تنبيهات وتعليقات -2-

إبراهيم الوراق
2016 / 11 / 18

تنبيهات وتعليقات على مقال: مع أبي حيان التوحيدي في محنته -2-
الحقول الدلالية
1- الاختيار، هو مطلق المعنى، أي وجوده فيك، ولو مع غياب كون اتصافك به، أو هو تلك القابلية التي تصيرك مريدا، وفاعلا، ومسؤولا، أي ما لك عليه قدرة في الداخل، وكان الخارج لازما فيه، فيأتي منه الأثر محدودا بالثواب، والعقاب، أو هو ذلك المعنى الذي تتميز به بين المعاني، أي ذلك المعنى الذي تصطفيه، وتنتقيه، ويكون علامة على عقدك، وأثرك، وأمارة على بحثك عن الخير الموجود في الأشياء المتبعة بأثرك. وهنا تأتي الإرادة كمعنى رابط بين المعاني في كليتها، ولا سبق هنا إلا من حيث الترتيب، لأنك إذا لم تمتلك إرادة الاختيار، فكيف ستختار.؟ وتأتي القدرة أيضا للوصل بين المباني، إذ لا وجود لفعل الاختيار إلا بالقدرة عليه. فكيف ستختار إذا لم تكن قادرا.؟ معان تتوارد في كلية واحدة، وعلى اختلاف النظر المحدد للمراد فيها، وهي قدرة إرادة الإنسان على الاختيار، وقدرة إرادته على الفعل، وقدرة إرادته على الالتزام. لكن هل يعني الاختيار ضرورة وجود الضدين عند قدرة الإرادة على الأفعال، والتروك، حتى يستقيم الوصف في الذات.؟ لو قلنا بهذا القول، فإن الاختيار فعل مكتسب في الخارج، لأنه نتج عنه حكم على أحد المتخالفين. وهذا رأي من رأى الحرية في الكسب، لا في الطلب، لكن إذا قلنا: إن الاختيار هو قابلية الذات لقبول المعنى الذي لا يقبل الضدية، والندية. أي هو المعنى الأول الذي نطقت به اللغة قبل اغترابها بمحصور إدراك الإنسان، أو مطلق الاختيار بلا تحديدات تجري بها العقول بين موارد مترعة بزفرات الحيران. فهذا هو القول الذي يجعل الاختيار حقيقيا في سماء العشق. إذ هو الاختيار بلا بداية، ولا نهاية، والاختيار فطرة، وخلقة. فهل يعني قبوله للزيادة، والإضافة.؟ أم هو مستغن غيره، ولا يحتاج إلى نقصه، أو عجزه.؟
2- إن الأول مقام أدنى، لأنه مجلل بالعناء، والشقاء. لأن شدة البحث من شراسة السؤال، وصعوبة الجواب من بساطته. إذ لو لم يكن شرسا، وبسيطا، لما استوجب الجواب بالنقيضين. وإذ ذاك يكون الجواب ريبة، لا حيرة، لأن الحيرة مقام المتولهين، والمتولعين. ومن لم يعرف قيمة السؤال، وأنه يتضمن جوابه، ولكنه ابتغاه من خارجه، فمتى سيصل إلى المقام الأسنى.؟ فالأمر معقد التركيب عند الصوفية، لأنهم بقوا في قبة السؤال زمنا، لا يتجاوزونها قيد أنملة، لئلا يحملهم القلق إلى الشك. إذ شكوا لارتابوا. لأن الشك مورده قريب، وهو أسرع إلى الخفوت، والهروب. والريبة تملك الأمداء، والأصداء، ومرماها بعيد الأحلام، والأوهام. ومن هنا يكون السؤال مقاما عظيما عند من عرف به مقام الطرق للباب، لأن الإجابة عنه إما إثبات، وإما نفي، وإما حيرة، وإما يقين. وهنا توقفوا عند عتبة السؤال سائلين، لأن المحل مقام يقين. فلا غرابة إذا نالوه حين طلبوا الجواب في الوحدة، لا من الكثرة.
