هل الآخر جحيم … نعيم؟

فاطمة ناعوت
2016 / 11 / 21


"حلمت بيكي يا فافي بس ما تضحكيش عليا! مش فاكرة بالظبط من الحلم غير إني كنت أكلّمك وأردد اسم غريب جدًّا. قتادة!!! أنا نادرًا لما بحلم بحد.. بس غالبًا أحلامي بيبقي لها معني.”
هكذا كتبت لي العزيزة: "أسماء أبو الغيط" على الماسينجر. وسرح خيالي فيما قالت. هل تُراها تقصد "قتادة بن دعامة"، أم "قتادة بن النعمان"؟ فالأول عالم لغة وحافظٌ مدهشٌ حتى قال عن نفسه: "ما قلتُ لمُحدِّثٍ قطّ: أعدْ عليَّ، وما سمعت أذناي قط شيئًا إلا وعاه قلبي"، فكيف ذكّرتها به وأنا ذاكرتي ضعيفة؟! والثاني كان شاعرًا وصحابيًّا فارسًا، وكان .... وقاطعت "أسماء" أفكاري وأكملت: “وصحيت من النوم وأنا بقول الاسم ومش فاهمة ليه قتادة!!! لكن غالبًا هو قتادة بن النعمان الصحابيّ الفارس الشاعر الذي فقد إحدى عينيه في غزوة أُحُد وهو يحمي الرسول بجسده، وجاء بمقلة عينه في كفّه قدّمها للرسول، وكانت الحكاية المتواترة الشهيرة. ودعا له الرسول عليه الصلاة والسلام: اللهم بارك في شِعره” ثم ختمت كلامها: “على فكرة الحلم ينطبق عليكي جدا.”
ولم تستوقني دلالة الحُلم، لأنني مؤمنة أن الأحلام هي نتاج ما حدث لنا وتداعيات ما يشغل بالنا، وليست استشرافًا للمستقبل. إنما استوقفني أن تحلم بي إحدى قارءاتي العزيزات المثقفات. هل أحتلُّ أنا تفكيرَها ويشغلُها أمري حتى أزور أحلامها؟ هل اهتمامها بقضيتي وقلقها على براءتي الخميس القادم 24 نوفمبر يوم الحكم في قضيتي جعلها تُفرد لي بساط نُعاسها وتُلقيني على وثير دفئه؟ ما أجمل أن يمنحك الله تلك النعمة الهائلة: محبة الناس واهتمامهم بأمرك.
وأشرقُ الصبح الجميلُ على القاهرة بالأمس، لأجد طرقاتٍ خجولة على باب بيتي. فتحتُ الباب فأبصرتُ سيدةً مُسنّة جميلة في جلابية ريفية وطرحة سوداء، يحملُ وجهُها ملامح مصر الآسرة، وتحمل عيناها طيبةً وحُنوًّا انخطف معهما قلبي. تحمل فوق رأسها الواهن كرتونة صغيرة بها من خيرات جنوب مصر: فطير وجبن وزُبد من صنع يديها الكريمتين. هذه السيدة الطيبة قطعت مئات الأميال من صعيد مصر الخيّر، حتى بيتي بالقاهرة، لتصافحني وتحتضنني وتمنحني من فيض دعواتها الطيبات. قالت: “لا تخافي يا ابنتي فالُله ناصرُكِ.” قطعت "الست ليلى، أم سامح"، تلك الطريق الطويلة حتى تُذكّرني بأن الله عادلٌ ولن يسمح بأن أُظلم في جلسة الحكم في قضيتي.
غام الدمعُ في عيني وأنا أهمس للست ليلى: "كلّ خطوة خطوتِها يا أمي من صعيد مصر حتى باب بيتي، هي إكليلُ غار فوق رأسي.”
آلافُ التعليقات يوميًّا على صفحتي ومئات الإيميلات والرسائل، وصفحاتٌ تُدشّن على فيس بوك للتضامن معي والدعاء لي بالخير في قضيتي. فهل مثلي يخافُ ظلمًا وقد حرّم اللهُ الظلمَ على نفسه وجعله بيننا محرّمًا ومنحني من محبة الناس ودعمهم ما يسند ظهري ويشدّ عودي! لولا محبّة الناس الهائلة التي تغمرني كل نهار وكل مساء، ما تحمّلتُ كلَّ ما مررتُ به.
منذ عدتُ إلى القاهرة بعد شهور طوال قضيتُها خارج وطني، والمحبة تلاحقني أينما جُلتُ وحيثما حللتُ. ففضلا عن أصدقائي من المفكرين والمثقفين والفنانين والأدباء والسياسيين الذين ساندوني في غربتي وخففوا عليّ أيامها، أجد الحبَّ من بسطاء لا أعرفهم، وذاك هو الأهم. في كل مكان أدخله تلاحقني كلمة: حمدلله ع السلامة يا أستاذة، نورتِ بلدك. منصورة بإذن الله.” “وحشتينا يا أستاذة فاطمة، الحمد لله اللي ردّك لبلدك بخير وسلامة.” وغيرها من كلمات آسرة تطفرُ معها دموعي.
هل أستحقّ كل المحبة تلك؟! إنها نعمةُ الله وفضله. محبة الناس هي الصخرة التي تتكسّر عليها همومنا وأحزاننا. الصخرةُ الصلدة التي نتكئ عليها كلّما هدّنا التعب.
“الجحيم هو الآخرون" مقولة شهيرة عن "جان بول سارتر" وضعها على لسان أحد شخوص مسرحيته (لا مخرج No Exit). لكن العبارة منقوصة، تكملتها: “حين يجعلون من أنفسهم قضاةً ديّانين.” فالإنسان يكون جحيمًا مزعجًا إن ظل يُفتّش في أخطاء الناس، ناسيًا أخطاءه الشخصية. حين يجعل المرءُ من نفسه رقيبًا على الآخر وظلا لله على الأرض. ولكن الطيبين المتواضعين إلى الله، الذين يمنحون سواهم حبَّهم وتقديرهم ورعايتهم، كيف يكونون جحيمًا؟! إنهم النعيم والفردوس والرجاء. إنهم السند والعزوة والعزاء. إنهم نعمة الله ويده الرحيمة التي تمسد قلوبنا بالحنو والرحمة. طوبى لمن منّ الله عليه بفردوس الآخرين.
أشكرك يا ربّي لأن رسائلك الناصعة لي تمنحني الثقة بأنني في قلبك وأنك لن تُضيّعني. رضاكَ عنّي يا إلهي يصلني على يد عبادك الطيبين.