مع أبي حيان التوحيدي في محنته -4-

إبراهيم الوراق
2016 / 11 / 21

مع أبي حيان التوحيدي في محنته -4-
وإذا كنا قد رفعنا الحيف عن أبي حيان في نزاله للرقائق، وقلنا بأنه جمع بين النقيضين في الدقائق، وحازهما بالكلية في نظم الحقائق، فإن شخص العالم، وهو ما يبرز فيه، ويغدو معه، لا يدل في غالب الأحوال عن عمقه، ولا يشير إلى ما يعتلج من زؤام في غوره، بل يدل على شدة المراس، وقوة الارتكاس، لأن العالم، ليس إلا كائنا يجسد نوعا من التفكير باحتياط، ونمطا من الآراء بارتباط، وسياقا من الأخلاف باختلاط. ولولا ذلك، فما قيمة التعدد في الأشياء، إذا لم يكن ذلك دليلا على الغموض.؟ وما فائدة الحقائق إذا كانت سهلة المجنى في الفروض.؟ إن اختياره لما يحن إليه، هو الذي يسير به إلى مخدع الآمال في سعيه. إذ لا نرى المفاصلة بين الأشجار المثمرة بما فيها قولا صائبا، وقائما، لأن كل شجرة تشفي ألما، وكل ثمرة تذهب ورما. ولا اختيار لنا في الاستشفاء، ولا انجبار لكسرنا إلا بالاستهداء. إذ نستشفي بما نهتدي إليه فينا، ولو بدا لغيرنا داء عضالا يئن معنا. ولا شفاء إلا مما فيه حياة لنا، ومن خال طمر أبي حيان التوحيدي منحرفا فينا، فهو لم يعرف حقيقته معنا. وهل هو إلا زفرة الطبيعة في جوننا، ونفحة الحقيقة في دورنا.؟ وما لم نقرأ ثمار عشقه من صوت الأشجار، فإننا لن نستنشق منه فوح الأبرار، وما لم نعرف كيف نربط المكين بالزمان، فإننا لن نعدو ظواهر الآثار في المكان، وما لم ندرك ما في الأقطار من كواسر الهمم، فإننا لن نخب نحو العوالي بوافر القيم. ومن هنا، يلزمنا أن نعانق شخص أبي حيان في شاخصه، ونحن حيارى في استكناه باطنه، لأنه كليته التي لا حدود لها إلا فيه، لكن لم لا نجعل ذواتنا مقياسا للفوز بخلعة الوفاء، فنرى شغبه صوتا مزلزلا في أعماق تنتخب من غرة الحظوظ أمل الوقاء، وتنتقي من وجع الخطوات وعاء، تشرب منه نخب صراع خمَّر العقل بالألحان النافرة، والأنغام الناشزة.؟ لو بدا لنا أن نحوم حول البساتين التي تصنعها الذات حين تكون مستهدية بحملها في الاستقواء، فإنا لن نزيف الحقيقة إذا قلنا بأن ما يعانيه العالم في يومه، وما يداويه من جرحه، هو طول أمداء رؤيته، وعسر أوجاع بغيته. وهل العلم إلا قوة يمتلكها الإنسان حين يفي بحقها، ويقدس طاقتها.؟ لكن هل نسلم جميعا من حرب أقامها المراد في طي منشور الحقيقة، ومعلوم الولاية.؟ قد نسير يمنة، ونميل يسرة، ونحن ننظر إلى الأرض، ونرقب السماء بجَرض، ثم نتوقف على حافة الفسطاط حفاة، ونبدو على مرمر الديوان عراة، فتهوى ذواتنا المسير إلى المعين، فنرمل بين العلامات مستهدين بنور البيان، ثم تدهمنا نوبة النصب، وتخطفنا ومضة الجلب، فنسير، والطريق طويل المدى، والرفيق عزيز المنى، والمسافات تطوى، والحكايات تروى، ثم تبدو من شدة الذهول مسافات تنشر، وآيات تذكر، ثم نتوقف، ونحن لا نترفق، لكي نعقد العزمة، لعلنا نكسب بها مقام القربة. لكن أنى لنا أن لا تأسرنا السبل بغموضها، وأن لا تذهلنا نقائض المقامات بصروفها.؟ لو أيقنا بأن محل النبع فيه محصول لنا، لشمخت أنوفنا بعز مكنون فينا. لكن متى انتهى العلم بفرحة الجذلان.؟ ومتى كانت البهجة دليلا على هداية الفرحان.؟
لو نبشنا القبور في بطون الكتب، لاستحال فينا أن نرى البسمة إلا على وجه الطلب، ولو فقهنا السر فيما زين، وحبر، لعلمنا أن نهاية العلم ما عبد، ودبر. وهنا يصفو المورد، ويدنو الموعد، لعلنا نجد المنهل عذبا، والشرب حدبا، والأمان وفاقا، والفناء وثاقا. وإذا أيقنا بوجود الاعتراض، وهو سبيل لا يخلو من الافتراض، فإن ما حوسب عليه التوحيدي من معاني البلاء، لم يكن إلا شغب الأفكار الرابضة على البقاء، لئلا يرى العقل كاسدا أمام أخبار الفناء. إذ لو لم يكن لطول المسافة حرج، لما شاكس الفكر من في عقله عوج، لأن استواء الحياة من صراعها، واعتدالها في نزاعها، إذ هي نحن كما أردنا، ونحن هي كما أوجدنا. وهنا يظهر للحرية معلم، ويختفي فيها ما هو أكتم. فلا غرابة إذا نسينا بعض الحد الذي خططنا به طول الأمد، لأن ما نخبُره في طرق البدد، يمنعنا من الوصل بلا لبد. وهنا تهجم الأفكار على العالم، فتراه بلا خشونة حجاب، ولا طراوة نقاب، لأنه الإنسان المختار، وهو مجلى تجليات الأدوار.
وما دام ما يقتدي به الإنسان على اختلاف الأزمنة موسوما بصفات ذاته، فإن ما رسموه في اللوح من خلق يناظر ما التهم العمق من أوصافه، لن يجد له محلا للحكم عليه، إلا إذا انصهر الأمل في كليته، وغدت الحصص متآلفة فيه. ولذا، يجد العالم طريقه محددة بغيره، وهو هنا على مذهب الجبرية، ولو رفض التعطيل للحرية، لأنه لا يستقيم ظل عوده إلا بجوهر نواته، ولا يستوعب جرمه ذاته إلا في حدود نقطته. وذلك مما لم يظفر به إلا في جناحه، وما بقي منه مرتبطا بحوافه، فمآله المشاركة في الأنصبة، والموارثة في الأبينة. إذ لا يمكن أن نشهد عالما إلا هكذا، وإن لم يكن كما وصفناه بذا، وكان صوته صمت الثبات، لا صراخ التغير على رفرف الحاجات، فإنه لن يبدع من صراعه حكمة تروى بأقدس اللغات.