3- والثاني مقام أعلى، لأنه يعني امتلاء المحل في الصوغ الأول، ولم يبق هنا اختيار سوى ما اختاره، ولا إرادة سوى ما أراده، ولا قدرة سوى ما قدره. والعزوف عن هذا المعنى في مقام الصوفية التفافة عن معرفة الله عز وجل. إذ هو سبحانه لا يعرف بالضدية، ولا بالزوجية، ولا يبتغى الوصال معه على بساط المعاني المختلفة، والمتنوعة، لأن تضارب المعاني في مقام الوحدة دليل على اعتلال الاختيار، واختلال الأدوار. إذ هو سبحانه جلي، لا يحتاج إلى خفاء. ومن لم يدركه في كل شيء، وهو ربه الذي ينميه، ويغذيه، فكيف سيعرفه بالحدود، والقيود.؟
4- وعلى هذا فالاختيار والإرادة والقدرة والاستطاعة معان لمفهوم الحرية التي يصير بها الإنسان أهلا للاصطفاء، والاجتباء. لأن ما اشترك في الوصف به الظاهر البشري، والباطن الإلهي، إذا نظرنا بالنظر البعيد إلى المرمى الذي له ارتباط بعالم الروح، فهو المفهوم، وإذا فحصنا ما ارتبط فيه بعالم المادة، فهو المعنى، لأنه يتعدد، والمفاهيم لا تتعدد في جوهرها، وإنما تتعدد في معانيها. فالفرق بين ما لله، وما للخلق، وبين الفعل الإلهي القائم بالأزل، والفعل البشري المنفعل مع الحدوث، هو الذي يحدد معرفتنا الدقيقة بقضية الاختراع والإبداع التي بها تتحدد الحرية، وتسلب عن غيرها مما ليس له أثر موجب لبقاء الخلقة. وهما معا معان لمفهوم الخالقية التي تدل على الأفعال الإلهية، وتبين مناط القدرة التي تتحقق بها الاختيارات البشرية. ودرك المعنيين، هو الذي يهبنا نوع مفهوم العلاقة القائمة فيما بيننا وبين الله عز وجل.
5- قد تلتبس المفاهيم المحددة للمعاني عند كثير خاضوا أوحال السؤال عن الجبر، والاختيار، وغاصوا في بحر البحث عن الحرية، والكرامة، ومادوا بين الديار التي أذهلها ما تنتجه الإرادات من شقاوة، وتعاسة. لكن ومهما تدافعت الهمم نحو العتق من الآهات، والأنات، فإن مطلق الالتباس لم يزل، ولم يدل، ولو اكتشف الإنسان بعض خيوط ارتباطه بعالم الأرض، وعالم السماء، لأن قضية الاختيار من أعقد المباحث التي خاضت فيها العقول البشرية بحثا عن نقطة البداية المحددة لما فاض علينا من أفعال نراها أحيانا اختيارا، وأحيانا اضطرارا. إذ بها يمكن لنا أن نفسر كثيرا من هموم العالم، وكروبه. لأن احتراق الإنسان بذاته، يستلزم أن يقول بالجبر عجزا، أو بالاختيار تفويضا. ومن هنا، فمن رأى الاختيار قوة مطلقة في الذات، تتميز بها الأشياء في مرآة الحقيقة، وتستغني بها عن غيرها من المؤثرات التي تحددها في أعيانها الظاهرة، فقد جعله والإرادة والقدرة سواء، لأنه نظر إلى أصله المتحد في الذات، وهو وجود الكيان فاعلا بدون سبق يعلم، ولا لحق يبرم. أي أن الأشياء غير قابلة للتطور إلا في ارتباطها بالحركة، ولكنها في