأمتع أصدافها.
إن كثيرا مما نقدمه من جهد، ونؤكده من كبد، لا يشرح إلا تلك السيرة التي كتبت على صفحة الذات، ونقشت على لوحة الواقع الذي لا تتحقق فيه الرغبات، إلا بمقتضى تصوراتنا، وملزوم إكرهاتنا، لأن إدراك الأشياء بمقتضى السطوة التي تشعرنا بمجاملة عقدة الامتلاك في سطوح عقولنا، لن يمنحنا تاريخا يحق لنا أن نكتبه حين نريد أن نصافح عقول الغد، ونقدم لها وصيتنا على ما أنجزناه من عهد، وورثناه صون وده، وخلدناه بحفظ ذكره. وهنا تكون القضية صعبة الحل عند اختلال الرابط بين الماضي، والحاضر، وابتذال المعنى بين الباطن، والظاهر، لأن الإنسان ولأمر ما، جبر على مقارعة هذه الرغبات التي تؤذيه، وتفنيه، ومنازلة النكبات التي تحرقه، وتدفنه. وما أكثرها في حياته، وما أقساها في لذاته، فهي تريد بقاءها، وهو ينغب في سبل التخلص منها. والحرب تنازله في ضموره، وفي بروزه، والشقاء يجادله في دخوله، وفي خروجه، والخسارة تواضعه في قبضه، وفي بسطه، لأن أتعس محضن صنعه الإنسان لقيد أوابد نزواته المصارمة له في هوج صراع المعنى الحادث بالأبدي، هو هذا المهد المسمى بالمجتمع العدمي، إذ ما أن صنعت الجماعة عقله الحاكم عليه، حتى صار طالبا في الوجود بحقه، فاجتمعت كل الغرائز على صناعة ما يجعلها غير آبهة بالنقمة. ولولا صناعتها لما مزج بين الحقائق بغلبَّة، لما اغتربت فيه عبثية سيره نحو البقاء بشدة. وهو مجبر عليه، ولا محيد عنه، ولو حاول التعيش على قمم الجبال، وأكنان المثال. ومتى ابتغى صفاءه، وارتجى سناءه، فلن يختار إلا كوكبا غير الذي يستوطنه بالآمال الكاسرة، والأحلام الطازجة.
وهنا تكون الغربة فعلا لازما في صياغة اللحظة الآسرة لنا بظلالها الداكنة، وأعباء ضرورية يتوه بها الحائر في وصال الرغبة الجامحة، ويحس بأن ما تحمله من شؤم، وما تعول به من لؤم، لن ينجو منه إلا باستكناه السمو في ذاته، والعلو في همته، وإذ ذاك ينصرف جهده إلى واجب التكيف الذي يلزم منه الحضور في غيابه، والأمل في آلامه، وما لم تكن المحاصصة قائمة بين الأشياء، والمفاعلة بارعة في توقي الأدواء، فإننا سنضيع المعنى البشري في المعنى الإلهي، وسنفقد الربط بين المادي فينا والمعنوي. وحينئذ، لن نقدر على ملازمة السير نحو الحياض المونقة، والرياض المورفة. ومن ثم، فإن ما يغزونا في سيرنا من غموم، ليس إلا نزقا في ذمم ترشح بالسموم. وما دمنا لم نهتد إلى مآل نوقن فيه بالأمان، فإن ما نهابه من عوارض الأوان، لن يمرح جبنه في أعماقنا، إلا إذا فقدنا سر بناء معانينا، لأن سؤال الأين أولى من سؤال الكيف، إذ معرفة نوائب الدهر من أجل المعارف، وما لم نزم طيش الحلم بعقل الغربة، فإننا لن نسير نحو جدد الحقيقة. ولذا قالوا: الصوفي ابن وقته، لأنه يفي بحق فروض زمنه، فيطير حيث حقه يستهوي الطيران، ويحتار حيث يكون المعنى سليب قلب الحيران. وإذا نقبنا في متواتر السير، وفتشنا في نخب الفكر، فإن ما أوردوه في فصل المداراة، هو عين الغربة بين كدورة المعاناة. إذ لو استوى الذوق في إدراك منحنيات الرغبة بين الواردات، لكان الإنسان قاطعا بسيره لمنعرجات الطرقات، لكن استولى الرديء على معاني الأخلاق، فلم يطق عاشق الروح أن يسير في سبيله بلا إرهاق.