الثاني: إذا كان نظر أبي حيان التوحيدي متبرما، وأمله متورما، فكيف لا يكون من وراء سر ذاته سر آخر يدافعه، ومعنى غائرا يجابهه.؟ إن اختفاء المعاني في الأصول، والفروع، هو سر بقاء الصراع، والنزوع، لأن اكتواء الأماكن بسبة الاختلاف، واجتواءها بمعرة الخلاف، لم يكن إلا نصا مقروءا في ذواتنا، وكتابا مفتوحا في واقعنا. ولولا ما فيهما من نقاوة الأتراح، وحقارة الأفراح، لما قدسنا الإنسان في سره الدفين تحت حصير سطح علنه، ولما عفونا عنه فيما انتفش من شعره المنكوش بسرعة رياحه. لكن خواء الذوات من معاني الوحدة المتآلفة على قبول الاختلاف في الطبيعة الباهرة، هو الداء الذي أضمر في نظرنا آلاما غافية، والزلل الذي أعمى البصيرة عن هدي الأشياء إلى معاني أرواحها الزافرة. فلا عجب إذا أحسسنا بجمرة الإدراك المتقدة في أحشائنا، وهي تحرق بشراستها أقداس سكينتنا. لأن ما يرشح به المكان من أوضار، وما ينضح به من أوزار، لن يُفصح لسانَنا بلوثة الرضا عن نكبة الإنسان في رص معاني حقيقة غاياته، ولن يغري أنظارنا بفجوة السخط على غفوة المناكب عن كشف ما يحصرها بين غوائل حياته. لأن التفاف الناس على مقتضى رسم الخطوط الواصلة، والحدود الفاصلة، لن يصيرنا إلا أداة للتفكير في غيرنا، وأقلاما تبرى على صفحات واقعنا.
لعلي لا أخال أبا حيان التوحيدي سينسى فتور الهمم عن عز الصنائع، أو سيبدي بسمة لذلك الوجه الذي لا يحلك الزمن إلا بفورة حيلته بين المرابع. كلا، بل هداه ذلك إلى تدبير معنى الرفض، وتحرير معنى المرفوض، وهو أقوى ما يملكه العالم حين يكون صوته مقصورا، ونظره محصورا. وإذا لم ينطق به، فما قيمة فجعه على غيره. إذ لا يميز العالِم إلا أبوته، ومن رأى فيها وجه جلاده، فكيف يكون حفيا بمجالسته.؟ ومن هنا، فإن اغتلام وجه واقعه بصولة الطائش، هو الذي أوجع فيه نص الاستيحاش، فنال منه الغيظ حين نفر، أو حين نظر. لأن همة العالم تسمو على همم السفهاء، وقمته الشمم في أخلاق الأوفياء. فسفاهة الأماكن وطيشها، وخلودها إلى عبادة عجل المادة ووحشها، ونزوحها إلى رجيع المعاني الهابطة، هو الذي مناه بمنة الفداء بلا طلب للأجرة الباهرة. ولذا افتدى غيره بما أبرم من جولة، وكان صوته حقيقة يسمعها من غشي الديار بصولة، فلم يجد فيها ما تركه الآباء من آثار فارعة، بل تناولها الضياع بين أطلال النفوس الفارغة، فلم يأت منها إلا ما يجعل سوق المصالح معلنةً الاتجارَ بالديْن المتفاضل، والمين المتبادل.
وإذا كان أبو حيان التوحيدي قد ناله شواظ العلماء، وهم أهل صولة على صدور التعساء، وظنون الأغبياء، وغاضه ما التوى عليه الحد من نكسات، وما احتواه الرسم من نكبات، فلا حرج في أن يكون مشكاة نور تضيء عمق المفكرين، وعين المثقفين، لأنه قد حاز الدورين، ونال الحصتين، فسواء ما شاغب فيه العلماء، أو ما شاكس به الأغنياء. وكسبه لامتداد الخطين، هو الدليل الذي نستدل به على مكمن الصوت في المَدين، إذ العالم، ما هو إلا زارع خير، أو حاجب شر. وسواء ما عبده من سورة طريق، أو ما نقشه من معنى عميق، لأنه لم يهن في بيانه، ولم يغبن في نواله. فحسبه أنه صرح في مقام التلويح، ونبه في حال التبريح، فلم يظفر منه الغرور ببزته، ولم يرشف منه العناد خمرته. وهكذا كل من رام المنية من باب الكنايات، فكتب نص المخاطبات، وفص المحاورات. وهل ابن الفارض والنفري والحراق إلا عشاق كنوا عن الحضرة بآلام اللغة.؟ أليسوا حماة لما رعاه الإنسان من الخلاص بأوجاع اللذة.؟ قد يكون هذا مستعجما في عقول جعلت غاية العلم الهندسة في النيات المحبرة، والكيمياء في القصود المتبعة، لا ذلك البناء الذي يجمع، ولا يفارق، ويحبب، ولا يماذق، لأن جور الآراء لا يتجلى إلا حين نريد أن يمشي العجول بمشيتنا المتباطئة، ويقف الجسيم في حوزتنا المتثاقلة. إذ قطع الطريق على الآراء الباقرة، هو القتل للعلم بالمخاوف الحائرة، والنهاية لقلق العلماء بين الديار الواجفة.
