مع أبي حيان التوحيدي في محنته -3-

إبراهيم الوراق
2016 / 11 / 20

مع أبي حيان التوحيدي في محنته -3-
بعد أن خضنا مسافات طويلة في سبيل تحرير المعنى الذي نستجلي به كمد أبي حيان التوحيدي، يلزمنا أن نقول: إن أبا حيان التوحيدي، كان صورة مجسدة لقلق العالِم الذي يُسجن حلمه بأشطان الشقاء، ويشنق نظره بأنظار العناء، ويموت أمده بين متاعب ديار فجة بالهباء، وفجاج غضة بالعماء، وأكوار تعتاش رديء الأقوال، وتقتات معاني ذابلة تستهدي بها إلى وطيء الأفعال. ومن هنا، كانت صرخته مدوية بين عروش الأفئدة الحائرة، وقد أطلقها في فسيح قلوب مضرجة بالفجائع المتدلية خيوطها بالآلام الكاسرة، وكانت كلمته مسموعة في آذان ضجت من العويل المزلزل بالألحان النافرة، وهي تبحث في ضلال الزمن عن هدوء الأماكن الخانعة، وتنتقي من أطايب المكان ما ناله النسيان، وغدا دليلا على الكتمان.
فلا غرابة إذا كانت له هذه القيمة التاريخية، وصار له على امتداد الحوادث أثر في رواية لاعج الماضي الظاهر، ورسوخ الصوت المنتحب في الحاضر، لا لكونه قد نال الحصة بالفرض من جهة القلق، أو بالتعصيب من جهة الومق، بل لكونه اجتاز درجا يمر عليه من أراد استكناه معنى الضياع في قلب العالِم الأمكن. وهو ليس إلا لحما، وعظما، ودما في الصوغ الأبين، فإن صبر لحمُه على الفقر، واحتسب هشيشُ عظمه الأجرَ، فإن ما فيه من دماء الحرية، لن تدعه لقبول الهزيمة في آخر الجولة. إذ العالِم للطبيعة أنوف، وألوف، لأنه موقن بشرف ما يحمله من سر الخليقة، وهي ليست إلا أسرار أعداد وأوتاد حروف في الطبيعة. ومن لم يحس في العلم بهيبة، فقد شق عصا الجماعة بحيدة، وغدا دعيا بلا نسب يروى، ولا حسب يحكى. إذ نسب العالم، هو حسبه في الملة، وكلاهما في الدور لازم في النسبة، وواجب في الُمنية، لأن العالِم بدون منية كرامة تهز أعماقه، وترج أذواقه، لن يكون نبراسا لمن سلك سبيل الطبيعة، وسافر على محيط الحقيقة.
وهنا يهتز عمق العالِم إذا أهين العلم فيه، وأدين عزه في أوغاد صموا، وعموا عنه، وأغلق بابه على سر حماته، وجور رعاته. ومثله في الشعور بخطيئة الضياع بين لُد الأعداء، هو كلُّ من رام الوصال في أرض الأشلاء، وهو أجزل حظا في أن يناله بغبنه شؤم المطالع التي قدسها معتقد الأثر في الأنواء. لأن العالِم الذي غلا ثمنه، وعلا خبره، لن يكون إلا المعبر عن صوت الفجيعة التي فصلت بين الصفات، وجبرت النقص بادعاء الكرامات. إذ من بؤبؤها تنزف رغبته في إصلاح مناكب الأرض المزروعة بالآثام، وإيقاظ مصانع العقول الغافلة عن الأحكام. وهو لا معدى له عن أثرها في فقد الحقائق للمقام، عساه أن يكون أفصح من غيره بمكمن العلة في أحلامها، وأوهامها بنون التمام. ولذا، كان أبو حيان التوحيدي صوت الفجع، والجرح، والحزن، والنفس الملتبسة الأسباب، وهو غائر في مشاشة الألباب، وحشاشة الأخناب، وكلاهما مقام لمن أراد الفصل بين مسالك الذوات، وارتجى أن يكون السر في سبك جامعة الأجناس المنيعات. فهل نال التوحيدي مقام القلب بعبرته.؟ أم كان سعار الحزن يقتل عقله.؟
