الصداقة مثل السحر

سلام إبراهيم
2016 / 11 / 19

الصداقة مثل السحر
تنبثق فجأة وتحرف مسار المشاعر والعمر
من عمق الجنوب العراقي
قدمت إلى بغداد طالبا، مشبوب العواطف، بي رغبة بمعانقة الناس كل الناس، منحازا للخير والطيب ومحاربا للشر والخبث وكنت شيوعياً لا بل ثورياً منفتحاً أكثر مما كان الشيوعي العراقي، مدلها بالقضية الفلسطينية والكردية، وحقوق الأقليات ليس كلاما بل مشاعرا وفكرا مدعم بالقراءة والبحث.
بهذا الوضع التقيت ببهجت حسن عزيز الجميل كما ترونه في الصورة القديمة. صرنا أصدقاء هو الكردي المناضل المتحمي من أجل قوميته في صفوف حزب البرزاني حتى من يدقق في الصورة سيجد أن صورة البرزاني معلقة على صدره كوسام. وانا الشيوعي المنفتح الجنوبي الحالم، صرنا نكاد لا نفترق. وصار يصطحبني إلى بيته في شارع فلسطين. كان يتيم الأب ولدية أخوات، وعرفت أن أخاه كفيف صار في ذلك الزمن عميد جامعة السليمانية، أمه الطيبة حنت علي وأحبتني مثل أبنها، وكنت ادخل بيتهم وكأنه بيتي.
في أشتداد الأزمة بين حكومة البعث والبرزاني الأب 1974 وقيام الحرب بينهما. أسرني بأنه سيلتحق بالحركة المسلحة ويترك المعهد. ويومها في درس "المجتمع العربي" أعلن موقفه من سلطة البعث في قاعة مدورة وأحدث عاصفةً، جعل طلبة البعث يتهسترون ويقاطعونه مهددين. لكن كان قوياً شبوباً، ساخراً، أستمر في الكلام وخرج من القاعة فخرجت خلفه، وفي الطريق أخبرني بأنه سوف يذهب إلى الجبل ويحمل السلاح وهذا ما سأفعله لاحقا بعد قرابة عشر سنوات.
لم أره!.
وفشلت الحركة!.
ولجأ البرزاني الأب إلى أمريكا بعد أن أتفق الدكتاتور صدام مع إيران الشاه في أتفاقية الجزائر1975
فعاد بهجت ضمن العائدين، والتقينا من جديد. عاد بقناعات أخرى، تلاشت القومية وأقترب من الإنسان ومني ومن الفكر الماركسي، ورغم ملاحقة الأمن والمخابرات لمن عاد، لكنه زاغ بذكاء وتواشجت علاقتنا وصادق أخي الشهيد كفاح، وصرنا أكثر من أصدقاء، أكثر من أخوان، أكثر من أحباب، أكثر من لا أدري.
أكمل دراسته وتعين موظفاً وفي دائرته تعرف على مهندسة زراعية شيوعية وأقترن بها، وأضطرب الوضع بغتة في 1978 فضاعت الأخبار. أخر مرة زرته في بيت أهله في شارع فلسطين وكان متزوجاً لتوه من الشيوعية السمراء القصيرة التي لا أتذكر أسمها هي الآن في هولندا. وأتذكر أننا تمازحنا حول الحب وشكت لي من جديته المفرطة.
ولم أره بعدها.
ضعنا في الخضم
فهذا العراق المضطرب.
لم أره.
في يوم من أيام العراق الرهيبة تلك، عدت متخفيا من الثوار في بغداد، فكرت به، وقصدت بيته في فلسطين. قرعت بابهم القديم. فأخبرني صاحب البيت بوفاة أمه، وزواج أخواته، ومن الصدف أن إحدى أخواته كانت في حفلة زواج ببيت قريب. خرجت لي مرتبكة، وبعد حوار قصير إطمأنت، لكنها لم تخبرني عنه بشيء، قالت:
- انقطعت علاقتنا به منذ موت الوالدة!.
كنا نتحدث في عتمة المساء وفي باب بيتٍ فخمٍ، وكنت أحس بأنها تخفي شيئاً. وقتها كنت حائرا بنفسي ومصيرها، فاستدرت عائدا إلى البيت الذي كان يضمني وفي نفسي أسى. كان ذلك عام 1983.
بعدها مرت عواصف
نجوت منها.
التحقت مرة أخرى بالثوار
وتشردت في المنافي.
وهنا في الدنمارك حينما أستقر بي المقام
بدأت أبحث في كل علاقاتي القديمة.
ومن ضمنها بهجت حبيبي.
وبدأبي وصبري وبحثي وكأني ضابط تحقيق توصلت له، فعرفت أنه مع زوجته نجحا في الوصول إلى الجزائر والعمل فيها، وأن لدية أطفال من زوجته نفسها، فهو من النمط المخلص جدا للمعاني والحب والمرأة والحياة، وأن أو طفلة من زوجته الشيوعية الكربلائية أسمها كردستان. وهو يقيم في -هولندا- وفي لاهاي. وحصلت على تلفونه، وكم وكم وكم وكم لا أستطيع
لا أستطيع أبدا وصف اللحظة التي سمعت بها صوته
لحظة بارقة
نفس الصوت الذي به بحة
به حنان
به توق
به تلك النبرة التي جعلتني أحرزه بروحي معنى يتقد الآن لحظة الكتابة.
وتواعدنا على اللقاء
وكان حلما لا يشبه أي حلمٍ في حياتي
حلما عشته مخدرا
ويقول لك
- ليش تسكر
عشت حلماً
أتدرون ما حدث له.
كان في طريق زراعي في هولندا
تعطلت سيارته
فنزل لأصلاحها
وبينما هو يحاول ذلك
ضربته سيارة عابرة وقتلته
مات بهجت حسن عزيز
بصدفة قذرة
وتركني للحياة القذرة.
حبيبي بهجت
حبيبي
حبيبي