القاموس القرآنى:(رجع)ومشتقاته( 2 من 3 ):( إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)،(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)

أحمد صبحى منصور
2016 / 11 / 20

القاموس القرآنى:(رجع)ومشتقاته( 2 من 3 ):( إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)،(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)
مقدمة :
1 ـ عن حتمية رجوعنا الى الله جل وعلا يأتى أشهر تعبيرين فى القرآن الكريم ، وهما أن اليه جل وعلا المصير ، أى لا بد ان نصير اليه ، والتعبير بالمبنى للمجهول : (إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) . أى مرجعنا اليه رب العزة رغم أنوفنا .
2 ـ يتميز تعبير (تُرْجَعُونَ ) بأنه يشير الى حقيقة مجهولة ، اننا كنا فى مكان ثم سنرجع اليه . وهذا معنى الرجوع . ورجوعنا اليه رغم انوفنا . فما هو هذا المكان الذى كنا فيه وخرجنا منه ثم سنرجع اليه ؟ لنبدأ القصة من أولها :
أولا : من عهد الفطرة الى رجوعنا للخالق جل وعلا
1 ـ خلق الله جل وعلا الأنفس البشرية كلها معا من نفس واحدة فى عالم البرزخ ، واخذ عليهم جميعا العهد الذى أشهدهم فيه على انه الخالق جل وعلا ، وفطرهم على هذا العهد ، وهذه هى الفطرة التى فطر الله جل وعلا الناس عليها ( الروم 30 ). وعن هذا العهد يقول جل وعلا : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) وشهدوا ، وجاءهم التحذير من نسيان هذا العهد ثم يأتون الى لقاء الله جل وعلا ويحتجون بأنهم غفلوا عن العهد ، أو أنهم ساروا على سُنة السلف وما وجدوا عليه آباءهم :( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) الاعراف ). بعدها قال جل وعلا : ( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) الاعراف ).
2 ـ بين اللقاء الأول مع الخالق واللقاء الآخر فى يوم القيامة تقع هذه الحياة الدنيا، وهى الحياة القصيرة الدانية القريبة . أو هى ( اليوم الأول ) الذى يليه ( اليوم الآخر ). و( اليوم ) تعبير زمنى . فالحياة الدنيا يوم زمنى قصير مقابل اليوم الآخر والذى يكون فيه الزمن خالدا لا نهائيا . والأنفس البشرية تأتى من برزخها لتدخل إختبار هذه الحياة الدنيا ، بدءا من نفس آدم وزوجه الى نهاية أخر جيل من بنى آدم قبل أن ينفجر العالم وتنتهى هذه الحياة الدنيا تمهيدا ليوم القيامة الذى يقوم فيه الناس لرب العالمين فى اللقاء الآخر فى اليوم الآخر ، وهذا هو معنى الرجوع الى الله جل وعلا .
3 ـ خلق الله جل وعلا الأنفس كلها مرة واحدة فى البرزخ ، وسيبعثها كلها مرة واحدة من البرزخ ، يقول جل وعلا : (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ )(28) لقمان) . ولكن دخول كل نفس الى جسدها فى هذه الحياة يكون بترتيب الاهى وكذلك موتها وإنتهاء إختبارها فى هذه الحياة الدنيا . كل نفس مقدر لها سلفا موعد دخولها جسد الجنين الخاص بها ، ومقدر لها سلفا موعد خروجها الى هذه الحياة الدنيا ، ومقدر لها سلفا موعد موتها والمقدار الذى تقضيه فى هذه الدنيا ، والرزق المقرر لها والمصائب المكتوبة لها إبتلاء بالخير والشّر فتنة . هذه هى الحتميات الأربع المعروفة ــ تراثيا ــ بالقضاء والقدر ( الميلاد والوفاة والرزق والمصائب ). وما عداها فللبشر تمام الحرية فى إختيار الايمان أو الكفر ، الطاعة أو المعصية . وعند رجوعهم الى الخالق جل وعلا لن يسألهم عن الحتميات الأربع بل عن حريتهم فى مجال الايمان والكفر وعن عملهم الاختيارى بالطاعة أو المعصية . وبعد أن تدخل كل الأنفس البشرية أجسادها وتموت تأتى الساعة بإنفجارها ثم القيامة بإنفجار البعث ، ويكون رجوعنا للخالق ليذكرنا بالعهد الأول عهد الفطرة : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) الاعراف ).
