النص الجديد في ديوان -بائع النبي- سلطان القيسي

رائد الحواري
2016 / 11 / 19

النص الجديد في ديوان
"بائع النبي"
سلطان القيسي
ليس من السهل تناول ديوان "بائع النبي" ففيه العديد من المداخل المثيرة، والتي لا يمكن الاحاطة بها من أول قراءة، فالنص رغم أنه يبدو سهل، ولغته في متناول اليد، إلا أنه في شيء مخفي/مستور/ بحاجة إلى التوقف عنده والتأمل فيه، الاستخدام الكثيف للفظ "القلب/الحب" لا يمكن أن يكون عابرا، التناص مع القرآن الكريم وبهذا الزخم، أيضا له علاقة بما هو كامن في العقل الباطن للراوي، بداية الديوان وعنوان أول قصيدة فيه "نشيد الأنشاد الذي للكنعانيات" ما يمثله من تناقض مع التسمية التوراتية لسفر سليمان "أنشاد الأناشيد" استحضار الجغرافيا والمكان الفلسطيني، نقد الحرب وما هو رسمي/حكومي، الميل العظيم للمرأة، وتأثيرها الكبير على الراوي والطبيعة، هل هو حديثه كان عن امرأة عادية، أم أنها ترمز للربة عشتار ربة الخصب والحرب، أو كل ما هو جميل وخير، الربط بين رمزية انتظار "غودو" والحالة التي نعيش، اللغة المتراوحة بين الاطالة والتكثيف/الاختزال، الصور الفنية، الوضوح والترميز، كل هذا يجعلنا نتوقف عند الديوان، فهو نص بحاجة إلى أكثر من قراءة، وأكثر من قارئ.
كنا نتمنى أن نحصل على الديوان قبل قدوم الشاعر إلى نابلس ليتاح لنا طرح أسئلتنا أمام الشاعر، لكن بما أننا أمام واقع يعزلنا ـ جسديا ـ عن الشاعر فلا بأس أن نتحدث عما نجده من فضاء متاح لنا، فالديوان أصبح في متناول اليد، وعلينا التعامل معه بشكل مجرد.
الحب والقلب
اللفظ دائما يشير إلى معنى معين، لكن استخدمه بكثرة وبكثافة يشير إلى ما في داخل العقل الباطن للراوي، الذي اعطا هذا اللفظ/الفعل أهمية استثنائية في نصه الشعري، وكأن اللفظ/الفعل يشكل جزء من نفس الراوي، وهذا ما يجعلنا نحكم على النص والشاعر بأنهما أبيضان/مسالمنا يرفضان العنف والقهر والحرب، وهذا ما أكده لنا الديوان، فالعداء للحرب ونقدها والتناقض معها كان واضحا في الديوان.
"فالكنعانيات معقود بنواصيهن الحب إلى يوم القيامة" ص16، مقطع يجمع أكثر من جمالية، منها: تقدم المتلقي من التاريخ الكنعاني، التناص مع الحديث النبوي الشريف "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، المعنى العام الذي يشير إلى فعل إنساني خالص، الحب.
"كلمتان خفيفتان على اللسان كبيرتان في القلب: "أنا أحبك" ص164، نجد في هذا المقطع أيضا تناص مع الحديث النبوي الشريف: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في لميزان اشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله" الفكرة التي تدعوا لبعث/لنشر/لقول لفظ "أحبك"، التغيير الذي احدثه الراوي على الفكرة، عندما اعطا الأهمية للقلب وليس للميزان، ليؤكد على ضرورة صدور/نطق اللفظ/الفعل من الداخل وليس من اللسان فقط.
حضور وأثر المرأة/عشتار
هناك قاعدة تقول: "بأن المرأة هي المسكن/المهدئ للرجل" وهذا ما نجده في النصوص الأدبية بكل جلاء، خاصة في منطقتنا العربية، فالمرأة قرين الراحة والسكينة، قرين المخلص المسيح، ليس من الخطيئة والإثم وحسب بل من التعب/الإرهاق/الضغط/ وهي باعثة الأمل/الحياة/الإرادة ومحفزة على الفعل والعمل الايجابي، هكذا يقدمها لنا الشاعر في ديوان "بائع النبي"
"يحالفني الحب
حين أمرجح قلبي ما بين عينيك" ص110، فالمرأة هنا تأخذ حالة/صفة إنسانة يفرح الرجل بحضورها ويسعد بطلتها البهية، فلجمالها أثر في قلب/نفس الراوي.
