النبى محمد فى حوار مع ال (سى إن إن ) عن القصص بين القرآن الكريم والعهد القديم

أحمد صبحى منصور
2016 / 11 / 22

قال المذيع : أنت تعرف التوراة لأنها كانت موجودة فى عهدك ، ولكنك لا تعرف العهد القديم بأسفاره .
قال النبى محمد عليه السلام : صدقت
قال المذيع : السفر الأول من العهد القديم هو ( سفر التكوين ) وهو أشبه بكتاب تاريخى يقع فى خمسين إصحاحا ، يبدأ بخلق السماوات والأرض ، وخلق آدم وحواء وهبوطهما الى الأرض وقصص الأنبياء بالترتيب من نوح الى قدوم يعقوب ( إسرائيل )وبنيه الى مصر تلبية لدعوة ابنه يوسف وموت يعقوب فى مصر . ليبدأ سفر الخروج التالى بقصة موسى وخرجه ببنى إسرائيل من مصر . ثم قصص بنى اسرائيل بالترتيب الزمنى . ليس هذا الترتيب الزمنى موجودا فى القرآن
قال النبى محمد عليه السلام : هناك ترتيب زمنى فى قصص الأنبياء .
قال المذيع : كيف ؟
قال النبى محمد عليه السلام : هناك قصة خلق آدم ، وقصة ابنى آدم وقصة نوح ثم هود وصالح وشعيب وابراهيم ولوط واسماعيل ويعقوب ويوسف ثم موسى وهارون ودواد وسليمان وزكريا ويحيى ثم عيسى .
قال المذيع : ولكن القصص فى العهد القديم مرتب . صحيح أنه يتخلله بعض التشريعات كالتى جاءت فى أسفار اللاويين والتثنية والعدد وغيرها وهى تقطع السياق التاريخى ، ولكن القصص القرآنى مشتّت فى القرآن كله . قصة آدم تكررت فى سور البقرة والأعراف والحجر والاسراء والكهف وطه و(ص ) . وتكررت قصة نوح والأنبياء هود وصالح وشعيب ولوط فى سور الاعراف وهود والمؤمنون والشعراء والصافات والقمر.
قال النبى محمد عليه السلام : هذا صحيح . مع وجود ترتيب زمنى فهناك سور خاصة ببعض الأنبياء دارت كلها عنهم ، مثل قصة يوسف فى سورة يوسف ، وقصة نوح فى سورة نوح . وهناك قصة موسى مع فرعون وبعد فرعون وقد تكررت كثيرا من السور المكية مثل الاعراف ويونس طه والشعراء والقصص والسور المدنية مثل البقرة والمائدة والصّف والاحزاب . وهناك قصص متتابعة للأنبياء نوح وهود وصالح وشعيب فى سور مختلفة .
قال المذيع : لماذا هذا التشتت فى قصص الأنبياء فى القرآن ؟ لماذا لم يكن فى القرآن تجميع لقصة كل نبى فى سورة واحدة مع الالتزام بالترتيب الزمنى كما فى العهد القديم ؟
قال النبى محمد عليه السلام : أنت قد قلت إن هناك من كتبوا العهد القديم . ولأنهم يسجلون تاريخا فالعادة أن كتب التاريخ تتبع هذا المنهج فى ترتيب فصول التاريخ من البداية وما بعدها الأقدم ثم ما يليه .
قال المذيع : لماذا لم يلتزم القرآن بهذا المنهج التاريخى ؟
قال النبى محمد عليه السلام : لأن القرآن الكريم ليس كتابا فى التاريخ ، بل هو كتاب فى الهداية والوعظ والدعوة الى أنه لا إله إلا الله . ومنهج القصص القرآنى خاضع لهذا الهدف .
قال المذيع : وكيف يخدم تشتت القصص القرآنى فى موضوع الدعوة ؟
قال النبى محمد عليه السلام : ليس التشتت وصفا مناسبا . قل التكرار ، فقد تكرر قصص بعض الأنبياء وتكررت ذكر بعض الأحداث طولا وقصرا .