وهنا تكون الغربة لاعجا في التفوق، لا مخاضا للتمزق، لأن الإجابة الصريحة عن الأفعال المعتلة، لا يقربها من الصدق إلا تجاوزها للمعاني المختلة. إذ لا تستقيم الإجابة عن معاني اللغة، إلا إذا فقهنا معنى سر الوجود المحلى بالطهر في الجثة، ووعينا كيف تتركب معرات الأخلاق المدمرة في العامة، وكيف تبنى على صلة الأصيل بالآني في الخاصة. وما دمنا لم نعجن هذه المعاني في حقيقتها، ونركبها في طبيعتها، فإن غربتنا ستكون شقاء، وحياتنا ستصير بلاء. إذ لم يحلك الفضاء إلا حين غشي الأعين سواد، ولم يبخس الموجود إلا سطا عليه قبح الأوغاد. لأن التئام الجمع على لبدة الهم الأوكد، لن يسعد إلا من قبض على طرف الحبل المجرور بالوله الأشد. فلا غرابة إذا أحس العالم بعبث الزمن، وهو يشرب حميا نجيع الشجن، ويركب ذلول الوجد بالأمل الخشن، ويرمق زمنا غدا فيه العز لا يقتات بلالة عيشه إلا من جراب الطيِّش. تلك هي الفاجعة التي أربكت السير، وأقعدت الهمم عن نيل مجلى السر، لأن صفاء الروح من نقاء المكامن، وجلاء النظر من ظهور المواطن. ولولا ما في ذلك من أثر على العالم، لما غدا غامض العلم موردا لمتوقد بغدر الزمن الأصلم. فأين الغبن المكروه في صدور العلماء، وهم ما صرحوا إلا بما يضمر بين الأكنان من أنين التعساء.؟ لو أنصفنا من وُصم بالجرح في العدالة، لما شوهد للحلاج دليل في العبارة. إذ ما أتاه من قول الشكاك، لم يكن عنده إلا إيمانا في محل الشك، إذ لو شك، لما أدركنا له إيمانا عند فراغ المحل عن ضده في الإدراك. لكنه آمن، وما بدا لنا من معان، فما هو إلا زفرة على موطن فقد حجة الاستيطان، وغدا مع شؤم الجمع من صميم الأوثان. تلك القدسية حيرت عقل التوحيدي ومن دلف وراءه، وبوبت لأبواب من الأخلاق في زمن هدم الطمأنينة في سكونه. وما جاء منه غريبا، ومستوحشا، فما هو إلا غربة تغدو مع سؤر الكدر وحشا.
وهذا يقتضي أن نتيقظ لدرك أمور كثيرة، وشؤون عظيمة، تراعي عندما نصوب السهم نحو ما نبحث عنه، ونقذفه بعدما حددنا عينه، وأيقنا بجزم أننا لن نخطئه، لأن تعب الإنسان على هذا الكوكب البسيط جرمه، هو جزء مفروض عليه، وقسم مكتوب له، فلا يكون منه إلا خلاصة ما يفيده في حوزته، وعصارة ما يغنيه في إيالته. ولو اكتفينا بما نوقن بنواله من همم تتبارى، لحزنا عمرا نحاربه بغموم تتوالى. ومن هنا، لزمت معرفة قيمة ما يطلبه كدنا المحصور بعمرنا المعدود، لئلا تضيع النفحة في توافه تدني سقم الوجع الممدود، وتقلل قيمة الأشياء التي لم توجد إلا لما فيها من معاني المحدود. فسهل أن تمتلك قلما تبريه، أو لسانا تجريه، أو سيفا تطريه، أو خوانا تدنيه، لكن هل أطاق الصوغ أن يجعل الصولة لما خلقت له.؟ ألم يخلق القلم حرفا.؟ وهل اللسان إلا بيان.؟ أوليس السيف إلا حقا.؟ ولم المائدة نزلت من السماء للهداية.؟ أشياء جميلة تتضمن لغتنا في قعرنا، وفعلنا في عادتنا، وغايتنا في فعلنا. وإذا لم نقدر على إعطاء الحقيقة حقها، فما كان منا نزالا، سيصير فينا جدالا. وهنا، لن يقوم الميزان بالعدالة، ولا المعيار بالهداية. وإذ ذاك، فمن سيسكت صوت الطفيلي إذا نطق، والمهرطق إذا لفق، والشاطر إذا نافق.؟