ارتباطها بالأزلي، مفاهيم لا تزول، ولا تحول. ومن رأى الاختيار قدرة على الفعل، فقد فصل بين المعاني. فجعل الاختيار أولا، والإرادة ثانيا، والقدرة ثالثا، لأن الجزء المرتبط بالخارج هو القدرة، لا الاختيار، ولا الإرادة. وهكذا، يكون الاختيار معنى، وهو والإرادة يؤديان إلى القدرة التي تفرز الفعل المطلوب بغايته. وهو بذلك حالة ذاتية تجيز كسب الوجود، أو العدم، أو حالة عرضية يحصل بها النفي، أو الإثبات. وهنا التف القوم حول الخلاف الذي استكنهوا به مدار الحرية الإنسانية. فالذين رأوا المعاني (الاختيار، الإرادة، القدرة، الاستطاعة...) مفهوما لا يقبل الضد، ولا التعدد، ولا الانقسام، بل يدل على الحرية في مقام العبودية، أو الاختيار في محل الجبر، فقد قالوا بالوحدة في محل الكثرة، فجاء منهم الاحترام لجميع خلق الله، والذين رأوها معاني منفصلة، لا يربطها جامع، ولا نظام، فإنهم قد توقفوا على مفترق التعدد، ولم يخوضوا لجة البحر خوفا من الضياع بين الأفياء الفسيحة، حتى يشهدوا المكان الذي تجتمع فيه جميع المعاني، والمفاهيم، لتنصهر في الكلمة الأزلية.
6- ومن هنا، فإن من رأى الاختيار قدرة على كسب الفعل، فقد مزج بين الذاتي، والعرضي، لأنه فعل معنوي في الذات، ولا يمثل إلا بالقدرة التي لها متعلقات بالخارج. وما هو معنوي، فهو مفهوم، وما هو مادي، وله ارتباط بالبارز، فهو معنى. إذ لا تعاد المعاني كلها إلا على الشيء المقدور عليه بوجه من الوجوه.
7- هل القدرة التي هي خلاصة الفعل الباطني الموجه للفعل، تستوجب لزوم الفعل، وتلازم الأثر.؟ أم لا تستوجبه.؟ وهل بالعادة، أو بالضرورة، أو بالعقل .؟ وهل القدرة أزلية، أم حادثة.؟ وما هو حد الأزلي والحادث فيها.؟ وهل هي ضرورة تقوم بالأشياء وجودا، وعدما.؟ (إذا وجدت، وجد الفعل أثرا.) أم هي علة وسبب في الحدوث، والبروز.؟ (يمكن تعثره، وعدم خلوصه.) أم هي عادة متواطئة على اللزوم، والاقتضاء.؟ وما هي نسبة أثر القدرة على الفعل.؟ وهل يمكن نقاشها في الواجب الوجود.؟ أم في الممكن.؟ أم في المستحيل.؟ (لأن القول بوجود الفعل أزلا، ونحن تجسداته، يجعلنا لا نطيق السؤال عن شيء لا جواب له.) وما هي حدود التنزيه في الصفات والأفعال التي ترد على الذات البشرية، وهي عين الذات الإلهية.؟ كل هذه الأسئلة، وغيرها، وهي مركبة من جهاز مفاهيمي عظيم، لأنها الإنسان كلية، وبكل مكوناته التي تؤثر في الأشياء بالفعل، أو الترك، لا يمكن حصرها إلا إذا أدركنا أن الإنسان خلقه الله سويا، وجعله على صورته، وهيأ له الأسباب، والعلل، وجعله مستقلا، ومحتاجا، وقويا، وضعيفا، وصيره مختارا، وقادرا، ومريدا، وميزه بالإدراك، والفكر، والعمل، لكي يكون قادرا على تجسيد دوره الإلهي في هذا الكون الفسيح.