لعل قراءة ما كتبه، والتأمل فيما دونه، لا يبين الأمرين بأجلى مظهر، وأجمل منظر، لأن انزياحه في المعرفة بين الأقاصي والأدانى بغلة الآمال العطشى، لن يعيدنا من رحلة الاستكشاف إلا حيارى، ولن يفيدنا برائحة نستجلي بها من طيب فوحه الأزكى، ولن يصيرنا أبعد عن سير حرفه الأذكى. وأولى بنا هنا أن نميل إلى سعة الضيق في الأمل، وخفة الحلم في الأجل، لا إلى مقتضى القول بزندقته، وهو ما خاض صخب الأماكن إلا مستترا بزفرته. إذ في المقام بحوث عميقة، والنزول عنها سفالة في الهمة الدنيئة، لأن المعنى العظيم، لا يسترخصه إلا لئيم. فلو ارتقت الذات عن معدن الجفاء، واحتوت الجمال بوفاء، لرأيناه وصفا في التخطئة، وحكما في التبرئة. لكن عقول الأوباش، لا تسلم منها جِرار الشرف، وأوراق الرياش، لأن الشرب من صديد الوقيعة، لن يجعل نمير المعاني إلا علقما في الخبيئة. فكنت تحاكمني في ذاتك بماهيتك، وتقاطعني بفعلك في أثرك.؟ فأنت المدان والقاضي في حقيقتك، وأنا الحُكم الحاكم في غورك، لو فقهت كيف ركبت الدعوى فيك. إذ لو أردت المحاكمة، وأقمت المعادلة، لجعلت لي حق التعريف برأيي، وإذ ذاك يصير حكمك عندي أملا في النجاة بأربي. والأدهى أن يكون صوت العالِم مخنوقا في صدره، ومحبوسا في طوره، لأنهم ولو أعولوا عليه بالنكير، وأوقدوا حوله نيران النفير، فإنهم ما زاروا قبة السر، وما وقفوا عند حرمة الظهر، بل صار من يذكر الناس بوجود علم سوى ما وصفوه، هو العدو المستجير بالفناء فيما ختموه.
وحقا، هكذا كان أبو حيان التوحيدي، فهو لم يعرف فيه الحال، ولا المقام، لا لكونه بدون شك، أو يقين، وبدون قبض، أو بسط، بل لكون الزمن الأسحم بالهزائم المُجهزة، لا يدع صديقا للعالِم الحزين الجوانح المعذبة، فسواء العلماء، وهم بين رضا يمنحهم صك الأمان بسخاء، أو سخط يسوق بين سكك العناء، أو العامة، فهم المالكون لصورة البهجة، ونفحة الومضة، ولو فقدوا معناها في التقدير، وضيعوا سرها في التدبير. ومن هنا، لا أراني أعدو شطط اللحظة إذا حاولت أن أزيل اللثام عن حقيقتنا في حقيقته، وأكشف فيها ما عساني أن أهتدي به إلى سر أبي حيان الكامن في قوة حرفه، وهو في كثير من قوله يسبح بين الأعماق المتنائية المواطن، والمتناسبة المكامن، وأحيانا يطفو، ثم يدنو، فيرفع يده مشيرا، وصوته مستجيرا، ويقول: ها أنذا مؤمن بإيمانكم، فلا تهدموا بيتي بسفه أحلامكم، وجور أحكامكم. ولذا أقول: إن أبا حيان، لم يكن سره في كلِمه، وإنما في كنهه، فهو العالم المتعزز بعلمه، والمتفرد بصوغه، وهو الصوت المعبر عن حقيقته، واللون الذي يميز طبيعته. وكيف لا يكون عقله نارا تحرق هشيم النفوس الضعيفة.؟ أجل، ما أحقرها من سخرية إذا كان السؤال عن البدهي بلفظ أنيق، فاغتر الجبان باللفظ الرقيق، وتاه في صيد المعنى العتيق، فلم يدرك المغزى، ولم يحصل المبنى، ثم خاض في متاهات التحديد بلا فحوى، فلم يأت منه إلا الصديد في البلوى.
