اليوم العالمي للفلسفة: أين نحن؟!

سامي عبد العال
2016 / 11 / 22

لا يُجسد هذا العنوان احتفاءً العالم بإبداع مهم فقط. لكنه يترك تساؤلاً إزاء الموقف منه: أين نحن تجاه كل ما يجري؟ ولئن كان ثمة اهتمام بالفلسفة فهي كذلك بمقدار الاسهام فيها. لا بمجرد التلهي الثقافي بإنتاج الآخرين كبضائع رمزية عابرة للقارات. لقد درجنا على جلب الأفكار من هنا وهناك. وحولنا المجتمعات العربية إلى اسواق لمعلبات العقل الغربي. فضلاً عن استيراد أساليب التفكير ومناهجه. فأضحت الاتجاهات والمذاهب الفلسفية ماركات عالمية تزخرف رؤوس العرب والمسلمين.
الطرافة أنَّ الوضع أمسى كالطربوش الشرقي والعمامة المصرية السودانية والعقال الخليجي والشنَّة المغربية. فأضحى غطاء الرأس علامة الخُيلاء والزهو. لكن كيف لهامات بأوصاف سيميائية أن ترتفع دون قوام فكريٍّ حقيقي. صحيح أن مواكبة الحضارة أمر ضروري بل يستحيل تركه إطلاقاً. لأنَّ ما هو كوني بمعناه الثقافي المتنوع علينا أن نجددَّه داخلنا يومياً. وينبغي كذلك أن نبتكر استقباله اكتشافاً وضيافةً وابداعاً. بيد أننا- في الوقت عينه- جئنا به كما هو. وقد حفظناه كـ" الحمار يحمل أسفاراً". وطبعاً تفهم الذهنية العربية الاسلامية قولاً كهذا جاء بالقرآن!!
الفلسفة أكثر مجالات الفكر كشفاً لطبيعة الشعوب وتحولاتها. لأنَّ بومة الحكمة، بومة منيرفيا، لا تنعق -كما يقول هيجل- إلاَّ وقت الغسق. الصوت الذي يمثل نذيراً لما هو قادم في حياة المجتمعات الإنسانية. بذات المعنى تواصل النعيق إذا تتبعنا خريطة التفكير العربي. حيث انتشرت الأصوليات العنيفة باسم الدين. وتجذر التخلف كمرض عضال لا نبرأ منه. وخيم ركود الرؤى فلا تتطلع نحو المستقبل. وانغلقت العقول تحت حمأة الصراع المذهبي والطائفي. وحل الربيع العربي بكل قتلاه وضحاياه.
أليس الاحتفاء العالمي شيئاً مهماً إزاء ما هو إنساني؟ التفلسف قضية حيوية بل أكثر أساسية من أشياء أخرى. إنّها تصقل قدرة الإنسان على مراقبة المصير ومزاحمة الفناء. لقد اعتبر أفلاطون الفلسفة مرانا على الموت. فكيف بشعوب يمرح بينها الموت جيئة وذهاباً دونما أن يستوقفه أحد أو يتأمله؟! الفلسفة علامة بارزة على صحة العقول. لو كانت الفلسفة حاضرة بقوة في الحياة العربية ما كان للإسلاميين لينشروا ترهات الوعود الذهبية بالحكم الرشيد واستعادة العصور المثالية لماضي العصور الاسلامية. لأنه لا يوجد عصر أيا كان يسمى بذلك. ويصعب تحديد هذا العصر أو ذلك باختلافه وصراعاته وتناقضاته على هذا الغرار. ولكانت الفلسفة قد أسست وعياً نقدياً يفرز المواقف. ويؤصل لعقلانية منفتحة.
والعقل الصحيح يستطيع التفكير بحرية. بينما ستعتل صحة الأجساد إذا كان العقل مريضاً. لقد كان شعب اليونان مخترعاً لصنف نادر من الرياضة اسمها الألعاب الأولمبية. ليس ذلك ضرب عشواء. لأنه اليونان الذي أحب الحكمة هو اليونان نفسه الذي أسس فلسفات للعالم والحياة والإنسان. أي اليونان صاحب الفيلوسوفيا philosophia. وكل فلسفة تنقل –إلى درجة الوضوح- قوة الأبنية الجسمية والعقلية الهادرة لشعبٍ ما. أما الهُزال الفكري فلن يكون إلاَّ جيناً وراثياً لمزيد من الانهيار والتدهور.
الدليل أنَّ اليونانيين اعتبروا غرباء المدينة- كأثينا مثلاً- برابرةً. أي يعد متطفلاً على النقاء الروحي والفكري للشعب الأثيني. وكذلك رأى هيدجر أن ثمة علاقة روحية خالصة بين اللغة الألمانية واللغة اليونانية القديمة. على أساس التعبيرات الماهوية عن الوجود من جهة. وعلى أساس أن الشعر وهو التقنية الفلسفية الأولى بتجلياته في الثقافتين الإغريقية والجرمانية من جهة تالية. نفس المسألة طرحها هيجل تحت مسمى روح الشعب. فالشعوب لها روح مميز بقدر مشاركتها في المجرى الفكري للتفلسف. وهي إذ ذاك تجسد طابعاً خاصاً يترك العالم فيه أصداءه. أي داخل إنتاج الحياة وابداع مفرداتها. كما يتجلى خلال الفنون الشعبية والأساطير والأشعار والحكايات الأدبية واتجاهات التفكير.
