“فن- الحذر من الآخر

فاطمة ناعوت
2016 / 11 / 17

============

حاولتْ أمي سنيّ عمري أن تعلّمني أسرارَ ذاك الفن الصعب. وكان الإخفاقُ حليفَنا. ومع الوقت وتكرار المحاولات والفشل، أدركت أمي بذكائها أن إخفاقي ليس لضعف قدراتي العقلية، بل بسبب عدم اقتناعي بضرورة هذا الفن في حياة كل إنسان. ربما علّمتها تجاربها أن "الآخر هو الجحيم"، كما يُجتزأ من مقولة سارتر، وعلينا الحذر منه، فأرعبها أن ترى طفلتها تضع في الناس كامل ثقتها دون حذر ولا استرابة، فعدلتِ الخطّة ونذرت عمرها في محاولة بث الخوف داخلي من خداع الناس وشرورهم عساي أصدق أن الناس ذئاب لا يجوز أن نكون على سجيتنا معهم كما كنت أفعل في طفولتي ثم صباي ثم شبابي ثم في مراحل نضوجي وحتى اليوم، ودون شك لآخر يوم في عمري.
انتبهت أمي لتلك “المشكلة” في شخصيتي منذ كنت في الصفوف الأولى من المدرسة. ما أن أصل إلى باب العمارة عائدة من المدرسة، حتى أُلقي بحقيبة كتبي لـ "عم عبده" البواب، وأركض لألحق بهذه العجوز أو تلك التي تمشي في الشارع تتوكأ على عصاها حاملةً كيسًا كبيرًا من الورق المقوى تبرز منه عيدان خبز الباجيت الفرنسي وألوان الخضروات والفاكهة. أحمل عنها الكيس وأسير معها حتى أوصلها إلى باب شقتها. كان عجائز اليونانيين والأرمن يسكنون بغزارة شارعنا ومنطقة السرايات بالعباسية. ولسبب ما كنت، ومازلت، أعشق الُمسنين وأضعف أمام ضعفهم. وكلما لمحتُ سيدة عجوزًا أُسارع بحمل حِملها عنها، ويعذبني عدم قدرتي على حمل السيدة نفسها فوق كتفي لأخفف عنها آلام المشي. عم عبده البواب يصعد ليسلّم الحقيبة لأمي قائلا جملته المتكررة كل يوم: “ست فافي رمت الشنطة وجريت تشيل مشتروات العجايز.” وكالعادة تُعنّفه أمي قائلةً: “وليه سبتها تروح يا عم عبده؟“ فيجيبها بالإجابة ذاتها وهو يدير ظهره متجهًا إلى المصعد: “هو فيه حد بيلحقها يا مدام سهير، مانتي عارفة.” أهبط من عمارة السيدة وأركض إلى عمارتنا، ثم أعلو ببصري نحو نوافذ شقتنا، فأجد أمي واقفةً تشير بالإشارة المصرية الشهيرة: (ثلاثة أصابع مفرودة، والإبهام والسبابة معقودان يشكلان دائرة)، يعني علقة سخنة بانتظاري.
وبالفعل. ما أن أدخل البيت حتى أجد وصلة من التوبيخ والنذير وكلمات من قبيل: “مرّة حد هايدبحك، بطّلي تشيلي حاجة لحدّ!” فأعدها تحت التهديد بألا أكرر فعلتي، وأنا أعلم أنني سأكررها. استمرّ حالي في محبّة الناس غير المشروطة، وتصديقي لكل ما يُقال، على فرضية أن "الناس لا يكذبون أبدًا.” وتطوّر خوف أمي عليّ مع تطور الأمر مع سنوات عمري، فأصبحت أُقِلّ في سيارتي الغرباءَ، من المُسنّين والحوامل والمُعوقين، لأوصلهم إلى بيوتهم، فكانت أمي تقصّ من الجرائد مقتطفات من حوادث محزنة للصوص خدّروا أشخاصًا أقلّوهم في سيارتهم بدافع الشفقة، وسرقوا متعلقاتهم أو قتلوهم. ولم أخف. ولم أتعلم "فن الحذر من الآخر". وكنتُ دائمًا أجيب من ينصحني: “هل نجعل الأشرارَ يعلّموننا كراهية الطيبين؟!”
ومن بعد أمي تسلّم زوجي المثقف مشعلَ "التحذير من الناس". سلّمته أمي مع يدي، مسؤولية علاجي من "العبط" كما كانت تسمّيه. “البشر ليسوا حملانًا طيبين. يجب أن تأخذي حذرك منهم.” وكنتُ أجيبهم بأن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته.” ولكن المشكلة أن "إدانته" هذه تثبت بعدما تكون الكارثة قد وقعت. وبالفعل وقعت كوارثُ لا حصر لها. خُدعت كثيرًا، ونُصِب عليّ كثيرًا، وصُدمت في الناس عشرات المرات، ودفعت أثمانًا باهظة مقابل ثقتي المفرطة في بشر لا يستحقون الثقة. وأعلم أن أثمانًا باهظة في انتظاري سأدفعها لأنني بعدُ لم أشأ أن أتعلم أسرار هذا الفن العسر: “فن الحذر من الآخرين". ويبقى السؤال: “هل نسمح للأشرار أن يرسموا لنا خطّة حياتنا، فنحرم الطيبين من حبّنا ومد يد الخير لهم؟!”