هكذا كانت سخرية التوحيدي بأوجاع زمنه، لأنه في بداياته، ونهاياته، لن يعدو عزه المجموع له بعلمه، وحق له ذلك في كسبه، وقد تعزز بشيء له قيمة في الدائرة البشرية، واعتلى بشأن لا زوال له في معاني الكمالات الإنسانية. لكن هل العلم هو الذي رفع نجمه، وأضاء به سماءه.؟ لو قلنا بذلك، فما وضعنا أناملنا على مفتاح الأمان في سيرته. لأننا لو احترمنا فيه دقة علمه، وجلاء فهمه، فهل سنسلم من لسعة غضبه.؟ لو قلنا بسلامتنا في حضنه، فمن هذا الذي سلِم منه، وهو لم يسخر إلا لمن سلَّم له.؟ أشياء تتوارد في عمق المأساة التي تخلق العالم كاتبا يموت بسمه، لا بسيفه، وتصنع الحرف ناطقا بخشوعه، لا بغروره، لكن الذي يميز أبا حيان التوحيدي هو أمران: الأول كامن في ذاته، وقد عبر عنه بغموضه، فقيل: هو زنديق في حله، وترحاله. وأحيانا صرح بوضوح، فقيل: إنه نال من أهل الله أمن القول الصريح. وهنا يبدو لي أن أبا حيان، ولو كتب ما أبدع، وأنشأ ما أمتع، فهو في كثير منه لم يصرح إلا مستعيرا لشكه غموضَه، ولعشقه حيرتَه. وهنا يكون الغموض أول الأسرار، لكونه يدل على حرارة جمرة المعنى في الباطن المنفعل ظاهره بالأغيار. لاسيما والمكان غير قابل للاحتواء، والزمان لا يأتي منه خبر إلا للاحتماء. وما يروج من رخيص بدهي العلم في الحيازة، والرواية، هو المنية في كسب أمل الحياة الدنيوية، والأخروية. ولذا يكون العشق للذات عنده غاية الأدوار، ونهاية الأطوار، لكونه الأمثل في نيل المقامات العلية، والمناقب الندية. فما هو هذا المعنى الذي تخفيه الشراسة، وأحيانا تبديه الصلافة.؟
لعل ما يختفي هنا، ليس نابعا من كونه استدرارا للرزق، أو استدراكا على الحق، بل مما ينزوي إلى قاع سحيق في الغور البعيد من أعماق مجهول الذات الحائرة، وهي تخب بين لواعج الباطن وسوانح الظاهر بآمال حالكة. لأن الانتقال بين صروف المراحل، لا يحكيه إلا من نزل بحبور المنازل، واحتوى ما فيها من أسرار الفضائل، ولولا ذلك لما اكتسبنا تاريخ الأكوار، وصوت الأنهار، وفوح الأشجار. وهل العلم إلا حكاية ما نزف من الأماكن، وصدحت به بين الأزمان.؟ فطي الصفحة بدون أن ينقش عليها الحرف ألم الحضور في البلاء، لن يجعلها عهدا يستوجب الوفاء، لأن كسر الأقلام في زمن يرتعش بالأوجاع، لا يكون إلا إصماتا لصوت الأوضاع. وهل نحن إلا أوضاع تتلى، وأوجاع تروى.؟
وحقا، إن ما نشره التوحيدي، وطواه غيره في القضية، هو السر الذي قتل السهروردي والحلاج بسيف الحقيقة المضلة، وأغرق أرض المعنى برجيع الذعر المقرور عهره في الذوات المغرضة. ولولا ذلك، لنال كل متفرد حريته، ومتميز قوته، وحينئذ يكون الوصل بين الأجيال وثيق العرى، ويصير الحب وئاما بين مرابع القرى. لكن ما يجول فيه عقل التوحيدي، ليس هو الحديقة التي غرسها العلماء، وسقوها بمياه الرضوخ ولاء، وشذبوها بأخلاق الخنوع وفاء. بل هي تلك الصحراء العميقة، وهي تزفر بأصدائها المجلجلة بآهات العشاق المتمايلين طربا بالأنفاس الدقيقة، وتنوح بأشلائها الممزقة بين المهاد، والمحترقة بين الوهاد. ذلك الصوت، ومهما رسمنا له حدا بالتبين، فإنه لن ينطق إلا إذا انفجر من عمق الحزِن بالأنين، والحنين. وهنا اختلف الوجهان، وتنوع النوعان، لكون كل واحد منهما حريص على ما احتوى من قسمة، ولو بدت لغيره حقيرة في الحظوة، ورديئة في الكسوة. لكن التوحيدي زهد في المحدود للابتهاج، لكي يسرح بين الأماكن بلا خوف من الاعتلاج. لأن همة العالم، لا تحدها نوائب الدهر، ولا كواسر الظهر، بل هي الحديد في سلب المعاني عن بعضها، والذهب في سبك نظامها فيما بينها. وهنا، يكون عندي أبو حيان التوحيدي حائرا كغيره، ولكنه موقن بسره، وثائرا في عمقه، ولكنه هادئ في عقده، وناقما على نفسه، ولكنه عطوف في فؤاده. إذ لولا عطفه الذي يبديه يبس اليد عن منازلة شؤم الديار الخانعة، لما أوجدنا في القاع معنى ساميا يحكي ما توارى بين الظروف من معاني الوجع، ومجامع الورع. وهنا يصير علمه بذاته عزيزا في دويرته، ولكنه غزير عند من شهد الحرف هاتفا بصوت كاتبه، لأنه الأجلى في كشف الصورة، والأظهر لمعنى الحقيقة. فكيف يمكن الانتقال بين معاجم الأسرار، ومناهج الأخيار، والصفة صفة الثبات، وهي العالِم، والمقام لا يستولي فيه المعنى إلا على الخالد الآيات.؟