إذا كنت أستشعر شيئا من معاني الغربة في أبي حيان التوحيدي، فإني لا أغوص في عمقه المتحير، ولا أجوس حول قلمه المتجبر، ولا أحلق في فهمه الدقيق، ولا أتتبع رأيه الرقيق، إلا لأني رأيته متجليا في عمقي، ومتدليا في حلمي، وكأني به يستميل مني جوانح مكتومة أغوارها، ومختومة أسرارها، لعلي أرى أنْ لا شيء أوفى في ميزان المعرفة من قراءة نصوص التاريخ بين ذواتنا، وفهمها بما تتضمنه من حقائق ظاهرنا، وباطننا، لكونها لا تعود إليها الروح إلا إذا سقيناها بماء وعينا، وفكرنا، وحكيناها بأنغامنا، وألحاننا. وإلا، فلا معنى لما مر علينا في المسيرة البشرية، لأن اكتشاف سر المشي على بساط الخلد فوق البسيطة، لن يأتى لنا إلا إذا أدركنا تلك المفاهيم التي أنتجت الظاهرة الإنسانية على اختلاف أنماطها، وتعدد أوضاعها. ومن هنا تكون قراءة أبي حيان قراءة ذاتية، تستوحي ظلالها من شجرة حياة تنافس عقدة الفناء بين الوصل، والصدود، لعلها تستجلي بعد قواعد السير، وآداب الصعود. لأن إدراك بعض المعاني في الطريق الموصل إلى الحقيقة، هو الذي يهبنا بعض نواميس المبثوثة في الطبيعة، ويمتعنا بملح الأسرار المنعوتة بالشريعة. ولذا يغدو أمر الطريق عظيما، وشأنه جسيما، لأنه المحل الأمثل للحركة، والأجل للبركة. وأي حركة لا تقودها الغاية، فهو العبث في محراب العبودية.
ولذا فإن استكناه أثر هذه النواميس على عجزنا، وفشلنا، هو الأصل الذي يعاد إليه عند صبرنا، وصدقنا. لأننا لم نخلق أفرادا، وإنما وجدنا أبدادا، لا يغلو عندنا رأي، إلا وصار فاسد المذاق في جري. إذ في اختلافنا تكمن أوجاعنا، وفي اتفاقنا تموت أعياننا. ومن هنا، فإن الفهم الدقيق، لا ينتج إلا ما هو عميق. ولو بدا حالك المظهر، وعامض المخبر، لأنه حصيد الذات في الوصل، والفصل، ورصيد الفكر في الإملاق، والإنفاق. فهو باستحقاق لا يمكن أن يجارى، ولا أن يبارى، لأن ما أنتجه التوحيدي في إحباطه، يحمل نسمة إخفاقه. فلا غرابة إذا كان الذكاء حيرة، والفطنة شقوة، لأن غربة الوجع في ذات الفهِم للمحاتِد، تكون جرحا إذا غالى الغبن في رسم خطوات الذل نحو الموارد. وإلا، فما معنى أن تفقد الفأل في مهيع ينزف بالتشاؤم، والأفول.؟ أو ما معنى أن تصطاد الرديء في بركة الغباء برسوم التفاؤل.؟ لو كان ذا مسبلا لإزار النعمة، لما خشي طالب بهجته من نواقم النقمة. لكن غيلان الحظ تفت شدة العضد، وتقطع سبل الوصال بجراح تدمي بالكمد. فلا حرج إذا فتش هناك، أو نقب هناك، أو رمى شبكة في نهر، وأحيانا في بحر، أو قذف لحظا نحو السماء، وأحيانا يغرز نظرا في بطن الأرض، أو رفض أشياء، وثار عليها، وأحيانا يمجدها، ويجلها، أو أسبل إزار مدحة على من منحه قطعة علم، وأحيانا يرميه بمنجنيقه، فيرى فيه سبب رزقه، لا قائد معرفته. لأن اختلاف الدور، هو التعب المفضي إلى الألم الجسور، إذ ما نعانقه، لا يكون إلا حقيرا مما نفارقه. فكيف سينتهي الوجع، ولا رفاق تستهدى بهم نسمات المرابع.؟