ومن هنا، فإن ما عيب على التوحيدي من قسوة الألفاظ الغائرة، والأقلام الزافرة، لم يكن هو جبر عقده، ولا اختيار هدفه، بل ما فجره من خوف في طريق تنأى بسالكها عن جادة الحقيقة، وما عراه من شباك تحتال على طلاب المعارف بمعسول الخديعة. لأن خوف العالم على صون العلم بالجبلة، لا يدانيه إلا جهل الخائف من دسيسة الصفة. ولذا اقتضى المقام سرعة الرد، وقوة الصد، لأن ما يزرعه العالم من أمان الكوامن، لا يغذي به إلا ما أفزعه الجوع في البواطن. وهنا يكون العالم فالحا لأرض القلوب، لكي تصح من الندوب. وأي سقم أعظم من جهل يسوق العباد إلى البعاد، وغفلة تدني أوداج المعاني من سيف العناد.؟ أجل، لو أنتج العلم الوحدة، لتجسدت في أرضها على صورة الكثرة. وإذ ذاك ستكون الدلالة عليها في عالم السماء صريحة، وتصير بها الأرض مأمنا للآمال الصحيحة. لكن ما نعلمه، هو الذي أنتج البعد بين الأثمان، فذاك رخيص في الأوزان، وذا غال في الأديان، ولكل حماة صوغه، ورعاة وزنه. فلا عجب إذا تحاربت على بساط المعرفة أطياف الظاهر، والباطن، وألوان العمق، والسطح، وتعاندتا في صراع الطلائع، وخشونة الطبائع، وشراسة الرغبات، ووقاحة الطلبات، وقذارة الغايات، لأن هندسة العلم في الأشياء المنجمة على الحظوظ العالية، والنزوات السافلة، ليست في صياغته على المراد المرتجى منا، بل في أخذ المعاني حقها فينا، والمفاهيم حظها معنا. وإذ ذاك، سيصير العلم بناء لا تخريبا، ويقينا لا تجريبا.
كثير مما عَمَّ ألمه التوحيدي، يحدث في واقعنا المعاصر، ويقع بين مسالكنا التي نتوازى في رعايتها بالخبر المتواتر، ولكننا لا ننتبه في حمايتها، ولو انتبهنا، فنحن في مسيس الحاجة إلى إدراك قوي للحقائق التي نهتف بها بين دورنا، ونهفو إليها في جوننا. والا اختلت المعايير بيننا، وانحلت الأواصر في أعيننا. وهل هي إلا اصطلاح تواطأ اللناس عليه بالأقوال، والأفعال، فجعلوه قانونا في الأوزان، والأكيال.؟ وهل اتفق الناس في التحديد على ذلك بقول واحد، لا يقبل التعدد إلا في العدد.؟ لم يتفقوا في الوزن إلا حين أدرك الإنسان ضرورته القائمة في أخذ حقه، وواجبه في تدبير الأسواق بما يشفي غليل جهده، ولولا ذلك، لكان للتطفيف معنى يحفد به نحو الاستقواء، وكان لاستواء القياس في العقول مظنة الاستخذاء. لكن تواتر الحقائق، قد أوجب علينا أن نسوي الميزان باتفاق، لكي يكون أفصح شيء عن كبد الجماعة، وأوجب نص في العدالة.