لكن عندما يكون التعب/الضغط ملازما له نجد حضورها يأخذ أثرا آخر:
"أريد أن أتوحش هذه الليلة
وأنزل عن فرس المعنى
وأمشط الشوارع مثل تروبادور بحثا عن قصورك الزاهدة
لأستفز صوتك النقي بصوتي الأجش" ص24، ما يحمله المعنى يؤكد أهمية المرأة بالنسبة للراوي، فهو يريدها بجانبه/ يسمع صوتها، يريد التخلص من وحشيته بها، بنعومتها، برقتها، فعل التوحش الذي جاء به من الخارج، ينتهي/يتلاشى بوجودها، بسماع صوتها، فهي هنا المخلص وتتساوي مع المسيح، الذي يخلصنا من تعبنا.
لم يقتصر تأثر الراوي بصوت المرأة وحسب، بل نجده يتأثر جسدها، هيئتها، طلتها التي تبعث فيه السكينة والطمأنينة:
"بيننا جبال جرداء، ثم حديقة وشارعان، ثم بوابات اسمك وفناؤه الكبير، ثم
بهو أنفاسك، فبهاء طلعتك على السفوح،
قلبك جالس على الماء كعرش مكين
وقميص نومك خفيف بما يفي وعد النسيم..
نحن جالسون في ردهة زفريك
نحن الوحوش التي أيقظتها الحرب
ونامت على لحن العويل
نتفيأ الآن في ردهاتك" ص 26، ما امتع الراحة بعد التعب، التعب الجسدي والنفسي، فالحرب وما فيها من ألم/دماء/بشاعة كلها تزول، فقط عندما تطل علينا تلك الربة، التي تخلصنا مما علق بنا قذارة جسدية/فعلية وقذارة نفسية/روحية، فأثرها علينا/على الراوي يتماثل وتأثير الإيمان/الله على المؤمنيين.
الراوي جعل قلبها على "الماء مكين"، لأنه مصدر الحياة، مصدر الطهارة، ومصدر الجمال، وعندما خص قلبها، أراد بذلك انتقاء أهم جزء في الإنسان، القلب النابض، الذي بحيويته يرسل الدماء لكل اجزاء الجسم، وأيضا لأن القلب يحمل أهم فكرة عن الحب الصافي، فقلبها يتغذى/يرتفع على الماء كعرش الرحمن "وكان عرشه على الماء" " وروح الله يرف على وجه المياه"
بهذا المقطع يكون الراوي قد جمع وحد بين اما جاء في الكتب المقدسة، إن كانت للمسلمين أم للمسيحيين، وكأنه بهذا التقديم يقدم نصه من كل المؤمنين، بصرف النظر عن عقيدتهم الدينية، وأيضا يقربهم من بعضهم البعض، فالحرب التي اتعبتنا نحن المسيحيين والمسلمين، تجمعنا تلك المرأة/ذلك "العرش/روح الله على الماء) وكأنه يقول لنا: "فلتنتهي حربنا ولنعلن حبنا".
وإذا كان حضور المرأة يخفف/يهدئ نفسية الراوي، فإن لها تأثيرات أخرى، ليس عليه وحسب بل على الطبيعة، على الأشياء، التي سيتأثر بها لاحقا، من هذا التأثيرات :
"قولي أحبك مرة أخرى
سيصير العنب نبيذا" ص41، أثر كلام المرأة يتماثل مع أثر كلمة الإله، فعندما تقول "كن" يصير/يحدث الفعل الجميل، الذي نتمناه، فالراوي يريد منها/يجد فيها كلمة الخلاص، ليزول ما هو عالق به، لتحقيق ما يريد، فهل هي امرأة عادية أم ربة؟
"قولي "أحبك" كي لا تنتبه إلي كلاب الليل
وتنهشني مخيلتي المتداعية" ص43، إذا كان الدعاء في المقطع السابق متعلق بتحقيق مطلب حسن/جميل، فهو هنا لرد/لرفع شدة/خوف عن الراوي، وهذا الاستخدام للدعاء/لقول أحبك يجعلها تتجاوز حالة المرأة العادية التي نعرفها، ويقربها من حالة الآلهة، حيث تأثيرها على الراوي يتجاوز التأثير البشري، فهي شيء أكبر وابعد منه.
بعد أن يزيل حضور المرأة الخوف الرهبة من قلب الراوي نجدها تحدث فيه شيء ايجابي آخر،
"كلما صمدت مامي كمدينة مضاءة
تناثرت حولك ..