هكذا كان أبو حيان حين أذهلته الأماكن بما فيها من تغيرات، ودهمته الحوادث بما فيها من تقلبات، فلم يجد سوى ما يقطع دابر حرفه عن رغبة المساكنة، لئلا ينهل من قيح الأخلاق رديء المداجنة. أجل، لم يكن فاقدا لتوازنه، ولو بدا لنا منه ما يثري قولنا باتهام اعتداله، بل طفح كيل العقل عند المراد، فعز الكلام عن الوجع المُعاد، واحتار العقل في درك ما نوى، واغتار القلب في ميز ما طوى، فكان الحرف وجعا، والمعنى دمعا. وهكذا الكاتب الحقيقي، وهو في أمته قبس سماوي، وهكذا كل الناس في الإحساس بالدون، والشعور بالهون. لكن الذي يفرق بين المراتب، ويجعلها أبين في المطالب، هو صناعة الصوت الذي يغري الآماق، ويخرق الآفاق. ولأمر ما قدر على عبقر النبغاء أن يأنف من غدر الديار الكاشحة، ويألم للشظف المعرور بين الأحشاء الكالحة. لأن ظلام الأفق في العقل المميز، لا يدني إلا من الألم المجهز. ولولا ذلك، لما لكان لشؤم المطلع فينا نحس، ولما كان للؤم المكان فينا نخس. ومن هنا، كان أبو حيان معبرا عما تناقض حكمه، وتناسب فعله، لأن ما ينكثه، هو عين ما ينسجه. فكلاهما غريب في العقل المبدع، وعجيب في الوعي المسرع، إذ ما شرعه من سنن، لا يفي فيها الحظ بالمنن. ولذا، كان أبوحيان ناطقا باسم حاله، لا بمعنى مقامه. وهل الأحوال إلا ظواهر للمقام.؟ وهل المقام إلا معنى مضمر في التمام.؟
شيء غريب يصنع في سويداء قلب الكاتب، وشعوره، وهي سيره بين مراح جدوده، وحظوظه، لأنه محكوم لما يسكنه، ومطلوب لما يظهره. فهل استوت الكفتان، ونال بهما التوحيدي المنتان.؟ لو كان الكاتب يشرب من كؤوس ما حبروا، فالأولى به أن يكون شيطانا كما دبروا. فلم العتب، والصفة للبشر، لا لما زوقه النظر.؟ لو وقفنا مع التوحيدي على حافة نهر، ونحن عطشى نطلب الخبر، ولا ناموس يفضي بنا إلى المراد، ولا رغبة إلا فيما يبديه لنا السداد، فهل سننتظر منه أن ييضيء الحلك، لكي نقبض على ومضة الفلك، فنحس بأنه الأوفر حظا في قوله، والأقوى أجرا في فعله. فالعقل لا بد أن يحتار، لأن عقل العارف حائر، ومن قال بأنه متوقف على الثبات، فما عرف أن مرقاة الصعود إلى الحقيقة هي الشتات. إذ لو لم تكن تلك الآلام غصة في حلق العرفاء، لما تواطأ الهم على خرط رسوم العناء بين حدود الأولياء.
إننا بمقدار ما نستجلي صوت التوحيدي في رفض واقعه، فإننا نستجمع ما في أمداء عمقه من معان رشحت في جزل حرفه، ونضحت في جيد صوغه، وهمست به أفياءه الممدودة إلى عمق كل مثقف لا يقبض في حياته إلا على أمل حاسر، وألم كاسر. فلم لا يكون التوحيدي صوت الرفض لجبروت الظالمين، والجائرين.؟ ولم لا يكون لغة الإنكار للتجديف، والتحريف.؟ لو قلنا بهذين الرأيين، وقدرنا ما فيها من حرية الاختيارين، لكنا أقمنا للكلمة الخالدة عرشا في قلوبنا، ولبنينا للحكمة المتعالية أكنانا قويمة في عقولنا. لكننا لم ندرك فحوى الاستفهام في حربه، لنحكم على السؤال بما ينأى بنا عنا محاربته، لأن سؤال العالم المحقق، والمفكر المدقق، لا يدرك إلا في مداره، ولا يؤتي إلا في مأتاه، وإذا ازوررنا عنه، كان الشطط عسفا على مقامه، والغبن نقصا في مرامه، إذ لا يستنبط الجواب إلا من غوره، ولا يستهدى إلى اليقين إلا في ظنه.
