1- مقالات مختارة من كتبي في نقد الدين

ضياء الشكرجي
2016 / 11 / 21

مقالات مختارة من كتبي في نقد الدين
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
في مثل هذا اليوم قبل اثنتين وسبعين سنة، أطللت على الحياة، بعد مكوث تسعة أشهر متدفئا ومحتميا بموطني الأول في رحم أمي. واليوم أحتفل بعيد ميلادي على طريقتي الخاصة، تعبيرا عن شكري لله على نعمة الوجود. احتفالي سيكون بالبدء بنشر مقالات مختارة من كتبي الأربعة، وحاليا منهمك في إتمام الخامس، تلك الكتب التي أنتقد فيها الدين عموما، والإسلام خصوصا، والتي أسميتها، أي مجموعة هذه الكتب بـ«کتب لاهوت التنزيه»، واليوم أبدأ بنشر مختارات من الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، والذي يتبعه الثاني «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة»، ثم الثالث «مع القرآن في حوارات متسائلة»، ثم الرابع «الدين أمام إشكالات العقل»، ولم أحسم اختياري لاسم الكتاب الخامس، بل سأفعل ذلك بعد الفراغ منه.
لن أفعل هذه المرة كما فعلت مع نشر الحلقات من كتابي «ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي»، بجعل عنوان الحلقات واحدا، مع ترقيم الحلقات، بل سأنشرها كمقالات، لكل منها عنوانها المستقل، مشيرا في البداية من كل منها إلى كونها مقالاتي من الكتاب المتناوَل.
في هذه الحلقة الأولى سأنشر الإهداء، والدعوة، أي النداء الموجه للأطراف المعنية، والمقدمة.
إهــــداء
إلى كل شهداء حرية الفكر
إلى الذين دافعوا عنها لخصومهم بمثل ما لأنفسهم
إلى المسكونين بقلق البحث عما هو أقرب إلى الحقيقة
دون دعوى بلوغهم غاية الحقيقة
إلى الذين تحرَّوا ما هو أصوب
ولم يكابروا في أن في صوابهم المكتشف ثمة خطأ
إلى كل من تحرى الصدق
حتى لو لم يبلغ تمام الصواب
إلى كل من امتلك شجاعة أن يحرر عقله
إلى كل من صدق مع نفسه
إلى كل شجاع أفصح عن المحذور والمحظور

دعــــوة
إلى عقلاء المسلمين
إلى عقلاء أتباع الأديان من غير المسلمين
إلى عقلاء الإلهيين-اللادينيين
إلى عقلاء الإلهيين اللاأدريين-الدينيين
إلى عقلاء الدينيين العقليين-التأويليين-الظنيين
إلى عقلاء اللاأدريين-الإلهيين
إلى عقلاء اللاإلهيين (الملحدين)
تعالوا إلى كلمة سواء ومساحة مشتركة
نتعايش تعايشا متكافئا
نتفق على ما نتفق عليه
ونختلف إذا اختلفنا اختلاف العقلاء
متحاورين متناقدين غير متعادين
كل نقد عندنا حلال
وكل إيمان حلال
وكل كفر حلال
وكل كراهة حرام حرام حرام
وكل عداوة حرام حرام حرام
وكل عنف حرام حرام حرام

مــقــدمــة
باسم الله الذي وحده أطمع في أن يقبلني، عندما يرفضني الكثير من الناس. وأحمده بإقراري أنه هو، وكما هو، لا كما تحاول أن ترسم صورته تخيلات أذهاننا، سجينة حدودها، التي لا تملك أن تتجاوزها.
سيرفضني أكثر الدينيين - لاسيما أكثر المسلمين - رفضهم للّاإلهيين (الملحدين)، لأني ألتقي إلى حد كبير واللاإلهيين في الموقف من الدين، ولكن بعضٌ منهم سينسجم معي لمشتركي وإياه في الإيمان بالله وعدم تبنِّيَ الإلحاد (اللاإلهية)، وسيجد نفسه منسجما بقدر أكثر معي أولئك العقليون من الدينيين. كما وسيرفضني الكثير من اللاإلهيين (الملحدين) رفضهم للدينيين، لأني ألتقي والدينيين في الإيمان بالله، ولكنِ الكثيرُ منهم سينسجم معي لمشتركي وإياه فيما يتعلق بالدين، وفي نفيي لله الديني. وسيجد نفسه منسجما معي بدرجة أكبر أولئك اللاأدريون، سواء اللاأدريون الإلهيون، أو اللاأدريون الدينيون.