هنا تكون الصفة حجابا عن الإدراك الحقيقي، لأنها لا تتحدد بالمعلوم البشري، بل حدها هو بدايتها، وهي نهايتها، ولا شيء يدل عليها إلا ما كمن فيها من أذواقها المكتومة، وأخبارها المشهورة. والشيء الذي تحكم نهايته بدايته، هو الأكثر خفاء في قلق الضجر، لأنه السير بين المدين بلا قيمة للخاتمة في الفِكر. ومحاربة الصفة القائمة بك بحثا عن الشجرة المقدسة في المعرفة، وفيها صهد الأفياء، ونوح الأمداء، لن يترك الظاهر صفاء في عناق الطبيعة. وهنا تتهم السرائر بألوان البارز الخفي، لأن أهل الظاهر الجلي، يقدسون الثبات بإيقان، ويرفضون المتغير بإيمان. ومن هنا كانت حرب أهل الرسوم على فلاسفة العلماء شديدة، لأنهم أدركوا الحقيقة بالرسم، لا بالحد في الحقيقة الدقيقة. والتعريف بالرسم، ما هو إلا حد ناقص، وما أنتجه النقص في الانتقاص، لن يكون كاملا في كمد الاسترزاق، وحرب الاسترقاق. ولذا قالوا بالتعبير عن حال شقائهم أنهم أهل الرسوم، لكونهم يلغزون إلى هذا المعنى المسجور في أحشاءٍ تتلظى بالغموم، ويشيرون إلى حقيقة المعرفة في مجمع فقه علمِ السُّموم، لأنهم اكتفوا بالجمع بين المتناثرات، والمزج بين المتنافرات، فسبكوها في نظام لا يستوعب الحقيقة التي لا تقبل التجزئة، ولا ترضى بالقسمة. وما أفلح من ظن الوصف هنا منصرفا إلى أنهم أهل ظاهر، وغيرهم أهل باطن في الخبر، لأن الأوصاف لا تدل على أسمائها، والأعيان لا تشبه أجرامها، إلا إذا دلت بصدق على استيفاء اللفظ لمعناه، والاسم لمسماه، وإلا كانت فواصل تقطع إدراك سبل الحقيقة، وتقتل إحساس الرغبة في حصر المعاني المتفتقة من الطبيعة.
ولذا، لا يصح أن يكون هؤلاء أهل ظاهر بلا عمق يرى، وينمى، أو أنهم لم يخزنوا في الذات إلا ما تفشى، وتبدى، فيصير علمهم على هذا القول جاهرا بالعلامات، لا كاشفا بالآيات. لأن صريح هذا الرأي لا يناسب المقام في هدف الآراء الصادقة، وغاية الأقوال الظاهرة، ولو تعرى الحال بالمكائد، وتقوى بالمصايد، إذ لا ظاهر إلا وهو معلق بذيل باطنه، ولكننا نختلف في درك الكنه من الماهية فيه، وهي سارحة في الجوهر، وهو الذي يمنحنا بساط هوية نتسامى بها في الظهور. لأن ظاهرة العلم في الحقيقة البشرية المحضة، لا يجوز لها أن توصف بالعظمة الصرفة، ما لم يكن لها عين في المادة البائدة، وكنه في الروح الخالدة. وهما محل العلم، ومجال نقاشه في الخليقة، إذ محله الثبات، والتغير في المحال المتباينة. ولذا، لا يصح أن يسمى هؤلاء أهل رسوم بلا بيان، لكونهم توقفوا عند الأشياء بلا شعور البواطن. بل لكونهم حازوا المعرفة بدون حدود، فاختل الميزان في كسب الحقيقة بلا قيود، فلم يستوعبوا ما تأتي به لذات العشق الإلهي من معان لا تحصرها اللغة إلا إذا أدركت في مقامها، وهو ذات كل واحد في مرامها. إذ لا تلبس إلا صراح أنفاسنا في أعماقنا، ولا تزفر إلا بأورامنا في أحكامنا. ومن هنا، فإن الإدراك يتأتى في حدود الذات المهيأة للمعرفة، وحين غاض المعنى في الحقيقة، وتجلل اللفظ بالبهاء، وتهلل بالخفاء، كان الإنكار سبيلا مورودا لمن ولغ في دماء العلماء، فلم يشهد فيهم إلا ما نطق به الأغبياء، واستولى عليه الأقوياء.