ولذا، لزمنا التعرف على قلقه، والتنور بضجره، لأن الزمن تغدو فيه القلاقل صاخبة بآلام كل عقل يبني أس غده من يومه، وينشئ من حطام عمره جسر أمله، إذ الأمل الذي يثنى عليه، ليس هو ما نتقدم به إلى الأمام في دائرة تحرير رأيه، بل في ذلك الضجيج الذي يغري في طوره، ولا نكاد نفسره إلا بتأويل مراده. لأن اصطراخ الأماكن، واصطخاب المكامن، لا يترك الرؤية نافذة، والنظرة صافية. وما دمنا لم ننظر إلى الأفذاذ بهذا النظر، فما نعنيه بالحكم في غلبة الكدر، ليس إلا بصرنا الذي يُري في الأشياء ما يراه صحيحا، ويدني من المعاني ما يخاله صريحا. وما دمنا نحكي زفيرنا الملتهب فينا، فإن ما نحسبه يقينا عندنا، قد يكون ظنا بحكم آخر يعِن لنا. وما نجده مقبولا في صوغٍ محدود لنا، قد نطلقه في نسج مفروض علينا. لأننا في وقع الأقدار علينا، لا نستكنه من المجهول إلا عجزنا عن النظر إلى ما يخفيه فينا. وسواء قلنا بأن الحرمان كان سببا في التوحيدي حين نعق في صوت كالغربان، أو بأنه سخط على القدر، وصار نائحا كالثكلان، أو قلنا بأن مزاجه مكتئب بعزلة تقدسها الأرواح بين غور الفرحان، فإن ذلك كله، لا يخفي إلا توجع زمنه، وتوقع نظره، لأن العصر لا يرد فيه إلا ما هو منه، فلا غرابة إذا التف الجمع على نغم واحد، ما دامت الأرجاء لا تسمع إلا ما فيه وقْد واجد. إذ عزف ما سوى ذلك من أنغامه، لن يقع إلا في حيز بعيد عن مجتمعه. وهنا يكون العالم لسان الجميع، والمعبر عن صوته الرفيع، وعجه الوضيع. لأن همة العالم تتجاوز ما كمن فيها من أحزان، لكي تخالط ما انقدح في الذوات من أدران، إذ لا ميزة إلا لما أقام من صلات، وبنى من آيات،. وإلا، فإن تفسير أبي حيان في خاصته، وتأويله في ذاته، لا يفيد البحث في احتراب أحلامه، واختلاف أحكامه. لأن القول بعجزه عن التكيف، يعني عدم إدراكه لمخاض ما يروج في عمق وطنه من تأفف. والقول بهذا يصيرنا نقرأ منه عدم استواء ميزانه، وإذا ذاك، فأي فائدة لما يفتقه قلمه من معاني محاره.؟
وإذا كان تمزق الباطن بأورام الظاهر، يعني وجود داء عضال في الذات المستحرة بوجع زافر، وجرح غائر، فإن إدراك ذلك المعنى لا يتأتى إلا إذا عثرنا على سمة المعرفة في الزمان، ومدارها في المكان، لأن الاهتداء بهذا الفهم، سيجري آراءنا فيما يفيد العلم، ولو بدا لنا أن ذلك لا يثمر اليقين، ولكنه دليل على وجود شيء يختمر بالحنين، وهو الواقع كالسيف على الرقاب، والنازل كالطوفان على الضراب.
لعل كثيرا مما قيل عند أبي حيان لا يفي بحقه، ما دمنا لا نرى كلية ضالته في ذاته، وهو لا يتحسر في جلوته إلا على واقعه المحبط، ولا يتألم في خلوته إلا لهموم الإنسان المنحط. فكيف لا يكون ثائرا فيما يقول.؟ ولم لا يكون فيلسوفا يجول.؟ ولم لا يكون عالما يصول.؟ أشياء تقف كلها حائرة، وهي تكتوي بآفاق شاحبة، وكأنها الدليل على وجود المعنى في الاغتراب، ولا اغتراب إلا في انتحاب، ولا ضياع إلا في انتكاب. إذ الغربة دليل على اللطف، لا وصف في الدنف. ومن جعلهما سواء في قلب الجاهل، والعالم، فما وفى بحق التمييز بين النور، والظلام. ومن هنا تكون غربته وجودية، وأنظاره تفلسفا في القضايا الإنسانية، وآراءه تجربة فذة تشم منها المعاني البشرية. فلا غرابة إذا قلنا هنا، إن التوحيدي كان خلاصة عمقه، ونُقاية حرفه، ونخالة زمنه. لأن الحرف زمان الذات، والصوت مكان اللذات، وكلاهما يعبران عن معالم الإنسان وجودا، أو عدما، ويعبران عن مهامه الذات حالا، أو مقاما. وإذا قلنا بهذا، فإن المثقف لا يخلو من غربة، ولا يجلو من علة، بل كأني به يتحرك وجلا بين الدروب، وهو لا يخشى إلا من رماد الحروب. وأي اغتراب أعظم مما جُبر العالم على وضعه وصفا له بين الصفات.؟ بل أي اغتراب أعظم من أن تمتح في ذاتك خمرة بشريتك، ويرى فيها غيرك أصنام إلهيتك.؟