8- وإذا كان فعل الله، لا يتأتى لنا دركه إلا بالأثر في المراتب الأولى لبناء الجهاز المفاهيمي، العقدي، فكذلك فعل الإنسان الذي يوجه أثره فيما يخدمه لطفا، أو فيما يخدم غيره عدلا، لأن ما نتنازع أذيال الكلمة حوله، هو في أعظمه أمور باطنية، ومحلها السر، والغموض، والكتمان. وما ظهر منا، فهو الذي يفرقنا، أو يجمعنا، وهو الذي يميزنا بالصلاح، أو بالفساد. وما بطن منها، فهو المشترك الذي يجمعنا في كلية واحدة مع جميع ما خلق الله في كونه. وما دمنا لم نستطع أن نفهم وحدة الإنسان، وعدم استقلاله عن غيره، فإننا سنقع في خطابنا الديني بين بركة آسن ما ولغت فيه حضارة المادة، فنشخِّص الله، ونشيِّء الإنسان، وندرسه مفككا، وكأنه آلة ميكانيكية يتقوم فعلها بطرق عجيبة، لا توازي في أصل معنى الخلق إلا ما وصل إليه العقل الجبار، حين ظغا، واستكبر، وزعم في تيهه أن علمه قابل لأن يكون نصا في حيازة الحقيقة، لا دليلا على عظمة الله في خلقه.
9- بقي لنا أن نعرج على مفهوم الاستطاعة، وهي في اعتبار آخر جعل الفعل طائعا، لا عاصيا. أي أنها على هذا التفسير اختيار، لا جبر. لأن الطاعة خلاصة الفعل الموجَّه بالأثر إلى عالم الطبيعة التي هي كنُّنا للمعاش، والمعاد. وهنا تكون الطاعة في صورتها نفحة إلهية، لارتباطها بمفهوم الاستواء الذي به تمام الذات في الخلق المكتسب من عالم الربوبية، وتكون المعصية نشوة بشرية، لأن الفعل يصير بها طوع قدرة الإنسان، ومقدورا له بالعلية، أو السببية، أو الغائية. وإذا ولج الفعل البشري عالم الحدوث بالتمام، ولم يكن للاستواء فيه مقام، فإنه لن تكون له استقامة في توجيه المعاني الكلية التي تجمع الأشياء في وحدة بديعة، إلا إذا أتى من شيء مستو على أصله، وقائم مقامه. وهنا تكون مخالفة قانون الاستواء القائم في كل شيء معصية، وتكون الطاعة دليلا إلى معرفة ما أخفاه الله عنا من أسباب في الحقائق المعلولة بالطلب، والرجاء. ويندرح في هذا كل المعاني التي تتطلب الاستواء، والاعتدال، والتوزان، وعدم الانحراف، والاجتثاث، لأنها ولو لم تُر دقةُ تركيبها في الوقائع المختلفة، فهي في باطنها مركبة تركيبا هندسيا، لا يدل فيها معنى على شيء، إلا ووجدت فيه الجوهر، والعرض، والزمان، والمكان، والكم، والكيف، والعرض، والجدة، والفعل، والانفعال، والإضافة، لأنها واقعة على المكلف الذي لم يخلق عينُ وجوده للمعصية، والخطيئة، بل دبر أمره بما تقتضيه حريته في اختيار سبيله، ومصيره.