إني إلهي كما الدينيون، وإن سيكفّرني الكثير منهم، ولكني من جهة أخرى - صحيح - لاإلهي أيضا رغم إيماني بالله، لأني كافر بذلك الإله الذي رسمت ملامحه الأديان، أو تصورات الدينيين. وكما سيحسبني ربما بعض الماديين خرافيا، كما هم الدينيون محكوم عليهم من قبلهم، لأني ألتقي مع الدينيين في عدم نفيي للغيب، إلا أني أتخذ العقل مرجعية في فهمي للغيب، لا النصوص المقدسة، وأعتمد الفلسفة لا الوحي، فالغيب عندي إما غيب واجب، لا يملك العقل إلا أن يُقرّ بصدقه، وإما غيب ممتنع، لا يملك العقل إلا أن يأبى الإقرار بصدقه، وإما غيب ممكن، يتخذ العقل منه موقف الحياد ابتداءً، ثم عليه اختبار صدق ذلك الممكن أو عدم صدقه.
فالدينيون سيتمنَّون عليّ، بعد سردي لأدلتي العقلية على الإيمان بالله، لو أني واصلت الشوط معهم، بإثبات الدين كوحي إلهي. والتنويريون سيتمنَّون لو أني وقفت عند نقد الفكر الديني، دون نقد الدين نفسه، ناهيك عن نفيه. واللاإلهيون سيتمنَّون لو أني واصلت الشوط معهم، بعد الموقف من الدين، في نفي الله.
لكني أعوّل على عقلاء ونسبيي كل من اللاإلهيين والدينيين واللاأدريين، لنلتقي سوية على قاعدة العقلانية والإنسانية، على قاعدة نسبية الحقائق في عالم الإنسان، وعلى قاعدة التسامح والسلام. ولعلي سأجد الكثير من اللاإلهيين (أي الملحدين)، من هم أكثر إلهية من أكثر الدينيين، لاعتمادهم النسبية أكثر مما هو الحال مع الدينيين، وهذا يمثل نزع الألوهية عن الذات، بعدم نسبة الإطلاق إلى معارفها، مما هو أقرب إلى مبدأ التوحيد، الذي يوجب ألّا مطلق إلا الله، ولكون الكثير منهم أي اللاإلهيين الأقرب إلى العقلانية والإنسانية، دون نفي ذلك عن كل الدينيين. وهنا أزعم أن الإنسان إذا خُيِّر بين الكفر بالله، وبين الإيمان بإله قد حطّت أديانٌ من جلاله، وخدشت من جماله، وانتقصت من عدله ورحمته وحكمته، فالإيمان بهكذا إله برأيي قد يكون عند الله أشدَّ كفرا من عدم الإيمان بأي إله، وبالتالي بعدم الإيمان به، لأن مثل هذا الإيمان إنما هو إيمان بالإله الخطأ، بينما الملحد، أي اللاإلهي لا يؤمن بإله خطأ، فهو أقرب إلى عقيدة تنزيه الله.
كتابي هذا يسرد فيما يسرد رحلة عمر بين الكفر والإيمان، والإيمان والكفر، بين الشك واليقين، واليقين والشك.
كتاب يريد أن يطلق دعوة تحرير:
- لله ..
- للعقل ..
- للإنسان ..