ولا غرابة إذا أنكر العلماء على الحكماء، لأنهم خاضوا في بحر الوجود بلا أدلاء، وهو أعسر درس تنال به النهاية، وتكتسب به الحقيقة. أو إذا أنكروا على الصوفية، لأنهم جالوا بين الديار وطافوا، فلم يروا شيئا إلا الجمال فذهلوا، وتاهوا، وقالوا إن هذا الكون الذي تتهمونه بفقد الفلاح، هو محل الصلاح، ومجلى الفساد في نزوح الذوات عن حضرة صانع الأوزان، وفتور الهمم عن طي المسافة بين الأكوان. وهنا اختلف النظران، وانتفى الأملان، لكون كل واحد منهما في مذهبه، هو الأدق من غيره في التعبير عن حاله. فذا بلغ منتهى المرتقى، وهو سير في الوجود بأقدام الموجود المرتجى، وذاك قد وصل إلى نهاية المنتقى، إذ نهايته هو الوجود في المجتبى، لا المعلوم الموجود في المنتحى، فارتقى في بحار المعرفة بلا مبتغى. لأن نوادي الحقيقة، لم تكن مقصورة إلا في خيام الطبيعة، وهي المراح للتحديق في مرآة الألوهية. وهنا اختلف النظران، وتوارد الهمان، لكن، ولربتما، لن تكون صوفيا حتى تكون حكيما في فهم طرق بناء الحيوات البشرية، ولن تنطق بالمعنى الأسمى إلا إذا كنت عاشقا للمعاني السرمدية. وهذا مشترك الأقدام عند من فرق بين الحكمة، والتصوف بلا تآلف المعنى على القرينة المشتركة، والمحاكمة، ولم يميز في الأشياء بين حدود النظر، والتأمل، والمحادثة، والمجالسة.
ومن هنا، فإن أهل الرسوم، لم ينكروا على أبي حيان تصوفه، وإنما أنكروا حكمته، لكونه الأجلى في المعنى الأول، والأخفى في المعنى الثاني. وهما لا يمثلان إلا في عمقه، ولا يقعان إلا تحت نظره، ولو ادعى الفصل من رام العلماء بالرزية، وابتغى أن يعثر على قيح المعرة في المخابرة الإلهية. وجماع القول، أن أبا حيان لم يكن بمعزل عما يذرف دمعَه كل من خال الكون جمالا، فتباطأ به الحلم فرآه بغمام العناء مجللا، وبأصوات تشق الفضاء عويلا مكللا. لكن ما يميزه، هو ما يصل بين الذوات من حبال تنزف فيها بالمقابل لها من المعاني، وما يفرده، هو ما تفارق الناس بالحد أو بالرسم في طيه لفقه المباني. فمن جعل الكون فسيحا للخليقة، فيه معاشهم، ومعادهم، وغدوهم، ورواحهم، وأملهم في الحقيقة، فقد حد المعنى عنده بمعنى عظيم، وأمر كريم، وما عظم جرمه، طالت مسافاته، واتسعت مساحاته. ومن رآه ضيقا على الأحلام الزاهرة، فقد رسم المقام عنده بأبهر الألوان الباهرة، فاختار البريق في ما يلمع بين الديار من نوال، ولم يأت منه إلا موفور الجهد في كشف الدوال. ففرق بين أن يحتويك الاسم، أو أن تحتوي المسمى. ولكل واحد منهما مداره، وما أضيقه حين يكون معنى ساميا في لغته. ومن هنا، فإن تعدد المشارب في صوغ الخلاف بين الأشياء، ما هو إلا حصيلة النظر في الأنحاء، وغاية مجردة انطلق نحوها الإنسان حين أجاب عن سؤال الوجود بإيماء. فالذين رأوه مجرى أسرار الربوبية، جعلوا ما نالهم منه تربية، وترقية، والذين رأوه مجلى الذات في الأشياء، حرصوا على نبل الطلب حذرا من السلب بعد العطاء. وهنا يكون أبو حيان عندي سطحا تتبارى عليه نصوص الحكماء، والعلماء، والعقلاء، لأنه قد حاز في كل حرب حظا وافرا، ونصيبا ظاهرا.