10- إن الذي يبدو لي هنا، أن الصراع القائم حول الجبر، والاختيار، هو ناشي عن الجهل بالحقيقة، أو بالكيفية. وهنا حدث الاختلاف بين ملل العقل، ونحل النقل. فهل يعني الجهل بالحقيقة عدم وجود أثر لله في الذات، فيكون الإنسان على هذا هو المحدد لحقيقته.؟ أم يعني الجهل بحقيقة ذلك الأثر الإلهي في الذات، فيكون الإنسان على ذلك في أفعاله نتيجةً لترك استجلائه لمناط الحرية من العبودية.؟ وإذا نظرنا إلى المعنى الأول، فإنه لا يقوم به إلا لسان مادي، لا يستشعر للروح قيمة، ولا للذات معنى. ولذا عزل الإنسان عن محيطه الكوني، لكي يدرسه في الطبيعة كظاهرة من ظواهرها. وإذا نظرنا إلى المعنى الثاني، فإنه يرد على العالم، والجاهل، إذ كونهما قد أثبتا تلك الحقيقة الإلهية، ولكنهما لم يعرفا حدودها، ومعانيها، ومفاهيمها. إذ القول بانتهاء الكلية في الذات إلى عالمها المعنوي، وسواء ما هو فيها روحي، أو مادي، ليس هو حال الفصل بين المرتبتين، والتمييز بين السبيلين، فيعاشر الإنسان سائر الخلق بماديته، ويعانق عالم السماء بروحيته، بل هو مقام الوصل، والفناء، ومحل الوجد، والغناء. وكلاهما يحتاج إلى تحديد. وهنا يكون الجهل ناشئا عن مقدمات الكيفية، لا من نتائج الحقيقة. وإذا تأملنا ذلك، فلا محالة سنقول: إن الجهل بالكيفية يعني أحد أمرين: إما جهل بالتفاعل، على اعتبارها محضن تداخل النسب بين مكونات تبني مركب الذات. وإما جهل بالأسباب والعلل القائمة وراء حدوث الفعل في العادة بحرية. فالأول، لا يتأتى إلا إذا جهلنا مجرد التركيب في مطلق الذات. وهنا نقر بالحقيقة الإلهية في البناء لأساس الكيان، ولكننا نجهل كيف تجلت في الذات بالوجود. وهذا معذور الجهل في الطبيعة، لأنه جهل الكيفية بتفاصيلها، ولم يجهل الحقيقة بكلياتها، ولو لم يعرف حدودها إلا في مجردات معانيها. فاستدل بالشاهد على الغائب، واستظهر الحضور في الغياب. فأثبت الألوهية بدليل اللازم للمعنى في الضدية، ولكنه في الشأو الأعلى ، لم يثبت الواحدية في أجلى صورها الوجدانية. وهي إدراك الوحدة في كل شيء.
11- فتأمل، فالقضية معكوسة، لأن المعرفة هنا انطلقت من التعدد إلى الوحدة، وهو مسلك الفلاسفة، وكل العقديين الذين مزجوا دليل النقل بصورة العقل، لا مراح الحكماء، والأولياء، إذ هم رأوا الاستدلال بالوحدة على الكثرة، فقالوا بالوجود، لا بالموجود، وبالعلم، لا بالمعلوم. والثاني، لا يتأتى إلا إذا جهلنا كيف تقوم الأشياء المركبة بأفعالها، وآثارها، ولو علمنا كيف لا تكون الذات العينية حقيقة في الأثر إلا بوجودها على هيأة معينة، وهي كمالها للتكليف، والالتزام. فهل هي خاضعة لإرادته، فيكون منه الفعل والترك حالا، أو مآلا.؟ أم هي غير محصلة له إلا في حدود لزوم السبب لسببه.؟ إن هذا الصنف من بحاث الحقيقة في الآثار، قد يصل إلى إيمان، وإيقان، لأنه ما طفق يبحث في البواطن (السبب، العلة، الغاية.) عن لغز الحقيقة، إلا لأنه يسعى إلى أن يستجليها بمعياره في الأثر، لا في المؤثر. ولكنه لن يكسب اليقين إلا بتقدمه في تطلاب المعرفة في المعرفة، والحقيقة في الحقيقة، وبدون وساطة العقل المركب من النقيضين، ولكن بدلالة القلب الذي لا يقبل إلا المعاني المفردة، والمطلقة.