من أسر الدين .. إلى فضاءات العقل،
من زنزانات سجن الدين، على تعددها وتنوعها، إلى فضاءات العقل، على تعددها وتنوعها. فاخترت ابتداءً الفضاء، لأنه حيّز مفتوح لا تحده حدود، على العقل أن يحرر نفسه ويحلق في آفاقه، في رحلة بحثية مفتوحة، لا تقف عند حدّ. واختياري لصيغة الجمع للفضاء بقول (إلى فضاءات العقل)، تأكيد على نسبية الحقائق الميتافيزيقية في عالم الإنسان، ومن هنا تعدد الفضاءات، وتعدد الرؤى النسبية، وتعدد التصورات النسبية، عن المطلق الواحد، مما يجعله واحدا في ذاته، متعددا في تصورات المؤمنين به، لكني أريدها فضاءات للعقل وتعقلاته، لا للوهم وهلوساته، وإذا ذكرت الله أولا قبل العقل والإنسان، في صدد دعوتي لتحرير هذا الثالوث، فمن حيث الترتيب المنطقي، لا ترتيب الأهميات، يكون تحرير العقل مقدمة لتحرير الله، وتحرير الله مقدمة لتحرير الإنسان من زنزانات سجن أو سجون الأديان.
كتاب، تتبعه حتى الآن ثلاثة [حتى الآن أربعة] كتب، يعالج وتعالج قضايا الدين، وقضايا الإيمان، بما هو أعم من الدين، على أكثر من صعيد.
ذلك في ضوء فلسفة تقوم على أسس:
1. تأصيل مرجعية العقل.
2. حاكمية العقل الفلسفي والأخلاقي.
3. نسبية الحقائق.
4. حسم التفكيك بين الإيمان والدين.
ويطرح للدينيين العقليين خيارا للتأمل، يقوم على الأسس أعلاه، علاوة على الأساس الرابع، فتكون مجموع الأسس الذي يقوم عليها إيمانهم الديني هي:
1. تأصيل مرجعية العقل.
2. حاكمية العقل الفلسفي والأخلاقي.
3. نسبية الحقائق، بما في ذلك نسبية الحقائق المفترض أنها مطلقة لنسبيتها في الذهن كفهم بشري.
4. المذهب الظني الذي يعتمد الإيمان اليقيني بالله، لوجوبه العقلي، والإيمان الظني بالدين، لإمكانه العقلي.
5. التفكيك بين الإيمان والدين كإمكان عقلي غير محسوم.
6. التجرد من المذهبية التقليدية، واعتماد مذهب شخصي لكل ديني عقلي ظني.
ويؤسس بناءً على ذلك لمذهب قائم على ثلاث ركائز أساسية، هي:
- العقلية
- التأويلية
- الظنية
والتي تتفرع عنها مجموعة من الركائز الثانوية، منها:
- العقلانية
- الإنسانية
- العلمانية
- النسبية
- اللامذهبية
- التفكيكية
والتي، أي التفكيكية، يناقش الكتاب على ضوئها مع الدينيين العقلانيين أو اللاأدريين الدينيين إمكان - أو لعله من زاوية ما - رجاحة التفكيك بين الدين والإيمان، دون إلغاء أحد منهما للآخر، وليطرح (الإيمان)، أي (الإيمان العقلي)، كخيار ممكن ثالث، إلى جانب خياري الدينية والإلحاد (أو اللاإلهية)، أو بتعبير آخر خياري الإيمان الديني واللاإيمان، أو لنقل يطرح خيار الإلهية اللادينية أو اللادينية الإلهية، في مقابل كل من الإلهية الدينية، واللادينية اللاإلهية.
هذا بالرغم من أنني، كمؤلف لهذا الكتاب، قد حسمت خياري، كما سأبين إجمالا في هذا الكتاب، وتفصيلا في الكتاب اللاحق [الكتب اللاحقة]، فيما يأتي من عقائد:
- يقينية الإيمان بالواجب العقلي، أي بالله.
- اعتماد أن الدين ممكن عقلي، يتساوى بحسب موقف العقل منه طرفا الصدق وعدمه مفهوما، مع امتناع نسبة مصاديق هذا الممكن العقلي (الدين) إلى الله عند التنزيهيين، أي المُنزِّهين لله.
- اعتماد مبدأ أن كمال توحيد الله تنزيهه، وكمال تنزيهه نفي الدين عنه، إذا ما ثبت أن الدين والطاغوت ليسا إلا اسمين لمسمى واحد.
أفكار نمت وتكاملت ملامحها ضمن خضم الفكر السياسي والتأملات الفلسفية، عبر مخاضات لتجربة ذاتية، تشكل أهم مفاصلها السنوات 1962 (الإلحاد)، 1977 (العودة إلى الإيمان [بالله وبالإسلام])، 1997 (اعتماد تأصيل مرجعية العقل)، 2007 (المذهب الظني ثم لاهوت التنزيه)، بالنسبة لي كمولود في مطلع الثلث الأخير من نوڤمبر 1944.