كالقرى" ص57، فالراوي لا يتخلص من همومه وتعبه وخوفه وحسب بل حتى من جسده، الذي (يتوحد) يندثر بها.
الانتقال التصاعدي بما تحدثه المرأة في الراوي والأشياء والطبيعة من تأثيرات وتغيرات، كان ممنهج في الديوان، فقدم لنا فكرته عما احدثته من تغيرات بالتدريج، بعد أن حدثنا عن أثرها عليه، ينقلنا إلى تأثيرها في الطبيعة، فيقول:
"ضعي قدميك في أرض اليوم العادي يصير عيدا" ص163، تحويل/تبديل ما هو عادي بالاستثنائي لا يقوم به إلا من يملكون قدرات/طاقات خارقة، والمرأة تمتلك هذه القدرات.
"كلما دق كعبك خطواته انفجرت عين ماء
كلما يدك ارتفعت طار سرب حمام وغطى السماء" ص55، المقطع الأول يشير إلى بعث الحياة من خلال عين الماء، وهذا ما يوحي إلينا أنها هي/وصلت/تماثلت مع الربة عشتار، وأما المقطع الثاني فهي باعثة السلام، أليس عشتار من يبعث/ينشر السلام على الأرض؟.
لهذا نقول بأن امرأة الراوي ليست امرأة عادية، هي تفعل وتأثر عليه وعلى من حوله بطريق ايجابية، وكما يكون الإيمان/الله فاعلا ايجابيا في الإنسان كانت امرأة الراوي فاعلة.
التناص مع القرآن الكريم

العديد من الكتاب يستحضرون آيات قرآنية لتخصيب ولتجميل نصوصهم، لكن المبدع منهم من يجعل هذا الاستخدام يأتي هكذا بعفوية ودون قصد، يأتي من خلال اللغة ألا شعور، الزخم الحاضر في الديوان يؤكد بأن الراوي لا يتصنع، لا يقلد الآخرين في هذا الاستخدام، بل هو ناتج من ثقافته الذاتية للقرآن الكريم.
نقدم نماذج التأثير القرآني في "بائع النبي" فأول تأثير كان متعلقا بالنساء:
"والكنعانيات من بين كل النساء ..
كيدهن جميل" ص17، تغريب الاستخدام للآية القرآنية التي جاء في سورة يوسف " كيدهن عظيم" يجعل المتلقي يندهش، لمثل هذا القول، فقد تم تغريبه/تغيير اللفظ/الفكرة ولم يعد منسجما مع ما هو مختزن في العقل/الذاكرة، وهذا ما أراده الراوي، قلب الفكرة عن المرأة من السلبي إلى الايجابي، وهذا القلب/التغيير يحمل المتلقي على التفكير بالجديد الذي طرحه الراوي، "كيد الكنعانيات جميل".
"الكنعانيات العاديات سحرا، الموريات قدحا
إذا ما هزمن المسافة، وانتصرن على الطريق
وتجلين لي .. إن استقرت الأرض تحتهن
وسطن بقلبي جمعا، وأثرن به نقعا" ص17، تناص مذهل من سورة العاديات، وتغريب للفكرة، الراوي يستخدم ألفاظ قرآنية بشكل مغاير لما تحمله الآيات القرآنية، فهو يريدنا أن نتقدم من السورة القرآنية وفي ذات الوقت من النص الشعري، وبهذا يكون قد حفزنا على النهل من مصدرين للجمال، القرآن الكريم و "بائع النبي".
ما يحسب لهذا التغريب أن الراوي حول صفة للخيل، لتكون للنساء الكنعانيات، وجعل جمالية/نتيجة فعلهن تنعكس عليه وحده، دون الآخرين، لكن هذا الانعكاس عليه، بعد أن قدمه لنا ـ بهذا الشكل الأنيق ـ تمتعنا به، فالراوي هو الحامل/الوسيط الذي من خلاله أخذنا/أوصلنا/ إلى الفكرة وجمالها.
"....
أو قد تكون فكرة نافرة في الطريق كمثل صفوان عليه تراب ينتظر وابل حب أو طلا" ص22، الراوي يجير كل ما تحمله جمالية الآية القرآنية رقم 265 من سورة البقرة: ـ "كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" ـ ليلصقها/يضعها على المرأة، فالمرأة عنده هي مصدر الجمال والحب والعطاء فهي ملهمته لهذا الجمال الابداعي، ولهذا يرد على وفاءها بهذا الشكل الأدبي.