ثانيا : ( وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)
1 ـ أعطى الله جل وعلا النفس البشرية حريتها وجعل لها التحكم فى جسدها الذى أعطاه لها فى حياتها الدنيا ، ثم ستفارق هذا الجسد بالموت ، ثم ترجع الى ربها بالبعث وقد إرتدت ثوب عملها تحمله على ظهرها ، وبه يكون نعيمها فى الجنة أو شقاؤها بالنار .
مع هذه الحرية الممنوحة للنفس البشرية فى حياتها الدنيا فإن كل الأمور ترجع الى رب العزة جل وعلا . ورجوع الأمور هنا تعنى أنه جل وعلا على كل شىء شهيد ، وانه جل وعلا قائم على كل نفس بما كسبت لأن من أسمائه الحسنى أنه القيوم ، وقد جاء شرح إسم القيوم فى قوله جل وعلا:( اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) . للحى القيوم جل وعلا ترجع الأمور ( بفتح التاء ) وتُرجع الأمور بضم التاء .
2 ـ و( الأمور ) جمع كلمة ( أمر ). و ( الأمر ) فى المصطلح القرآنى يعنى : التشريع ( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ) 29 الاعراف ) ويعنى الخلق : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) 82 ) يس ) وله جل وعلا وحده الإثنان معا : الأمر والخلق : (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) 54 ) الأعراف ). واليه جل وعلا ترجع كل الأمور .
3 ـ وفى هذه الدنيا فإن رجوع الأمور لرب العزة جل وعلا مرتبط
3 / 1 : بملكيته السماوات والأرض فهو يملك ويحكم ، قال جل وعلا : (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) الحديد:5 ) ويقول جل وعلا : (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) آل عمران:109) .
3 / 2 : ومرتبط بعلمه جل وعلا ،قال جل وعلا:( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) الحج:76) وقال جل وعلا:( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ) هود:123). وهناك مثال لهذا ، ففى موقعة بدر ، كان جيش قريش أضعاف جيش النبى ، ورأى جيش النبى جيش عدوهم قليلا فلا يهابون القتال ، وجعل جيش قريش يرون جيش النبى أقل ليتشجعوا غرورا . قال جل وعلا : ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) الأنفال:44 )
4 ـ وفى الاخرة يكون لرب العزة تمام التحكم ، ويفقد البشر وغيرهم حريتهم ، يقفون صفا واحدا امام الرحمن ، لا يتكلمون إلا من اذن له الرحمن وقال صوابا : قال جل وعلا : ( رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لّا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) 37 : 38 النبأ ).
إنه يوم لقاء الله جل وعلا ، يوم التلاقى بالرحمن ، اليوم الذى نزلت كل الرسالات السماوية تنذر به ، قال جل وعلا : (لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) 15 : 16 ) غافر ) فى هذا اليوم العظيم ترجع الأمور الى مالك يوم الدين ، يقول جل وعلا : (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) البقرة:210 ).
ثالثا : حتمية الرجوع الى الله جل وعلا يوم القيامة
قال جل وعلا : (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) العلق:8 ) وهذا الرجوع اليه مرتبط :
1 ـ بملكيته للملكوت . قال جل وعلا : (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) يس:83 ).
2 ـ ، ومرتبط بقدرته ، قال جل وعلا : (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هود:4 ).
3 ـ وبعلمه ، قال جل وعلا : (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الزخرف:85 ) .
4 ــ وأنه مالك يوم الدين ، حيث لا شفاعة لبشر. قال جل وعلا : ( قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الزمر:44 ).
5 ـ وهذا يعنى تهديدا مبكرا للمجرمين الذين يغرهم متاع الدنيا الزائل وحُطامها الفانى . قال جل وعلا :(مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمْ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) يونس:70 ).
6 ـ وبحساب البشر، قال جل وعلا : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) الجاثية:15 ).