12- فالمعنى عميق الغور، ودقيق النظر، لا يفهم إشاراته إلا من تذوق كلام الحكماء، وتدله في بحر المعنى، فغاب عن الحضور في النهاية للشهود. ولا أراني فيما قرأت قد نلت من ذلك أثرا عظيما، أو حظا جسيما، بل كان ذلك ومضة الصحبة الروحية للشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه. ولولاها، لكان المعنى قياسا للمؤثر على الأثر. فالمقام عظيم، وكريم. وأهل المعنى في الزمن الرديء قلة، وطلاب القرب في التحرير كثرة. فهذا الشخص الذي استدل بالحركة المجردة في القضية، ولم يعرفها إلا في الأثر، لا في معناها الكامل الحقيقة، لا يزال في سيره مستدلا عليه بحركة الصاعد، والنازل، والقائم، والقاعد. والقول بذلك، ولو بدا دليلا في إثبات شيء عند نفيه عن غيره، فهو من باب الاستدلال بالعرض على الذات في القضية. إذ لا يمكن لنا أن نتحدث عن المعاني الباطنية في مرام يحصر معرفتها بمعرفة ذواتنا، ويقصر بواطنها في حدود ظاهر معانينا التي تشكل جهازنا المعرفي بأنفسنا، وبغيرنا. لأننا في سعة الكبد للمعرفة، لا نستدل على القدرة الإلهية إلا بقدرتنا، وهكذا دواليك، فهي بالنسبة لنا معان محدودة بعلمنا لها. وذلك مما يبعد النجعة، ويدني النّهمة، ويغرينا بالسير على أرض تغتص فيها الجناجر ولها بالحقيقة. ومن هنا، فإن اليقين لا ينشأ من عالم غير عالمه. وعالمه هو الحقيقة التي فيها تحدث الأشياء بلا سبب، ولا علة. وهي التي تنجلي بها صفاء صريح العلم اليقيني، والمعرفة الإلهية. وخلاصة هذا المعنى، لا يستفيض فيها العقل المتعب الجوانح، إلا إذا قدم الإنسان علم الله على علمه بالأشياء، وابتغى وقوفا عند مراده سبحانه بأخلاق التسليم، والتفويض. وإلا انخرمت النبوة، والولاية، وفنيت المعجزة، والكرامة، وانتهى الشوق، والعشق.
13- وهكذا، فإن ما تراءى لنا في النهاية، لن يبعدنا عن مفهوم الثواب، والعقاب. وكلاهما يؤكدان اختيار الإنسان، وحريته، لأنه ما وضع أصلا إلا في مقتضى يستوجب النظام. ومخالفته، وسواء ما كان نظاما كليا للكون، أو ما توطأ الناس عليه لحماية البيئة التي صنعوها في عش الطبيعة، فهو قائم فينا بالتحديد للفعل، والسلوك. لأننا كائنات غائية، تبحث عن قيم كبرى، وعناوين عظمى، ومفاهيم جلى، وأعظمها كبدا في كدح الإنسان، وكفاحه، هو نيل الخلد الأبدي، ولو وجد إليه سبيلا في قدرته على صناعة أجمل حدائق الأمل، لانتهى إليه بعزمة أكيدة، وإن ضحى في أجله بكل ما يملكه، إلا ما هو صحيح له من نسمة روحه التي يوقن بأن زوالها فناء لجسده المثخن بجراح الزمان، وعلل المكان. ومن هنا، يكون توجيه الثواب والعقاب أمرا مستوعرا، لافتراق المراتب، والمسارب. فالذين جعلوهما غاية لتطويع الخلق لمراد الانتظام، لم ينظروا فيهما إلا إلى أثرهما على صلاح النظام العام الذي يثري مجال الفعل المسؤول، والمحدود. وسواء في ذلك رجال الدين، أو القانون، لأنهما يحصران ذلك في الأثر، أو في النتيجة، ويجعلون بارز ما تفاعل في الذات محل نظر الإنسان. والذين جعلوهما وسيلة، فإنهم قد تجاوزوا الأثر إلى المؤثر، فاستجلوا جميل القدرة الإلهي في مكامن الذوات، فكان منهم الفعل سويا، والسلوك مستقيما. لأن ما ننصهر في عمقه من أفعال، لم يكن إلا تجسيدا لما يشد أعماقنا من معان، ومفاهيم.