ونجد في مقاطع أخرى "ماء مهين/صافات ويقبض" ص38، "منفوشا كالعهن" ص39، بعينين نضاختين" ص48، "بردا وسلاما" ص62، وقوي الناس والحجارة" ص72، "إن اقلت الأرض ما فيها" ص102، "أخرج الحي من الميت" ص123، "الحور العين، الكواعب الأتراب" ص132، لا تمشي في الأرض يا ولدي مرحى" ص183، لكل هذه الاستخدامات تخصب النص الشعري وتمنحه فضاء ديني جمالي أوسع مما لو كان هناك لفظ عادي غير قرآني، وهنا تكمن جمالية القصيدة، فهي تجمع بين ما هو مقدس جميل، وبين ما هو إنساني جميل، وكأنها بهذا الشكل المقدم تقربنا من جمالية المقدس ومن جماليتها نحن لناس، فنكون منسجمين بين المقدس وذاتنا.

الملحمي والاسطوري
هناك لقاء/ايحاء بين النص الشعري والملحمي، الكنعاني/السومري، الفلسطيني العراقي، "بيت شامي" بمجمله يلامس النص الملحمي فنجد الوصف الاسطوري واضحا فيه من خلال:
"الكنعانيات الهشات القاسيات
كأعواد القرفة
مشدودات الأجساد كأغانيات المحاربين
بجدائل مرخية كأغاني البحارة
ونحور طويلة كأغاني البدو" ص15
فمثل هذا الوصف يوحي للمتلقي بما كان في الماضي السحيق، يوحي إلى زمن الكنعانيين، رغم عدم وجود تماثل/تناص ظاهر، بين للعيان، بين ما هو ملحمي والشعري، فنشيد الأنشاد الذي للكنعانيات" بمجمله يوحي بهذا العالم الاسطوري، فاللغة/ الوصف/ المعاني/الألفاظ بمجملها تشير إلى الأسطورة.
النص المحول
الفكرة الدينية
هناك نص محمول داخل النص الشعري، نص مستتر خلف ما هو ظاهر، هذا النص هو النص الديني التوحيدي/الموحد لنا، بصرف النظر إن كنا مسلمين أم مسيحيين، الراوي يقدم هذه الدعوة التوحيدية بشكل غير مباشر/من خلال فهمنا لما وراء الكلمات/النص، فعندما قدم الفكرة/اللفظ الجامع/المنسجم/المتفق مع عقيدتنا فهو يدعونا لكي نتوحد/ننسجم فيما بيننا، وأن نلغي/نشطب/ننهي حالة الصراع والخلاف العقائدي بيننا. من اشكال النص المحمول هذا المقطع:
"بيننا جبال جرداء، ثم حديقة وشارعان، ثم بوابات اسمك وفناؤه الكبير، ثم
بهو أنفاسك، فبهاء طلعتك على السفوح،
قلبك جالس على الماء كعرش مكين
وقميص نومك خفيف بما يفي وعد النسيم..
نحن جالسون في ردهة زفريك
نحن الوحوش التي أيقظتها الحرب
ونامت على لحن العويل
نتفيأ الآن في ردهاتك" ص 26، ما امتع الراحة بعد التعب، التعب الجسدي والنفسي، فالحرب وما فيها من ألم/دماء/بشاعة كلها تزول، فقط عندما تطل علينا تلك الربة/الوحدة، التي تخلصنا مما علق بنا من قذارة جسدية/فعلية، وقذارة نفسية/روحية، فأثرها الايجابي علينا/على الراوي يتماثل وتأثير الإيمان/الله على المؤمنين.
الراوي جعل قلبها/قلب الإله/عرش الإله على "الماء مكين"، لأنه مصدر الحياة، مصدر الطهارة، ومصدر الجمال، وعندما خص قلبها/قلب الإله، أراد بذلك انتقاء أهم جزء في الإنسان، القلب النابض، الذي بحيويته يرسل الدماء لكل اجزاء الجسم، ولأن القلب يحمل/يشير إلى أهم فكرة عن الحب الصافي، فقلبها يتغذى/يرتفع على الماء كعرش الرحمن" ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) سورة هود/7 ."، 2"وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه" سفر التكوين الاصحاح الأول، بهذا المقطع يكون الراوي قد جمع وحد بين ما جاء في الكتب المقدسة، إن كانت للمسلمين أم للمسيحيين، وكأنه بهذا التقديم يقدم نصه لكل المؤمنين، بصرف النظر عن عقيدتهم الدينية، وأيضا يقربهم من بعضهم البعض، فالنزاع/الخصام الذي اتعبتنا نحن المسيحيين والمسلمين، نجد تجمعنا مع/ بتلك المرأة/ذلك "العرش/روح الله على الماء) وكأنه يقول لنا: "فلتنتهي حربنا ولنعلن حبنا".