إن نمط العلاقة القائمة بين ذات العالم، وذات غيره في الطبيعة، وطرق بناء الصلات فيما بين العامة، والخاصة، قد أتعب كثيرا من الهمم السامقة، وأربك رسيم الآراء الباقرة، لا لكونها قد انبنت على المشاححة، والمنافرة، بل لكونها تتضمن وعي الإنسان في المواصلة، والمقاطعة، لأن ما يربط بين الدوائر كلها، لا يفهم إلا في حدودها، وما لم نفهم الحد الذي تقوم به الأفكار، فإننا لن نصل إلى حقيقة تعدد الأطوار. إذ تتجدد العلاقة بتجدد الوعي، وما لم يحصل المعنى الذي يجمع الصوت الدوي، فإن صياغة العلاقة بفكر غير موفق، لن يجبر الكسر فيما نرتقه من وفاق. إذ الحقيقة تقتضي أن نحدس بحاد النظر إلى ما تركب في الذوات من أسرار، فنخلص إلى صور المعاني المختلفة الأسوار. لأن التعبير عن الصفاء في الدائرة الإنسانية، لا يتحد إلا في الاختلاف حول المعاني البشرية. ولذا، فإن صورة الكون في العالِم، بل كل الصور التي تحث على منهج معين في الصوغ، والفهم، ليست كصور غيره عن الله، والوجود، والكون، والطبيعة، والحياة، والزمان، والمكان، والإنسان. لأن صور العالِم محررة من قيد التقليد، ولذا، لا يستقيم أمره إلا إذا سفه ما حقه التفنيد، ولا يستوي شأنه إلا إذا بين ما حقه التجريد، ووضح ما سبيله التحديد.
وهنا يكون العالم في صراع، والرأي في نزاع، لأن صور العامة، ولو ظهرت في وصفها كلية، فهي محل التعدد، وموئل التبدد. إذ هي التصوير للمعاني الكبرى، والمفاهيم العظمى. ومن هنا نكون أمام صور تترى، وأحلام شتى، وأوهام تتوالى، وأخلاق تتوانى. لأن العامة لم تكن للعالم في غالب جراح سؤالها عضدا، والعالِم لم يكن للعامة في جل أحوال كدره إلا سندا. وهنا تنافر الحظان، وتوافر الضدان، لاحتواء ذا على الرحمة، والتئام ذاك للشفقة. وكلاهما صوغ في الأحداث المتعاقبة، ونسخ لما طوته الصدور المتعاركة. إذ وجودهما لا يفهم إلا من تناقض الموارد، وتحارب المقاصد. ولولا ذلك، لما هتفنا إلا بلسان واحد اللغة، ولما نادينا بصوت محدد الغاية. لكن وجع اللغة في الإنسان المختار، لا يسدي إليه إلا الرأي المحتار.
وختاما إن أزمة الاغتراب التي يعيشها المثقف العربي، لاسيما في زمن مترع بالفجع، والوجع، لا يعني سوى أننا نعيش أزمة ثرة بالألم المستوحش في الروح، والعقل، والنفس، والفكر، والمعنى، والمفهوم. وكل واحدة من هذه الأزمات، تغرقنا في يم الصراعات، وتفرقنا بين المساحات، وتجردنا من أوصافنا، وتدنفنا في أخلاقنا. ولذا نستحضر أبا حيان التوحيدي كعلم من أعلام التاريخ الإسلامي الزاهر بالآداب المتآلفة، وفهم من الفهوم التي تفاعلت مع واقعها المتشظي بين فرق ونحل متعاركة، تبحث لها عن موقع في القرارات السياسية، والتدبيرات الوقتية. ومن هنا يكون الحنين فينا أملا نحو بناء مجتمع إنساني، تسوده المحبة، وتعلوه المودة، وتسوسه غايات جميلة، ومعان جليلة، تجعل هذا الكون متنغما بالشوق، ومتبسما بالعشق.