قال المذيع : وكيف يخدم التكرار الدعوة للهداية ؟
قال النبى محمد عليه السلام : الانسان ينسى ، وهو قابل للوقوع فى الضلال ، لذا فإن التكرار من منهج الدعوة حماية للضعف الانسانى وقابليته للسقوط . ولا تنس أن أغلبية البشر يتبعون الباطل وهم مُضلّون ، وهذا التكرار حُجة عليهم لأنه يتابعهم بالتذكير والتنبيه والتهديد والتحذير .
قال المذيع : ايضا القصص فى العهد القديم يحرص على ذكر الأسماء ، بل ينُصّ على عشائر بنى اسرائيل وأسباطهم ، كما يحرص على ذكر الأحداث بأسماء الأشخاص وتحديد المكان والزمان . وليس هذا فى قصص القرآن . لماذا ؟
قال النبى محمد عليه السلام : هو نفس السبب . فى التاريخ لا بد أن تذكر فى الحدث التاريخى أسماء المشاركين فيه وتحدد الزمان والمكان . ولكن القصص القرآنى ليس تأريخا . هو قصص يهدف للهداية والعبرة . لذا يقوم بتخليص الحادثة التاريخية من قيود الزمان والمكان وأسماء الأشخاص حتى تكون قصة للعبرة فوق الزمان والمكان يهتدى بها من شاء فى أى زمان ومكان ، وتنطبق على كل زمان ومكان وكل مجتمع . فما قاله كفار قوم نوح ينطبق على كفار اليوم . ولذا فإن وصف الكفار والمؤمنين والمستضعفين والمجرمين والمتقين ينطبق على كل مجتمع . أما التاريخ المكتوب فى العهد القديم فهو يمثل أصحابه فى زمنهم . هو مجرد تاريخ .
قال المذيع: القصص فى القرآن يتشابه ويختلف مع القصص فى العهد القديم . وهذه مزية تُحسب للقصص القرآنى . لأن المفترض أن القرآن نزل بعد التوراة وبعد قرون من المسيح ، والمنتظر أن ينقل عن المكتوب فى التوراة أو العهد القديم قصص آدم وحواء وقصص الأنبياء . ولكن هناك إختلافات هائلة . أليس كذلك ؟
قال النبى محمد عليه السلام : هناك إختلافات أساس ليس فقط فى المنهج بل أيضا فى الموضوعات الرئيسة وفى التفصيلات .
قال المذيع : كيف ؟
قال النبى محمد عليه السلام : هل ذكر العهد القديم قصص النبى هود مع قومه عاد والنبى صالح مع قومه ثمود ، والنبى شعيب مع قومه مدين ؟
قال المذيع : لا .
قال النبى محمد عليه السلام : كذلك لم يذكر القرآن الكريم كل أنبياء بنى اسرائيل . كما إن هناك إختلافات كثيرة فى تفصيلات الأحداث فى القصص الذى تعرض له القرآن الكريم وما تقول عنه العهد القديم .
قال المذيع : لماذا هذا التركيز على الشرق الأوسط فى القرآن وفى العهد القديم ؟ هل لم توجد أنبياء إلا فى الشرق الأوسط وبنى اسرائيل وذرية ابراهيم ؟ ماذا عن أغلبية العالم فى آسيا وأوربا والأمريكيتين واستراليا وأفريقيا ؟
قال النبى محمد عليه السلام : هناك قصص عالمية يشترك فيها البشر جميعا مثل قصة آدم وإبنى آدم وقصة نوح . ولكن الله جل وعلا لم يذكر كل الأنبياء . قال لى ربى جل وعلا : ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ) النساء 163 ) لم يذكر أسماء النبيين بعد نوح . والبشر كلهم من ذرية نوح . قال جل وعلا عنه : ( وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ ) 77 ) الصافات ) . من الأنبياء من ذرية نوح ذكر رب العزة قصص بعضهم ، وقال جل وعلا فى نفس الأية : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) 163 : 164 ) النساء ) . وذكر أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير : (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) 24 ) فاطر ).