14- ولذا اهتم هؤلاء بإصلاح الباطن، لأنه الأقدر بقدرته على تطويع الظاهر. وعلى رغم تميز هذا المنحى بالروحية العبقة بالحب للإله، إلا أنها في معان تنزل عن مرتبة من جعل الأشياء وحدة كاملة، تدل في كلية مبدئها الأول على الله عز وجل في تمامها، وكمالها، وبلا تجزيء، ولا تقسيم، فتوله، وتولع، وصار العشق دليلا له إلى الحقيقة، لا عليها، لئلا يعبد جوانح الخيال بلا نهاية. ولعل عدم إدراك هذا التوله، أو التعشق، هو الذي أغرى أعداء الصوفية، فتقولوا عليهم بأقاويل فاسدة، وأباطيل زاحفة، وظنوا أن أهل الله قد أسقطوا التكليف، وأغلقوا الباب دون الفعل البشري المحدود بقدرة الإنسان ضمن قدرة الله عز، وجل. ولكن غاب عنهم فيما ادعوه أن يقعوا على معلم التمييز بين التكليف في الأزل، والتأليف في الحدوث. لأن أهل الله قد أرجعوا المعاني إلى عالم الذر، وأعادوا رسم النزاع إلى الأصل، فوثقوا عهد الوصل العبدية، ووطدوا لمفهوم خدمة الأكوان بمقتضى الإرادة الكلية. فهؤلاء لا يتأتى منهم نكران التكليف الكوني، والشرعي، ولا نقصان التمييز بين فرض الحقيقة، وواجب الطبيعة، ولا توهان المورد بين مكمن السماء، ومطرح الأرض، بل فنوا في مقام الاحتياج بالله عن غيره، وعشقوه في كل ما انطوى، وانجلى. لأنهم رأوا الأجساد حيارى، والأرواح عطشى، (فالروح لا تتعدد، ولكن باعتبار الأعيان المختلفة.) لا أمل لها كلية إلا في البحث عن الخلد، والبقاء. وهنا رأوا الخلد في كونه سبحانه، لا في عالمهم الذي يعيشون ضرورته بأجساد مترنحة بالقلق، والصراع، وأوراح طربة بالأشواق، والأتواق. وهل الطرق إلى الله إلا بعدد الأنفاس.؟ وهل الصوفي إلا ابن وقته.؟
15- ومن هنا، يتبين لنا أن الصوفية لم يخرجوا عن دائرة الاقتداء، والاهتداء، بل كان علمهم مأخوذا من الألم الذي حصرهم على طرق باب الله حتى فتح لهم بالإشراق، والاتفاق، وعملهم ملزوما للفروض العينية التي توجبها الراحلة المتعبة بطي المنازل، والمراحل. ولذا، لا يستلزم هذا الطور الذي وصل إليه الصوفية من الوعي، والمعرفة، أن يكونوا أهل زندقة، وسفسطة، لأنهم لم يتعرفوا على الله في الممكن الذي يستلزم القول بسلب الضرورة، بل تعرفوا عليه من الواجب الذي به الوجود وجود. إذ الممكن لا يلد منه إلا نظيره، فيستحيل منه أن يَعرف الممكنَ إلا من الواجب. لكونهما متقابلين، ومتباينين. والأتم الذي لا يحتاج إلى غيره، ليس هو الأحوج إلى كماله. وهنا انتفت الثنائيات المفضية إلى الضد في الحقائق. وإذا غاب النفي، والإثبات، وزال الحكم بالجواز، والمنع، وردت نوق العشق مورد الأحدية. وهناك ينقضي كل ما احتمل، واحتمل، ليكون هو سبحانه الدليل عليه لمن ابتغى الدليل، وكان مقامه، وأن إلى ربك الرجعى، والنهاية لمن فني، وانبسط، وترنح، ومال، وقال: وأن إلى ربك المنتهى.