ومن اشكل هذا التوحيد/توحدنا:
"فقد علمني الأهل ألا آخذ حصة أخي من اللحم
وقد علمني الأهل ألا أرفع صوتي في وجه "الكبار"
وقد علمني الأهل أن الصبر خير وأن الله كله مع الصابرين" ص32،
هذه النواهي تتماثل مع ما جاء في سفر الخروج الذي جاء فيه "13 لا تقتل. 14 لا تزن. 15 لا تسرق. 16 لا تشهد على قريبك شهادة زور. 17 لا تشته بيت قريبك.لا تشته امراة قريبك ولا عبده ولا امته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا مما لقريبك ، . وأيضا مع ما جاءت به سورة لقمان التي تحدثت عن النواهي بهذا الشكل: "16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19" هل هناك مجال للشكل بأن النص المحمول هو المراد، هو الهدف، الغاية التي أراد الشاعر أن يؤكد عليها في نصه، وليس ما هو ظاهر على السطح فقط، فالبحث في عمق النص يجعلنا نصل إلى هذه الدعوة المستترة خلف الكلمات، وكأن الراوي أرادنا أن نتعب/نجتهد للوصول إلى المعرفة، التي ستنقلنا من حالة الحرب والصراع إلى حالة الحب.
وعندما يريد الراوي أن ينتقد سذاجة/جهل/تخلف/انحراف رجال الدين فإنه يتحدث عن الطرفين معا، الإسلامي والمسيحي، :
"...
هو الاحتلال الداخلي، سقوطنا
أرأيت للقس الذي باع الكنيسة بالصليب؟
أرأيت للشيخ الذي باع الأذان بالابتهال؟
دع الاحتلال
يجب الشوارع كلها
أن القضية علقت شرف المقاتل في المداخل وانتهت" ص74 و75، المقطع السابق يربط حالة الانهيار بتخلف الفكري، عدم فهمنا لذاتنا، من هنا قال: "هو الاحتلال الداخلي، سقوطنا" ثم تبعه بالحديث عن الاحتلال الواقعي، فالأول مهد للثاني، وتخلصنا من الاحتلال الأول سينهي الاحتلال الثاني. وتخصنا من النزاعات الثنائية العقائدية/الفكرية ينهي احتلالنا الداخلي لأنفسنا ويطلقنا نحو الحرية.



نقد الحرب والرسمي
الكاتب النبيل هو الذي ينتقد الشر/الفساد بصرف النظر عن فاعله، فهناك شر عام كالحرب التي يرفضها غالبية الكتاب، وهناك شر خاص واقع على الراوي أو على من هم وحوله، الحرب أحد الشرور العظيمة على الإنسان، وعلى الفلسطيني خاصة، فبسببها فقد وطنه، وأمسى مشرد/جائع للطعام وللوطن معا.
"لا اريدك أن تقعي في التاريخ
أخاف عليك من الجنود الغادرين
الذين يغيرون حدود البلاد" ص23، الجنود بحربهم يغيرون حدود الوطن، فيضيقون المساحات، ويفتتون الروابط، يبعدوننا/يفرقوننا، يجعلونا غرباء/مختلفين، ثم يحلوننا إلى أعداء، أليس هذا ما فعلته الحرب الأولى والثانية فينا.
إذا كان الراوي يرفض الحرب العالمية الأولى والثانية لما الحقته من أذيه، فهل يقبل بالحروب الأهلية؟ :
"ضعي لي كرسيا خشبيا في النص
لا أريد أن أمضي مع الجند" ص26، استخدام عبارة "كرسيا خشبيا" يشير إلى حالة الجمود، عدم الحركة، البقاء ثابتا، ثم أتبعه بحرف النفي "لا" وهذا يمثل حالة الانسجام بين اللفظ واللغة من جهة وبين الفكرة المطروح.
