فولتير .. الكاميكاز الفكري

مولود مدي
2016 / 11 / 20

يبدوا ان وباء الاصولية و التعصب الديني و الاجبار على اعتناق معتقد معين استفحل في العالم العربي بشكل خطير و هو من نتاج الاصولية التكفيرية بل الاخطر من ذالك وصول العدوى حتى الى الجالية المسلمة في الخارج فعندما تسمع عن عائلات اسلامية معتدلة هي التي انجبت مفجري نفق لندن في عام 2005 تعرف الى اي مدى وصلت العدوى.
لذالك ينبغي ان ندق ناقوس الخطر و ان نجند كل الوسائل اللازمة لمواجهة الوضع كالمدارس و المساجد و غيرها من الوسائل الايديولوجية.
حان الوقت ليحل الاسلام التنويري الحقيقي مكان اسلام الظلمات و التفجير و التكفير ! نريد فكرا متفتحا و متسامحا فكر يعترف بان من خالفك في المعتقد لم يرتكب جريمة ضدك !
حان الوقت لمواجهة الفكر الظلامي الاقصائي الذي لا يعترف بالاخر ان مواجهة الفكرة لا تتم الا بفكرة اخرى مضادة لها.
ان الفكر الاسلامي الظلامي لا يمكن القضاء عليه الا بتجفيف منابعه من تعاليم عصور الانحطاط و الضعف و الانحلال و الخروج من عقلية اتباع الاباء و عبادة النص و جعله شريكا لله الواحد !
ان المشكلة التي تعرقل و تؤخر الامة العربية الاسلامية عن اللحاق بركب التقدم لم تكن يوما مشكلة سياسية بل مشكلة فكرية تتمثل في تقديس التفكير القديم و تبجيل اصحابهم و جعلهم بشرا لا يقعون في الاخطاء و كانهم اتوا من كوكب اخر !
ان النظرة الجامدة للنص الديني و تاويله بنفس الطريقة القديمة دائما ما يعطي المبررات للجماعات الاصولية التكفيرية لارتكاب مجازرها و فظائعها في غطاء قتال " المشركين و الكفرة " باسم الجهاد و الدين ! و قتل كل مخالف لهم بحجة انه من اتباع حزب لشيطان يجب قتله و صلبه في النخيل اراحة للامة من دجله !
ان الفكر التنويري سوف يصطدم لا محالة بهؤلاء و على منظري الاسلام التنويري ان يفهموا ان جميع المشاكل السياسية التي تعاني منها الامة العربية لن تحسم و لن تحل الا بحسم مشكلتها الفكرية المتمثلة في الاصولية.
تحضرني بهذا الصدد قصة الفيلسوف فولتير الذي وهب كل حياته من اجل محاربة التعصب الديني و الاصولية المسيحية في بلاده ان هذا الفيلسوف القدير قد خاطر بحياته من اجل هذا الهدف النبيل الذي يتوقف عليه مصير اروبا جمعاء.
عندما هرب فولتير من الملكية الفرنسية الاستبدادية باتجاه انكلترا في 1726 صعق من تسامح انكلترا و حرياتها و ديمقراطيتها و لذالك يقال عن انكلترا انها " اعرق ديمقراطية في العالم " و لم يغادرها الا بعد ثلاث سنوات بعدما تشبع من فلسفة جون لوك و و علم اسحاق نيوتن.
عاد فولتير الى فرنسا و في نفسه شعور كبير بالمرارة و الغضب على الاوضاع الفرنسية فالف كتابه الشهير" رسائل انكليزية " و الذي سوف يصبح" رسائل فلسفية" و فيها يقيم مقارنة صريحة بين وضع انكلترا المتقدم ووضع بلاده المتاخر كما صب جام غضبه غلى الفرنسيين بسبب نفورهم عن سلك درب العقل و التسامح الديني و يضيف فولتير ان الناس في فرنسا منشغلون وغارقين في الاسئلة اللاهوتية التي لا تجدي نفعا مثل هل هذا الشخص مؤمن ام كافر؟ و هل هذا حلال ام حرام؟ اما في انكلترا فلا تجد الا المناقشات الفكرية على طريقة فرنسيس بيكون و طريقة جون لوك المنطقية.
و قبل ان ينشر هذا الكتاب فقد اخذ احتياطاته طبعا لانه يعرف جيدا انه سيتم ملاحقته بسبب ما كتبه فنشر كتابه دون توقيعه ثم اختفى في سابع ارض وهذا ما كان .. فقد صدرت الاوامر بحرق جميع مؤلفاته و تحريمها و اتهام كل من يقرا لفولتير بالزندقة و الخروج عن تعاليم الكتاب المقدس و هذا هو حالنا نحن. لكن مر الوقت و خاض الفلاسفة و المفكرين معركتهم ضد الاصوليين و انتصروا في النهاية و اقتلعوا من الارض جذور التعصب الديني الاعمى فكان ما فعله فولتير كاميكازا فكريا بامتياز و ما احوجنا اليه في هذه الايام .. نحن بحاجة الى كاميكاز فكري يوقض فينا روح النهضة و الثورة على القديم و وضع محله الفكر التنويري التجديدي عوض كاميكاز شيوخ الظلام و الارهاب فنحن ضقنا ذرعا بها.