المحاصصة صيغة مبتكرة للاستبداد

محمد علي مقلد
2016 / 11 / 19

قرن من الزمن مر على نضالات دفع ثمنها العالم العربي غالياً، من غير أن يتمكن من الدخول في عصر النهضة أو في الحداثة، بل هو بدا كأنه يمشي عكس مسار التاريخ. فمن يتحمل المسؤولية؟
استسهلوا التصويب على الامبريالية والصهيونية والاستعمار. في هذا التصويب جانب صحيح من غير شك، غير أن التركيز على "مؤامرات" معادية تحاك ضد شعوبنا وعلى مخاطر خارجية على بلادنا أشاح النظر عن الأعطال الداخلية التي أثبت الربيع العربي أنها أشد فتكاً وأكثر قدرة على التدمير، وهي أعطال، على اختلاف أشكالها ومسمياتها، تنتمي إلى أصل واحد هو الاستبداد، أي إلى طريقة في إدارة الحكم لا تستند إلى دستور ولا تعترف بقوانين، بل تستحضر آليات الحكم في الأنظمة السلطانية، وتستظل المخاطر الخارجية وتوظفها لصالح "تأبيد" أنظمة الوراثة أو أنظمة الانتخابات المزورة.
ليس من قبيل الصدفة أن ثورة الربيع العربي اندلعت في بلدان كان تسود فيها أنظمة "وطنية" تنتمي إلى جبهة العداء للامبريالية والصهيونية والاستعمار. ولا من الصدفة أن تتحول الثورة في خمسة منها (سوريا والعراق واليمن وليبيا، فضلا عن لبنان) إلى حروب أهلية، ولا أن تنجو مصر وتونس من نار هذه الحروب. بل وراء كل ظاهرة سبب أو أسباب.
يكاد يكون الجامع المشترك بين أنظمة الحكم في هذه البلدان كلها هو كونها أنظمة استبدادية( حتى لو أطلقت على نفسها صفة الوطنية)، إما لأنها استبعدت الدستور من حياتها السياسية، كما هي حالة ليبيا، أو لأنها كانت تعتمد صيغاً مبتكرة في تعليق الدساتير، كإعلان الأحكام العرفية لا لشهر أو شهرين بل لعشرات السنين، كما كانت عليه الحال في مصر وسوريا، أو تنظيم الانتخابات المعروفة نتائجها سلفاً، وهذه حال كل الأنظمة الشمولية التي لا يكون الترشيح فيها حقاً للأفراد بل من صلاحيات لجنة عليا يناط بها أمر الموافقة على أسماء المرشحين.
المحاصصة استبداد مقنّع. وهي ابتكار لبناني قديم اعتمده العراق حديثاً. هي تلجأ إلى تعليق الدستور أو تعطيله، من غير إعلان، أي بالممارسة العملية، فتلغي مبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ الكفاءة وتكافؤ الفرص، وتلغي الانتماء إلى الوطن عن طريق إلزام الافراد بالانتماء أولاً إلى الطائفة أو المذهب، وتحوّل التعدد الطائفي، في غياب الدستور والقوانين، إلى جبهات قتال وهمية في حالة السلم، أو إلى حروب أهلية دامية، وفي ظلها تستباح القيم الاجتماعية والأخلاقية والدينية، وترتكب كل الموبقات، فيتوزع "الأبطال" أدوار الفساد وسرقة المال العام، ويرتقي أي ميليشيوي محظوظ، بين ليلة وضحاها، من رتبة "شحاذ" إلى مقام الملياردير. وما أكثرهم، من غير تسميات، في لبنان والعراق أو في أي بلد لا يمارس القضاء فيه سلطته المستقلة، وتغيب فيه المحاسبة والمراقبة عن القابضين على مقاليد السلطة.
الأخطر في هذا "الابتكار" هو أن الحكام الفاسدين يستظلون بالطوائف ويتحاصصون باسمها، ويوهم كل منهم طائفته بأنه يفاوض ويناور ويماحك لينتزع لها "حقوقها" المسلوبة من الطوائف الأخرى، وهذه أحدث الطرق وأكثرها جدوى في رفع منسوب التوتر بين الطوائف وجعلها جاهزة للحرب الأهلية، حتى إذا آن أوان الانفجار، يظهر أبطال المحاصصة كأنهم يفتدون الوطن بتسويات و"تضحيات" يختفي خلفها فساد ممنهج وتدجين للجمهور.
المحاصصة هي علة النظام في هذين البلدين، وحين يتوزع المعارضون العلمانيون بين مطالب بإلغاء الطائفية من النصوص أو من النفوس أو مطالب بقانون موحد للأحوال الشخصية، أو بفصل الدين عن الدولة، وهي كلها مطالب محقة على ما فيها من التباسات، يضحك المحاصص باسم الطائفة في سره، فالسهام لا تستهدفه بل هي مصوبة نحو سواه، وهو ليس معنيا بالرد، بل يكتفي بالتفرج أو بإدارة معركة ضد العلمانية والمعارضة المشتتة بقيادة شريكه المحاصص باسم الدين.
السبيل الأفضل لمقارعة الاستبداد يتمثل في إعادة الاعتبار إلى الدستور وحكم القانون، أي إلى أنظمة تحترم التنوع وتستند إلى المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص، دولة الحريات وحقوق الانسان والديمقراطية.