16- ومن هنا يكون التحريف من عدم استيعاب المعاني، وغبش درك صيغ المفاهيم، إذ هو صرف الأشياء عن حقيقتها، وقتلها بتسميتها باسم غير اسمها. وهنا يكون دور المحرفين خطيرا، لأنهم ينتجون عقولا مختلة، وأفعالا معتلة. إذ لا وجود للفعل المعتل في الظاهر إلا بوجوده في عالم الباطن. وهنا سارع أعداء الطاعة إلى التحريف، والتزييف، لأنهم أيقنوا بوجود قانون إلهي يقتضي خضوع الناس له التزاما بما وجدوا فيه من كمال. والاستواء على الطاعة بشكله، ما هو إلا عين الجمال، ولا يوصف بالكمال إلا الجمال. وهذا التحريف قد طرأ في باب المعاني، وذلك حين ارتبطت الإرادة بقدرة الإنسان على الفعل، واستطاعته ذلك. وهنا أراد المبارزة، فلم يكتف بما هو له. فاختار طريق الشر، والعصيان، فعاند الله، وكان بذلك محرفا لتاريخ البشرية. لأن تاريخها الذي كتب في صفحة الأزل، كان رحمة، وخيرا، وبركة. وحاشا أن يخلق الله الخلق طرا، وهو لم يوجدهم إلا جمالا، وكمالا. فالعطب لم يأتنا من عالمه سبحانه، ولم يرد علينا منه ما يمعنا عن صفائنا، ونقائنا، إذ هو لا يصدر عنه إلا الخلق، والاستواء، والاعتدال، بل أتانا في اللحظة التي تحملنا فيها المسؤولية، ثم استولينا بها، ولم نستو عليها، وهي أوعر سبيل لإقامة أفراح التأدب مع الذي منحنا الوجود، شكرا له، وتعظيما له، وتقديسا له. إذ هو الذي متعنا بالوجود هبة منه، وتكرما، وكان من حقه أن لا يمنحنا شيئا نكون به ذكرا، ولا أثرا. لكنه تفضلا منه أسبل علينا إزار الوجود، ثم أطلق حريتنا في الإرادة، والاختيار، لكي نتعرف على طرق النجاة، والفلاح. وهنا يكون داعي العشق لله قويا. لأنه منحنا الوجود، وهو له. وأي شيء أعظم من أن توهب ما هو خاص بغيرك، وأنت محتاج إليه.؟
17- وإذا كان هذا في عالمنا المليء بحب الامتلاء، والامتلاك، فكيف لا يكون مفهوما قويا في العشق لله عز وجل. ولذا، كان التحريف من أدعياء الألوهية، ولو هتفوا باسم حماية السماء، لأنهم سبب الحروب الذي إذا رآها غافل، ذاهل، والزمن زمن الشطار، والحذاق، وكل خبثهم حول الاستحواذ يدور، إلا وظنها فعل الله كما يزعم سارق المعبد المحنط لإلهه الذي صنعه من طيشه، لا من قوته. لأن تمام القوة أن تقول، هنا النهاية، وهنا البداية. فهؤلاء، لم يكونوا حماة الأديان، والمذاهب، والثقافات، والحضارات، ولو ضجوا بالصراخ خوفا من الزوال، والدوال، لأنهم لا يحمون من أمر الله إلا ما لهم فيه رغبة، وإذا خالفها، كفَّروا، أو زندقوا، أو قتلوا، أو أحرقوا. لكونهم نزلوا من مرتبة البشرية الراقية معناها عند الله، لأنه خلقها على صورته، لكي يعايشوا الحيوانات التي لم يطلبها التكليف بالعقل، ولا بالنتائج المحددة بالثواب، والعقاب. وهل نحن إلا حيوانات عاقلة بالسبب، والغاية، وذلك على اعتبار رأي الفلاسفة العقلانيين، أو حيونات عاقلة بالحياة، وذلك على اعتبار عقلاء الحكماء الروحانيين، لأننا نصنع الحياة بما تقضيه آثارنا، ونحن محاسبون عليها، ومدينون لها، ولا أمل إلا فيها.؟ وهنا تأتي لغة الغابة بقوانينها، وأحكامها، ولغة القطيع، والتغريد خارج السرب، وغيرها من المعاني التي نرددها في زمن غاض فيه المفهوم الأمثل للحياة الحرة، والآمنة.