"يفر من خطوي الحمام المسالم
ويطوقني بالدعاء تجار السلاح" ص71، رمزية الحمام المسالم الفار/الهراب، وعلى نقيضة دعاء تجار السلاح، صورة مركبة بإتقان وبشكل مذهل، تقديم صورتان تخدمان فكرة بشاعة الحرب.
"أريد أن أموت على سرير أبيض في غرفة بيضاء في مستشفى فسيح وهادئ، وليس في تظاهرة مفاجئة أو بطلقة في زفة عرس، أو بقذيفة؟" ص132، رفض لكل اشكال العنف والحرب، ورفض لاستخدام السلاح لأي سببا كان ، وكل ما هو متعلق به، كلام واضح وجلي لا لبس فيه، السلاح مصدر الموت البشع، الموت غير الطبيعي.
اما هو رسمي حكومي، فهو أيضا بشع بمظهره ويحمل الضرر لنا، :
"وإن كنت أبغض الوظيفة الحكومية وموظفي الدولة بقمصانهم غير المكوية جيدا وذات الألوان المنحدرة من سلاسة البني والسكني
هذان اللونان الفارسان في إنتاج البشاعة، كلما تزوجا
أنتجا بغل ألوان لدنا" ص29، رغم أن المقطع يتحدث عن الشكل/المظهر المؤذي الذي يسببه من يرتدون يهذه الألوان، دون أن يذكر يفصل لنا ما يقومون به من أذية، إلا أن فعلهم/عملهم معروف ببشاعته الروتينية والتمسك بالشكليات التي تجعل المواطن ووقته رهن لهؤلاء الموظفين.
"لن أقصد باب أحد كي لا أتسبب للحرس
بجلبة تفضح فسادهم.. إن ناموا!" ص31، المشهد السابق يقدم صورة الاهمال من قبل الحرس/مراقبي الفساد، والموظفين أيضا، فالموظف والمراقب كلاهما فاسد ونائم، لا يقوم بواجبه.
التكثيف
التكثيف والاختزال من اصعب انواع الكتابة، فهو يحتاج إلى تركيز خاصة، وفنية استثنائية في استخدام الألفاظ واللغة، الراوي في "متاع قليل" أبدع في انتقاء العنوان ومضمون وشكل تقديم المقاطع الشعرية.
"ـ الأم تحن؟
ـ إلى كل شيء!" ص53، كلام واضح وجازم، فالأم حاملة الحنان.
"حمائمنا لا تخون الأمانة
لكن رسائلنا لا تصل" ص55
"بيد يكتبون قصيدة
وبأيد كثيرة يصفقون للطاغية" ص59.
"حين تصيب الرصاصة الرأس، هل تنقص البلاد روحا أم تزداد شهيدا؟" ص60.
الحرارة والضغط .. يجعلان الفحم ألماسا
كذلك الألم، يجعل الناس أكثر بياضا" ص61، بهذه الشكل يقدم لنا الراوي رؤيته للأشياء، رؤيته عن الواقع، التساؤلات الكامنة بين الكلمات كلها تحسب له، فهو لا يقدم فكرة وحسب، بل يجعل المتلقي يفكر، يحثه على البحث، وعدم التسليم باليقين/المسلمات، فنحن بحاجة إلى البحث في كل موروثنا الفكري، لكي نتقدم في هذا العالم الصعب.
المكان
هنا توجه ـ في ألا شعور ـ عند الكتاب الفلسطينيين نحو المكان، إن تعمدوا أو لم يتعمدوا نجدهم يستحضرون المكان/الجغرافيا الفلسطينية، وكأنهم بها ومن خلالها يجدون أنفسهم ككتاب مبدعين، منتمين لذاتهم ولمبادئهم، الراوي يذكر لنا مجموعة اماكن في "بائع النبي" منها "ها هو النبت يتسلق ساقيها الصلدين كأعمدة الرومان في "سبسطية" " ص39، اختيار هذا المكان التاريخي الذي يتجذر في التاريخ إلى ما هو أعمق من الرومان، ليصل إلى كنعان، يكمن في حالة الوعي للراويـ وأراده به ومن خلاله أن يؤكد ارتباطه ب"سبسطية" .
لو وقع عقال أبينا عن رأس "الجرمق" ص45، أيضا هذا الجمل الشاهق يحمله الراوي في العقل الواعي وفي العقل الباطن.
يخصص الراوي قصيدة "عكا" ص103 لهذه المدينة الفلسطينية العريقة، لتأكيد لما يحمله من حب استثنائي لها.
الديوان من منشورات موزاييك للترجمة والنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى 2016.