وهكذا، فإن اختلال المعايير من اختلال الرؤية المحددة لجسامة الموزون، وحقارة المغبون. إذ الحقير لا قيمة له في الحصر، ولا معنى له في القصر. لكن أعظم مقام نناله أصلا، هو ما ننفقه فضلا، لا ما نتجاذبه عدلا، فيأتي منا سخاء، ويُهدى فينا صفاء، لأننا تجردنا من صوت الوزن الأصم، وصمت الحرف الأبكم، وفجرنا في مهاد الأرض سلما أتم، وأمنا أعم. وهنا يكون المعيار مختلفا، وأشده ما كانت الصرامة فيه معنى مؤتلفا، لأنها المشاحة التي تنهينا إلى أخذ الحيطة في تمليك الأشياء، وتوريث ما فيها من سعد الأنحاء. فلا غرابة إذن، أن يكون المعيار بقدر أوزان همة الذات، وأكيالها في رسم اللذات، ومساحاتها في ميدان الطلب للمرامات. وبمقدار وثوق الإنسان بأنه بفضله ينال مقام الجود، والكرم، فإنه يسخى بكل ما يضن به من رياش، وحطام، لأن طين الذات في حمأة سعير ضجيج المقام، لا يدني الا من بركة الأمل في رسيم الكلام. وإذا كان المعيار محددا بالذات، ووزنها، وكيلها، ومساحتها، وقياسها للنهاية، فإن ما نهابه في الحقيقة الحائرة، هو أن تفرض الأوزان الجائرة، فتستعلي على العادلة. وإذ ذاك يكون اللفظ بعيدا عن الدلالة الباهرة.
ولذا، فإن اختلال المعايير المتفقة، هو اختلاف في المعرفة المحددة. وأي اختلاف فيها، يؤدي إلى الشتات، والضياع معها. وهنا يضيع الجيل الذي لم يدرك خطوط الربط بين الحقائق المتعاركة، والدقائق المتعانقة، وسواء في ذلك المفكرون، أو المثقفون، أو السياسيون، أو الحِرفيون، لأن هذا العقل الذي يمتلك حق السلطة على الآخر بالطبيعة، وهي سطوة بالوسيلة، ولا فرق بين سحر تستغله، أو سلاح تستعمله، إذ كل واحد منهما يتحدى الضعف، ويحاول الاستقواء بعنف، لا يمكن له أن يكون له مقصد نظيف في الذوات البشرية، إلا إذا تهذبت النفس في صياغتها للمفاهيم الكبرى، وصفا العقل في إدراك معانيها المثلى، وامتزجت بالقلب في صقلها لأذواقه، ثم استحالت روحا يحمل سلما نُصافح غيرنا بأهدابه، وراية نعانق بها أفقنا في سمائه. وما لم يكن عناقنا سلما في دروب الرزق، والاختصاص، فهو الزنا في ماخور مترع بحب الامتلاك، والاقتناص، لأن الذي اشترى النفوس برجيعها، والعقول بحريقها، لكي يكون بميلهم إليه قويا، لئلا يرى نجمه فيهم إلا بهيا، وصوته بينهم إلا دويا، وجرمه بهم إلا طريا، لن يكون ظهره حماية، وغوره وقاية، وحرفه مناعة. فهو أقبح ممن صب في عمقهم خمرة الغلمة، لكي يذهلوا عن كرب الهموم بصبوة، وينسوا كدر الغموم بسهوة، ولو للحظات تنفتح فيها الأكمام على البسمات بنزوة. فهذا أشرف من حيث كونه رفض بيعه للوهم، وشراءه للحلم، فاستحق أن يبيع ما لا ينزف غوله إلا بشهوة، ويصيد ما لا يشرد شادنه إلا برغبة. فهو إن أخذ ثمن صهبائه العابثة، فهو لا يريد إلا أن يعيش بربحه مجدودا في النازلة، ويعود برأس ماله على غوائل عقول أوجعها حر النهار المكشوف للإرادات المتصارعة بالنيات الغائرة، والنظرات الحارقة. وهنا، يكون عقد البيع صحيحا فيما بينهما، والبيوع لا تقاس إلا بآثارها، وكل ملزم بعقده، ومقيد بحكمه، لأنه ولو انبنى في شريعة على التحريم، فإنه في رسوم شريعة تقدس لذة المتعة فيه بلا تأثيم، لا يكون إلا إسعافا للعقول الكليلة، والأذواق العليلة، لأنه يقطع الذيل المتعب بالأراذل، ويبني الأصل المطرب للأفاضل. وهكذا كل من يشرب شوله، وينغم بغوله، فهو يحسب غيابه عنه، ما هو إلا إمعان للجرح في آلامه. وهنا يكون البائعون للوهم في مبغاة الخيانة أحقر ممن ندمان ضجوا مكاء، وتصفيقا، وتأليفا، لانعطاف الأولى على الأصل توليفا، ولالتواء الثانية على الأثر تحريفا.