من جهة أخرى لم يقصد أفلاطون أنَّ الفلسفة تسبب موتاً من وراء عبارته. ولكنه ربما يقصد عدة أشياء. أولاً: أنَّ الفلسفة تستكشف المصير الإنساني بالتفكير الكلي النافذ. ثانياً: تعطي العقل مرونة لتصور النهايات القصوى للعالم. فالتفكير يتوقف حال إدراك اقتراب الختام من لحظة الانغلاق. ثالثاً: الموت قوة خفيه تحتاج إلى جلّد ومران قوى على اللاشيء. وكما يؤكد هيدجر فإنَّ العدم nothingness ليس شيئاً مادياً. لكنه الإحساس المرعب بفقدان الوجود وضياع الامتلاء إذ يعانيه الانسان. والمجتمعات العربية الاسلامية يتهددها هذا العدم. على الأقل هذا العدم الحضاري الذي يترصدها كفوهة بركان. وأن الإرهاب الديني ظاهرة في الصراعات الايديولوجية وفي بالنكوص الفكري.
ثالثاً: أن الابداع الفلسفي يوازي الخلود. لأنَّه صناعة الإنسان لعالمه الموازي لعالم الآلهة. بل هو ابداع لعالم مختلف يؤنسن الأساطير والوجود. وهو نوع من التوحد بالفيزيس physis. وهي كلمة يونانية تعني القوة النامية في الأشياء والكائنات. فمن يتفلسف يعشق شيئاً طبيعياً توحداً بالإمكانية القصوى للوجود. وبالتالي إذا جاءه الموت سيكون قد فارق إمكانية النيل منه. لأنه وضع نفسه في طريق اللانهاية العصية على الإفناء. رابعاً: أن التفلسف يعني العيش في النور. وإذا كان الظلام، هذا الكهف الأفلاطوني، يحل كالموت، فإن الفلسفة انكشاف وتجلي خارج نطاقه.
خامساً: التفلسف ولادة مستعادة باستمرار. كما كانت النباتات تنمو وتستزرع وتكرر دوراتها في شكل العود الأبدي بمفهوم نيتشه. والموت بهذا المعنى لا يستطيع التغلب على الفيلسوف لكونه كلما يموت سيظهر بدورة أخرى من الحياة كحال الطبيعة في الثقافة الشرفية القديمة. سادساً: التفلسف يؤجل الموت والفناء. هذا التأجيل لا يخال الموت يوماً مغالبته أو طرحه أرضاً. لأن الموت سيهزم الشيء غير المؤجل، المنتهي بعوامل ذاتية. وحالما يفعل ذلك لن يجد موضوعاً في التفلسف. لأنَّ الأخير أفق طويل بلا نهاية محددةٍ. واتساع بلا سقف وعليه فهو كعمل فكري خارج التوقعات.
سابعاً: التفلسف فعل مقاومة شرسة لكل قوى الشر. إنه يقاوم عوامل الانسحاق والانهزام. ثامناً: الفلسفة ترسم الأمل في عالم أفضل بتعبير كارل بوبر. عالم أفلاطوني مغاير لحياة الزيف والصور الفانية. وبالتالي ستساعد الفلسفة على اجتياز محن الحياة. وستهوّن مصيراً مؤلماً. تاسعاً: أن الفلسفة تخفف الآلام الإنسانية وتهدهد وجوداً قلقاً. باعتبار الآلام جزءاً من الوجود الإنساني المشترك. فإذا عرف أحدُّنا أن الجميع سيموت ربما سيواكب نفس الشيء نفسياً.
اليوم العالمي للفلسفة يرتبط بالتزامن المفترض بين بني البشر. كمحاولة التقاء على رصيد تاريخي من تأسيس لمعاني الإنسان. أي فعل فلسفي حقيقي يضيف إلى هذا الرصيد شيئاً ذا قيمة. فما مضمون أن نتزامن في إنسانيتنا؟ إنه تأشير للعقول على عقارب الساعة الكونية نحو الاختلاف والثراء اللذين يميزان حياتنا.
واليوم المشار إليه بالعنوان مقصود لتحديد ماذا سنقدم نحن لبعضنا البعص في حياتنا. وكيف أسهمت الفلسفة في فكرة الإنسانية التي قال عنها كانط إنها كالنجوم المتلألأة. شيئان يأخذان بلُبي كما قال ويبعثان على الرهبة: القانون الأخلاقي داخل صدري والسماء المرصعة بالنجوم فوقي. الإنسان غدا قانوناً كونياً يواكب حركة الأفلاك في إدهاشها وسموها. وبقدر ما يشعر الإنسان بوجوده الممتد كونيا يرى نفسه إنساناً حقيقياً. الفلسفة تستطرق تلك الوضعية داخل البشر جميعاً بلا انقطاع. إنها التفكير المغاير وصولاً إلى الفضاءات النائية والمجهولة من العقل، الوعي، الحقائق، التاريخ.
من هنا جاء ارتباط الزمن بالعالم في الاحتفاء بالفلسفة. فالاحتفاء استعادة زمن العالم حينما يكون معروضاً للجميع. وهذا العرض عرض راهن بشكل دائم. أي هل يعيش الإنسان في أي مكان زمنه الكلي أم لا؟ ذلك لأننا نرى قطعان البشر الداعشي يعيشون أزمنة أخرى. ويجترون نصوصاً دموية غير نصوص الفلاسفة المعاصرين الأكثر انفتاحاً على كافة الحيوات. فالعالم هنا بصيغة الجمع مقصوداً هكذا ليس أكثر. لأنه ليس فكرة خارج الإنسان، العالم حاضر عبر وجوده اليومي. كما أنه ليس ترفاً بالنسبة لمن يتفلسف. ولا هو كذلك لمن يحيا داخل أية ثقافة ولو كانت محلية. العالم يقتحم حياتنا في كل لحظة. لا مفر منه وبخاصة مع وسائل الاتصال والعالم الافتراضي. المسألة باستمرار: كيف نحتفي بالفلسفة ابداعياً؟!