الطقوس الدينية صناعة بشرية

محمد علي مقلد
2016 / 11 / 22

تتشابه الطقوس الدينية إلى حد التطابق، لا في مجتمعات الأديان السماوية فحسب، بل في سائر المجتمعات التوحيدية، في الأديان الشرقية، البوذية والهندوسية والكونفوشية، كما في المراحل الأخيرة من حكم الفراعنة. حتى أن بعض الطقوس الدينية تجد جذورها في حضارات قديمة كالآشورية والبابلية، إن لم نقل جوازاً إنها موروثة عنها.
"التضحية" هي الطقس الأبرز. كان البشر يضحون بأغلى ما عندهم للآلهة. ثم تأنسنت التضحية وأخذت شكلها النهائي عند المسلمين في عيد الأضحى الذي حمل اسمها، من غير أن تلغى أشكال أخرى كالنذور التي تقدم للأولياء أو توضع في المعابد الدينية، إلا الطقوس الدموية الكربلائية، فهي لم تستمر فحسب، بل أخذت تتجدد منذ بدايات القرن الماضي وخضعت لتعديلات وتطويرات تتطلبها عملية التعبئة بقيادة الشيعية السياسية انطلاقاً من إيران مروراً بالعراق وصولاً إلى لبنان.
كبار الفقهاء أفتوا بتحريم تلك الطقوس الدموية، حتى أن الإمام محمد مهدي شمس الدين لم يتردد بتشبيهها بالمخدر، وكأنه يكرر، عن غير قصد، كلاما منسوباً إلى ماركس عن أفيون الشعوب. لكن تلك الدعوات لم تلق آذاناً صاغية في الوعي الشعبي، بل، إن دموية الطقوس تتفاقم عاما بعد عام منذ ثلاثة عقود، حتى شمل التطبير الأطفال والرضّع.
هذه الظاهرة تثبت أن الطقوس التي تعبر عن معتقدات دينية، تنبت من جذور غير دينية، وأن عوامل زوالها أو تجددها أو تراجعها ليست بنت الشريعة ولا هي تعبير عن إيمان ولا هي من أصول الدين، بل هي جزء من حاجة القوى السياسية والاجتماعية إلى ترسيخ نفوذها في الوعي الشعبي، ثم إلى توظيفه، بالتالي، في عملية الصراع على السلطة، خصوصاً أن شرط الشعائر والطقوس أن تكون جماعية، وأن ممارستها الجماعية تحيل إلى آمر ومأمور ، وإلى سمع وطاعة ينفذها المؤمن في المساجد على طريقة الجندي أمام القائد العسكري( تحية الإمام الغائب، أو قراءة الفاتحة في مناسبات التعزية، "مسبوقة بالصلاة على محمد وآل محمد"، أو حلقات الذكر الصوفية والموالد)، هذا فضلا عن الزي الموحد لرجال الدين، ومثله للمراهقين المنظمين في حلقات كشفية تابعة لأحزاب الاسلام السياسي.
بهذا المعنى، تلعب الطقوس دور "النظام المرصوص" في العرض العسكري، وتتحول الاستجابة الجماعية إلى شكل من التنظيم يشحنه المرشد الروحي بالنصوص "المقدسة" ويحوله السياسي إلى شحن مذهبي وتعبئة إيديولوجية يحتاجهما كل تنظيم حزبي. أما الاستقواء بالنصوص المقدسة، ولا سيما في الطقوس الشيعية فمرده إلى أن ميزان القوى السياسية والعسكرية لم يكن في صالح الشيعة خلال حكم الخلافة الأموية والعباسية، فكان لا بد من الاستقواء على الخصوم بنصوص دينية من القرآن والسنة.
العودة إلى النصوص شكلت، مع الزمن، ظاهرة خطيرة على الفكر وعلى العلاقات الاجتماعية وعلى أشكال الصراع السياسي، لأنها غلبت النص على العقل وأنبتت الأصوليات المتنوعة، الدينية في البداية ثم القومية ثم اليسارية، حتى وقعت النهضة في العالم العربي ضحية أصوليات تبحث، في الكتب لا في الحياة والواقع، عن حلول لمشاكلها المستعصية، وراح كل منها يحيط نصوصه بهالة من قداسة لا تلبثت أن تتدرج من النص إلى حامله، رجل دين أو قائداً حزبياً، ثم إلى الطقوس والشعائر التي اختزلت، في الوعي الشعبي، الشريعة والقيم الدينية كلها والإيمان، أيضاً.