وهنا نحتاج إلى هذه الفئات التي تحمل حقيقتها الإنسانية، وتريد أن تجعلها غاية، لا وسيلة. لأن الفكر الذي يحمل نتيجته في نهايته، لا يمكن له أن يستمر في بدايته. لكون الذي يبقى، هو الذي يحمل حديه في مقدمته الصغرى. وهنا نكون حقيقة في حيرة من شأن هذه المقابلة المعكوسة، فذلك المثقف الذي أراد أن يستهدي بالثقافة إلى مكمن دورها في سياسة الإنسان، ودوره في تجريدها من الالتباس، لن يكون راضيا عن واقعه، ولا راغبا في حيازة ما مُنِحه فيه، ولا مستغنيا عما لا يملكه منه، ولو بلغ طواعية ما ناله فيه، ثم صار له تابعا، لا متبوعا، لأن فكره في حاد نظره الذي لا يقبل التطفيف، هو نهاية كبد الإنسان فيما يأتيه بلا تزييف. فهو أغلى المعادن، وأعلى المكامن. وهو الذهب على البطاح، والحرف على الألواح. وهو البريق اللامع، والنور الساطع. وهو العيون والهة، والأسحار ذاهلة. وهو الذي لا يقبل فيه خبر إلا بالعيان، ولا يحكى عنه إلا بأجود البيان. ولذا، يكون المثقف بين تقلبات الواقع، وتغيراته. وربما من مصادفات الدهر الغريبة، أن تجد مثقفا واتته الفرصة العجيبة، واستمرت معه بدون أن يتذمر، ولا أن يتحسر. لأن الأصل فيما تنتجه من حقائق تدل عليك، هو ما يرغب فيه بواقع الحقيقة المطلوبة منك. فالكتاب، قد يكتب حول جزئية، ويستدل عليها بدليل الكلية، وتزين بألذ ما فَتن من المعاني الوانية، ولكن لا تؤخذ منه إلا النتيجة التي أتعبت بفروعها الغامضة. وأما ما عدا ذلك، فيطرح في مرمى النسيان، ويطوى في مجرى الكتمان. لأن العجلة درب للخائف من الآلام المنتظرة، والتأني كياسة في الألحاظ المنتصرة. وهكذا كل الأشياء التي نبحث فيها عن سطوة، وغُرم، وهكذا كل المعاني التي نتجاذبها بعنف، وظلم، لأنها بدون نهاية في السعي، والألم، لن تكون إلا وغر اللاعج المتضرم في الأحشاء، والنهاية المقرورة بالزوال بين الأشلاء. ولولا ذلك، لما خاف أحد على ما يملك، ولما تألم أحد على ما يحبك. بل الأغرب أنه سبَّب الجشع، وبيَّن الطمع، وأقام الحرب على الأرض، والسماء، وأطفأ نور المعنى في الأصوات، والأصداء. وهنا يكون أبو حيان التوحيدي مثالا لكل من اكتوى بلفحيح الوقائع، وابتغى فيها أمل المطالع، فلم يجد له فيه إلا معنات المدامع.