الحيرة في قصيدة -حرف على الهامش- وجدي مصطفى

رائد الحواري
2016 / 11 / 20

الحيرة في قصيدة
"حرف على الهامش"
وجدي مصطفى
دائما تكون الكاتبة الأولى صعبة، تحمل شيء من الرهبة، وكأني اقف أمام الجمهور لأول مرة، هذا ما يصيبني عندما اكتب عن كتاب/نص لكاتب لأول مرة، رغم أن القصيدة "حرف على الهامش" متواضعة في حجمها، إلا أنها تقدم فكرة عظيمة، لما تشكل من حالة اشكالية لنا، فكرة الحيرة، كيف نختار، وأين نقف، وأي زمان، وأي اتجاه هو المناسب، ومن هم الأشخاص الذين نختارهم، نقف معهم؟ كل هذه الأسئلة حاضرة في القصيدة، فيمكننا أن نعتبرها قصيدة، تساؤل، لما تثيره فينا من تفكير وضرورة تحديد خياراتنا، "إن استطعنا إلى ذلك سبيلا"
المكان/الحالة لتي يقف فيها الراوي معالمها بهذا الشكل:
" بين الشيء ... و اللاشيء
بين حياه باذخه بعيده عن
الإسراف
وتواضع لا يشوبه إسفاف
ورقى لا يخالطه تكبر
وقوة بعيده عن التجبر
اقف على الهوامش
الراوي يقف على الحياد رغم حضوره/تواجده في حالة مترفة اقتصاديا "بين حياة باذخة بعيدة عن الإسراف"
لكن ما يعانيه ليس المادة، بقدر حالة الحيرة التي يمر بها، فهو يتمتع بثقة بالنفس علية المستوى
"تواضع لا يشوبه إسفاف"
ويعيش في حالة من لرفاهية
"ورقي لا يخالطه تكبر"
ويمتك نفوذ/سلطة
"وقوة بعيدة عن التجبر" مع كل هذا الوضع الجيد والاستثنائي في منطقتنا، التي يعمها الفقر وما يحمله من ذل، وما يترتب على الفقراء أن يكونوا تحت رحمة الأسياد، فالراوي يعيش في حالة استثنائية إذا ما قارنها مع الحالة العامة، ومع هذا نجده غير راض عن هذا الوضع/الحياة المترفة، فقرر أن يكون/يقف "على الهامش" وهنا السؤال، لماذا يريد الراوي أن يكون على الهامش، هل هو خائف من الانزلاق إلى هؤلاء المسحوقين، فيكون مثلهم، فيفقد كل ما يتمتع به من امتيازات ويعيش الحالة البائسة التي ينتقدها؟
لنا نحن المتلقين أن نتحدث عن هذا الخوف، وبالتـأكيد هو خوف مشروع ومبرر، فليس من السهولة التقبل/الانتقال من حالة مترفة إلى حالة بائسة، ومن السهل القبول/الانتقال من حالة بائسة إلى حالة مترفة.
من هنا وجدنا الراوي يقف/اختار على يكون على الهامش/الحياد، لكن وجوده في وعلى الهامش، أيضا يجعله مرتبك، فمكانه غير محدد تماما، لا هو في جنة الرفاهية ولا في جحيم البؤس، ولهذا نجده أيضا يعاني من هذا الهامش/الحياد:
" خيطان رفيعان
خيط ابيض كأنه بياض الحرير
و خيط اسود كأنه سواد الكير
تحديد اللون الابيض والأسود بهذا الشكل يجعل الاختيار اصعب، فلا يوجد من هو رمادي، وعلى الراوي أن يحدد مكانه تماما، فليس هناك منطقة محايدة/متوسطة، وهنا يكون الاختيار حاسم وقاطع، أما مع أو ضد، اما نعم أو لا، فهل من السهل الاختيار؟
ينقلنا الراوي للحديث عن الطرف الآخر، الطرف المسحوق في كل شيء،:
" والقاع يبقي مزدحم
بفقراء الحرية .. وضحايا الحروب
ومظلومين السجون
و رفقاء الالام والوجع
وأصدقاء الوحدة المقيتة
الذين لا تخلو صدورهم من
غصه
لقد تناول الراوي ـ بشكل إنساني ـ ما يعانيه هؤلاء الآخرين، الذي يشكلون اكثرية "القاع يبقى مزدحم" وهذا إقرار منه بعد صواب وصحة حالتهم، فهو متعاطف/ينحاز لهم ولقضاياهم، من هنا تحدث عنهم بتفاصيلهم الموجعة، وكأنه يريدنا أن نتعاطف معهم أولا، ثم نتعاطف/نؤيده إذا ما اختار هذه الاتجاه/الطرف، أو أن نتعاطف معه إذا أراد أن يبقى في مكانه على الحياد/الهامش. وهنا تكمن عبقرية الراوي، هو لا يحسم أموره ولا يقدم حلولا، بل يقدم وصف حال, وعلينا/عليه أن نفكر أولا إلى أين نقف/نكون.
استمرار الحديث بشكل مفصل عن "سجناء الحرية، وألآمهم، وعمن يعانون نفسيا "أصدقاء الوحدة المقيتة" كل هذا يجعلنا/يجعل الراوي يحتار إلى أين سيتجه، أين سيكون، فلا هو قادر على البقاء في "عليين" ولا قادر على المساعدة/النزول إليهم فيكون مثلهم، حالة صراع/تناقض لا يمكن حسمها بسهولة.
ينهي الراوي قصيدته بهذا المقطع:
" معادله صعبه بين الشيء
.. واللاشيء
واكون ... أو لا أكون
عدم اعطائنا/تحديد الجهة التي سيتجه إليها يمثل ذكاء الراوي، فجعلنا نحن المتلقين نحتار معه، وكأننا نحن مشاركين له ومعه فيما يمر به، وهنا يكمن ابداع الراوي، أثارة التساؤلات، دمج/اشراك المتلقي في الهم/الحالة التي يمر بها، ثم تركه يفكر أين سيكون.