ظاهرة الأصوليات ونصوصها المقدسة شكلت عائقاً أمام أي تطور في مناهج التفكير والبحث العلمي؛ ذلك أن الفكر البشري الذي دعاه الكوجيتو الديكارتي إلى التحرر من سطوة الإيديولوجيا الغيبية والماورائية، كان يصطدم بفكرة القداسة التي منحت القائلين بها من الأئمة والمشايخ والمبشرين وسائر العاملين في الحقل الديني كالمؤذن وخادم الجامع، أو المنخرطين في أحزاب دينية،أو في الأحزاب الإيديولوجية، حق تفسير الآيات وتأويلها والإفتاء بكل شيء، بدءاً من الطب وعلوم الفضاء، مروراً بالقضايا السياسية الشائكة، وصولاً إلى التكفير والقتل وإلغاء الآخر.
وراء تقديس النصوص والطقوس رغبة في القبض على السلطة السياسية أو الدينية أو الثقافية. ينطبق ذلك على كل طامح إلى سلطة أو طامع بها. لجأ الشيعة إلى هذه الوسيلة تعويضاً عن اختلال القوة، فاستندوا إلى إشارات دينية عن "آل بيت النبي" ليحظى "الأئمة" بعصمة لا تكون إلا للأنبياء، ولا تكون لهم لكونهم بشراً بل لكونهم أنبياءً، ولينال كل المتحدرين من سلالة النبي محمد، ومن دون إثباتات علمية لصحة النسب، قسطاً من القداسة، فيصير الواحد منهم "سيّداً" بالوراثة.
من قداسة النص إلى قداسة القائد إلى قداسة الطقوس، تتكرس وحدانية المنهج والسلوك وطرق التفكير ويتم إلغاء الرأي الآخر والتنوع والتعدد، ويرمى الحظر على كل فكر نقدي أو مخالف للجماعة. وقد عمد القائلون بالقداسة إلى تأويل النصوص في خدمة سلطاتهم الدينية والسياسية، وإن لم يجدوا النص المناسب في القرآن بحثوا في السنة وفي سيرة السلف. بدأ تحريف التأويل والتفسير في الآية السابعة من سورة آل عمران، فأشاع المؤولون في الوعي الشعبي جزءا من الآية ينص "...وما يعلم تأويله ( القرآن) إلا الله والراسخون في العلم..." ويتوقفون في قراءتها عند هذا الحد ليوهموا السامع أن رجال الدين هم الراسخون في العلم. لكنهم في ذلك يقومون بعملية تزوير متعمد للقراءة، والصحيح أن الآية لا تنتهي عند عبارة الراسخون في العلم، وبل تستكمل بعبارة تنقض القراءة التحريفية " ... والراسخون في العلم يقولون آمنا به" أي أن الراسخين في العلم يؤمنون بالله من غيرما حاجة إلى تأويل.
بعد أن يطمئنوا إلى رسوخهم في العلم، ينسبون إلى الرسول قوله، "العلماء ورثة الأنبياء" ، ثم يقطعون آية أخرى من سياقها فيقرأون "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" ويتجاهلون مطلع الآية التي تنص "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء"، ثم يقطعون آية ثالثة من سياقها فيقرأون "وما ينطق (الرسول) عن الهوى" ويسقطون النصف الثاني من الآية "إن هو إلا وحي يوحى" فيسلس لهم التأويل الذي يعزز سلطتهم الفقهية، وتصير طاعتهم من طاعة الرسول، ويكون لهم حصة من قداسة هي للنص الإلهي وحده وليست للبشر ولا لأفعالهم ولا لأقوالهم.
الطقوس والشعائر، هي الأخرى غير مقدسة، فهي من صنع البشر والتاريخ.