قال المذيع : ولكن كان ينبغى ذكر أسماء وقصص بعض الأنبياء من الصين والهند وأفريقيا والأمريكيتين واستراليا .
قال النبى محمد عليه السلام : عليك أن تتذكر أن القرآن الكريم ليس كتابا فى التاريخ يرصد تاريخ الأنبياء فى العالم كله ، بل هو كتاب فى الهداية . وعليك أن تتذكر أن الله جل وعلا يتكلم عن صفات وليس عن شخصيات. وبالتالى فإن ما يذكره رب العزة فى القصص ينطبق على الماضى الذى لم يذكره القرآن الكريم وعلى الحاضر والمستقبل الذى لم يذكره القرآن الكريم . ولقد قال لى ربى جل وعلا : ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) 43) فصلت ) . أى ما يُقال لى من وحى القرآن الكريم وما يقال لى من تكذيب الكافرين قيل للرسل من قبلى سواء كانوا فى الصين أو فى الهند أو أمريكا . ثم لا تنس حقيقة أخرى .
قال المذيع : ما هى ؟
قال النبى محمد عليه السلام : إن الله جل وعلا لا يرسل رسولا إلّا بلسان قومه ، أو باللغة التى يتحدث بها قومه ، قال جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) 4 ) ابراهيم ) . ونزل القرآن باللسان العربى لعل العرب يعقلون . قال ربى جل وعلا : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) 2 ) يوسف ) ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) 3 ) الزخرف ) . أى لعلهم يهتدون. وجعله ميسرا للهداية ليتذكروا ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ) 17 ) القمر ). بالتالى ليس منتظرا ان يأتى ذكر لأنبياء فى مناطق مختلفة فى العالم ولها أسماء مختلفة عن أسمائها اليوم . ثم لا تنس حقيقة أخرى .
قال المذيع : ماهى ؟
قال النبى محمد عليه السلام : أن الأنبياء المذكورين فى القرآن وفيما تسميه بالعهد القديم اصبحوا معروفين فى العالم كله اليوم ، والآن أغلبية سكان العالم يعرفون القرآن والتوراة والانجيل .
قال المذيع : هل هناك فرق آخر بين القصص فى القرآن والقصص فى العهد القديم ؟
قال النبى محمد عليه السلام : القصص فيما تسميه بالعهد القديم ينتمى الى التاريخ الماضى فقط . والقصص القرآنى تتنوع فيه الأزمنة . فيه قصص عن الماضى من الأمم السابقة والأنبياء السابقين ، وفيه قصص معاصر لما كان يحدث ، أحداث تقع فينزل القرآن الكريم يعلق عليها ، أى هو تاريخ معاصر لوقته . ثم كان القرآن الكريم ينزل ينبىء بأحداث ستقع ، بعضها وقع فى الدنيا مثل إنتصار الروم بعد هزيمتهم : ( غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) 2 : 5 ) الروم ) وقد تحقق هذا بعد نزول الآية ببضع سنوات . ومثله حديث رب العزة عن علامات الساعة وأحداثها وما سيحدث فى اليوم الآخر .
قال المذيع : من لا يؤمن بالقرآن ثم يقرأ القصص القرآنى يتعجب ، ويتساءل كيف لك وانت رجل من العرب عاش فى القرن السابع الميلادى أن يعرف كل هذه التفصيلات التاريخية الماضية ، ولم ترد إلا فى القرآن ؟
قال النبى محمد عليه السلام : هذا هو الدليل على أننى لم أؤلف القرآن ، بل هو تنزيل رب العالمين ، إن فيه إعجاز الغيب فى القصص القرآنى ، وهذا الغيب لا يعلمه إلا الله جل وعلا ، وقد أخبر به فى القصص القرآنى ، وقال لى ربى جل وعلا عن غيب قصة نوح : ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) هود )، وعن غيب قصة يوسف : ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) يوسف )، وعما حدث فى قصة مريم فى طفولتها : ( ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) 44 ) آل عمران )، وعن الغيب فى قصص أخرى قال لى ربى جل وعلا : ( وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) 44 : 46 ) القصص ).