بعض مضامين هذا الكتاب ينتمي إلى مرحلة سابقة من تحولاتي، أعدت قراءتها ونقحتها، على ضوء ما توصلت إليه اليوم.
قسمت كتابي في البداية إلى ثمانية فصول، هي:
1. المدخل الفلسفي حول الخالق والدين.
2. رحلة تحولاتي الإيمانية والفكرية والسياسية.
3. المذهب الظني.
4. صلاة الظنيين والتنزيهيين.
5. لاهوت التنزيه.
6. قرآنيات.
7. مقالات في نقد الدين.
8. مناقشة النبوة والإمامة.
فجعلت الفصول الأربعة الأوائل في الجزء الأول، حيث أني بعدما تجاوز عدد صفحات الكتاب الألف صفحة، رأيت أن أجزئ الكتاب إلى جزءين. لكن وبترجيح من الناشر، وتداول بيننا، رأينا بدلا من أن يصدر كتاب واحد بجزأين، أن أجعله عدة كتب، فانتهيت إلى جعلها أربعة كتب [ثم أصبحت لحد الآن خمسة]، حسب المادة المعدة حاليا، تتبعها بإذن الله كتب أخرى. بالذات الكتاب الثاني سيكون ذا علاقة موضوعية وثيقة بسابقه هذا.
إن أصبت في شيء، فبتوفيق الله، وإياه أشكر، أو قد أقول مجاراة للاإلهيين بما وهبتني الطبيعة، وإن أخطأت، فعذري أني إنسان، وعالم الإنسان عالم النسبية، وبالتالي عالم الصواب والخطأ، وحسبي فيما لم أصب به الصواب صدقي شفيعا لي إلى الله، أو إلى محكمة العقل والضمير الإنسانيين.
وأمر أخير مهم لا بد من التنويه به في هذه المقدمة. هو إن الذي يميّز بحثي في كتابي هذا وما سيتبعه من كتب ثلاثة، وفي مناقشتي للدين ونقدي للفكر الديني فيها، بقطع النظر عما إذا كان الدين بدعة ابتدعها الإنسان، ثم نسبها إلى الله، بنية الإصلاح أو بنوايا أخرى، أو ما إذا كان في الأصل وحيا إلهيا، ثم صنع منه الإنسان ما صنع، من فهم واجتهاد وتفسير وتأويل، وربما تحريف؛ أقول إن ما يميّز بحوث هذا الكتاب، أو هذه الكتب، هو أني إنما أعتمد المنطلقات، وأنطلق من الأسس، من الأصول، من البنى التحية للدين، أو فيما هو اللاهوت العقلي، أو ما هو بين الديني والعقلي، ففيما يتعلق بالإسلام أتناول العقيدة، والأصول، والقرآن، أي البنى التحتية لموضوعتَي (الدين) و(الإيمان)، ولا أتناول البنى الفوقية (السيرة، التاريخ، الفقه، الفروع)، إلا بشكل ثانوي، كمرور عابر، وليس كتأسيس. يعني الذي يهمني - ليس حصرا، ولكن بدرجة أساسية - البنى التحتية، وليس البنى الفوقية، الأصول، وليس الفروع، النص المؤسِّس، وليس النص المفسِّر أو المؤوِّل أو المستَنبِط. وإذا ما تناولت شيئا من البنى الفوقية (من فقه واجتهاد وتجربة تاريخية)، فلا أتناول ذلك إلا على هامش الموضوع، وليس في صلبه، ولذا يجري التركيز على البحوث اللاهوتية أو الكلامية، والعقلية الفلسفية، والقرآنية. كل هذا لأني أرى أن الأصول، لا الفروع ما ينبغي البحث فيه بحثا عقليا محضا متجردا، منتزعا فيه الباحث نفسه من كل الخلفيات والمؤثرات والموروثات السابقة للبحث، فينزع كل ثيابه تلك، ليدخل ميدان البحث عاريا إلا من عقله وموضوعيته وتجرده.
21/11/2016