عدو صادق أفضل من صديق منافق

جعفر المظفر
2016 / 11 / 17

أصيب الكثيرون بالهلع بعد فوز ترامب. أنا غير معني هنا بموقف السياسيين الذين حسمت مواقفهم ومواقعهم مع الحكام الديمقراطيين في واشنطن. ثمانية سنوات من عمر النظام الأمريكي كانت كفيلة بإنتاج الكثير من التحالفات والإمتيازات التي باتت اليوم في مواجهة المجهول, رغم أن ترامب هو مثل سمكة (الصبور) الكثيرة العظام التي يستعصي على الكثيرين أكلها دون أن تنجرح بلاعيمهم إلى درجة الإختناق, فما هو مفيد في سوريا يقابله ما يضر في إيران, وما هو مضر للسعودية لن يكون بالضرورة مفيدا لجماعة الحوثي في اليمن أو لحزب الله في لبنان.
ما يهمني في الحقيقة هو موقف الجماهير العريضة غير المسيسة وغير المحسومة الولاء, بشكل عام.
ترامب كان أعلنها أكثر من مرة أنه ضد هجرة المسلمين إلى أمريكا, كما أن مواقفه لا تحتاج إلى محلل سياسي أو نفسي لمعرفة مستويات التوجه العنصري لديه. هو أشقر أشقرإلى درجة تمكنك من رؤيته وسط الظلام الدامس على عكس أولئك الذين لا يمكن لك أن ترى تفاصيل وجوههم حتى بمعونة مصباح من نوع (بروجكتر).
هو حينما يتحدث عن المكسيكيين تتغير ملامح وجهه وكأنه إكتشف توا صرصارا يسير على رقبته, أما حينما يتحدث عن المسلمين فكأنما هو يبحث عن قاتل أبيه بين صفوفهم.
إن القلق من عنصريته مشروع, رغم أن من واجبنا أن ننتظر لكي نتأكد فيما إذا كانت عنصرية ترامب هي عنصرية دفاعية ام عنصرية هجومية, اي هل أنه كان قد فكر بذلك الإتجاه لغرض حماية أمريكا من أخطار بدأت تهددها من داخلها نتيجة الهجرة غير المنظمة مثلا, أم أن هذه الهجرة قد حركت في داخله مشاعر عنصرية راسخة كانت تشكل أساسيات تكونه الفكري والمزاجي.
إننا هنا بالفعل أمام ظاهرة علينا أن نتعرف أكثر على تفاصيلها واسبابها, ألا وهي ظاهرة العنصرية - السلبية الدفاعية - التي تكونت نتيجة مساحة الأخطاء العريضة التي تسببنا بها للمجتمعات الأوروبية والتي إنتقلت إليهم لأسباب منها صعود شكيمة الحركات التكفيرية والإسلام السياسي بشكل عام ومنها طبيعة الهجرة التي حملت معها الكثير من المشاعر التي تدفع بالأوروبيين والأمريكان إلى صراع الدفاع عن الهويات.
ما يقلقني حقا هو الغضب أو الحزن الذي إجتاح البعض نتيجة خسارة هيلاري وكأنما كانت ملاكا وقد هزمه شيطان إسمه ترامب. ما أريد ان اقوله لهؤلاء, وأنا قد كنت واحدا منهم : قد يكون ترامب شيطانا لكن هيلاري لم تكن ملاكا.
الديمقراطيون, وعلى راسهم أوباما وهيلاي لم يكونوا لطفاء معنا لكي ننصب سرادق العزاء. لقد علمتنا التجارب أن جمهوري (بوش ورامسفيلد) قتلونا بالقنابل لكن ديمقراطيو (أوباما وهيلاري) ذبحونا بالقطنة.
إن ترامب قد يكون عدو, ولكنه عدو من النوع الصادق.
وميزة العدو الصادق أنها تجعلك مباشرة أمام أخطائك, فأما أن تعالجها أو أن تختفي غير مأسوف عليك من على وجه البسيطة.
أما الصديق المنافق فهو الذي يزين لك الخطأ, ويدعوك لتأسيس حياتك ومستقبلك ومصيرك على هذا الخطأ, ليكون من صالحه أن تبقى ولكن معوقا.
نعم الجمهوريون كانوا من بدأ الماساة على يد الرئيس (الشقاوة بوش), لكنهم يقولون هنا في واشنطن أن ترامب هو عدو أو نقيض لطرفي المؤسسة التقليدية الحاكمة بشقيها الجمهوري والديمقراطي, بل أن إنتخابه قد جاء نتيجة لتحدي هذه المؤسسة.
وهو إن كان عدوا لكل الديمقراطيين فهو ليس بالضرورة صديقا لكل الجمهوريين . وهو إنسان غير مثقف على الشاكلة التي عليها أوباما, ولذلك فهو لا يعرف اللف والدوران والمرواغة ويعطيها (طك بطك , أو بالكصة) كما يقول العراقيون عن الرجل البسيط الصادق.
وكلنا نعرف إن العدو الصادق هو أفضل بكثير من الصديق المنافق.
الأول يدعوك إلى معرفة أخطائك, أما الثاني فيزين لك هذه الأخطاء, لكي يجعلها تبدو وكأنها هي الحلول.