روح الشباب في قصيدة -جنة الله بقرار ثوري- مصباح حج محمد

رائد الحواري
2016 / 11 / 17

روح الشباب في قصيدة
"جنة الله بقرار ثوري"
مصباح حج محمد
عندما تكون ارادة الاصرار حاضرة فالنتيجة ايجابية بالتأكيد، فهي من يعطي الذات الطاقة على الاستمرار والتقدم رغم وجود عوائق، "مصباح حج محمد" شاعر يمتاز بإرادة استثنائية على مواكبة الكتابة الشعرية، رغم ما يوجه له من نقد، تبقى الكاتبة عنده هي الأهم، هي الغاية، ولهذا نجده مواكب عليها، يكتب ويطور ذاته، متجاوزا السلبيات، مستفيدا منها، فروح الشاب حاضرة وفاعلة فيما يكتبه الشاعر. ولهذا نجده ـ أحيانا ـ ينزلق إلى الخطاب المباشر، متجاهلا التورية/الرمز/التنويه، فالواقع يفرض ذاته على الشباب، ولهذا نجده مندفع بقوة وحماس.
واقفٌ بين الدمار
ورايةٌ يئست من التعب الطويل
من المخيم والحصار
من الليالي الزائفات
من السفارة والمطار
من الرصيف المر
من حقبة زمنية مرّت
وقد نام القطار
لليأس أسباب كثيرة، المكان البائس، الزمن الرتيب، تحرك/انتقال/حركة الأشياء إلى الأمام، وبقاء الراوي ثابتا في مكانه، فالزمن يمضي والراوي ثابت غير مواكب لمسيرته، مما يجعله متأخر/متخلف عن العصر، ولهذا وجدنا يمر بحالة من الغضب/العصبية.
استخدام عبارة
" من حقبة زمنية مرّت
وقد نام القطار" تحمل صورة أدبي عما يحمله الراوي من ألم لما هو كائن من ضياع الزمن.
الوقت مهم جدا للراوي، فضياعه يسبب له حالة من الاضطراب، ولها نجده يقول:
" واقفٌ مثل النوارس
لا أنام ولا أطير" فهو يسعى ليكون للوقت قيمة، فاعلية، تقدمه إلى هدفه، فما هو هدف الراوي؟ يجيب:
"ولا قصيدٌ في المدينة
يا أبي " إذن الكتابة، الشعر/القصائد تحتل مكانة عنده، ولهذا أول ما افتقد القصائد، الفعل الإنساني الأهم بالنسبة له.
بعد هذا ينقلنا إلى الحديث عن فساد المنطقة العربية وأثر النفط السلبي عليه فيقول:
"وأي شرّ جره البترول فوق مخيمي" تناول الجريء لما يفعله النفط العربي في المخيم، وكأن الراوي أراد أن يربط وجود المخيم بوجود النفط، فلولا النفط لما كان المخيم، معادلة اعتقد بأن فيها شيء من الواقعية، وهي تمثل رؤية متقدمة لما يحصل في فلسطين تحديدا والمنطقة العربية عموما.
الراوي يربط فلسطين بمحيطها، فبعد أن حدثنا عن النضالات التي لم تسفر عن شيء، نجده يتحسر/يتألم على ما يجري في سورية فيقول:
"يا بحر النهايات الجميلة
أين تعطلت سفني " هذا الخطاب الهادئ يحمل بين ثناياه صرخة مدوية، لأنه جاء بعد حالة من اليأس، حالة من الارهاق، ولهذا يبدو لنا وكأنه مسالم/ مستسلم لما هو كائن، لكن واقعه كشاب غير ذلك، فيحدثنا عن دمشق والقدس وما بينهما من ترابط وتوحد بهذه الصيغة:
" واين دمشق؟
أين بريوت الأبية
أين أين القدس؟" تساؤل يدعو لفعل، لتمرد على ما هو حاصل، وهنا يكمن ابداع الشاعر، دعوة غير مباشرة للعمل/التمرد/للثورة/لرفض الواقع.
الراوي يعي بأنه فقد الأمل في الآخرين، فبعد إغراق دمشق في مستنقع الطين، يعود الراوي لذاته الفلسطينية، فقد أمسى وحيدا في صراعه مع العدو، ولهذا نجده يؤكد هذه الفلسطينية فيقول:
" في عيدنا ، لا عيد
لكننا نسري
وإن قطعوا الوريد
لكنها يافا وحيفا تل الربيع" اللجوء للطبيعة للأرض، أو للمرأة، أو للكتابة/القراءة كلها عناصر تخفف من وطأة الواقع، فراوينا يختار الأرض، الطبيعة، الوطن لكي يخرج من حالته الحرجة، وكأنه يداوي الجرح بالألم، النار بالزيت، ولهذا انتقل من حالة اليأس/التعب إلى التقدم من المواجهة:
" لا تل ابيب أو ايلات
سمّوا كما شئتم
أرى وطني
في كل طفلٍ ثائر
وإن طال السبات" افضل طريقة للدفاع هي الهجوم، وهذه الاستراتيجية يعمل بها الراوي، فهو يقوم بعملية هجوم رغم ما تم ذكره عن الحالة البائسة التي يمر بها الواقع العربي، هذا الخطوة الهجومية لم تأتي من فراغ، بل لها اسبابها ومبرراتها، فقد تم محاصرة الراوي من كافة الجهات، وليس له ملاذ إلا الصمود والمواجهة والموت بشرف، ولهذا ما حدثنا عنه:
" لكنه وطني ، وإن ذبحوا دمشق
عروبتي ومحبتي والياسمين
لكنه وطني
لي بين اضلاع الدمشقيين أغنية
ٌ وعينٌ أنثى والجامع الأموي
والأنداء والنسرين
لي بينهم حبٌ قديم" دوافع التقدم من جديد كثيرة، وأهمها الحب الذي يحمله الراوي للمكان، لدمشق، لياسمينها، فهي وطنه كما هي القدس ويافا، فمثل هذا الحب لا يمكن أن ينضب، أو يذبل، بل يبقى مشتعلا، متقدا إلى نهاية الكون، فهو على يقن بأنه سيحقق حلمه، ويتخلص من بؤسه وهذا ما كان:
" ستقوم كالعنقاء
لي بينكم شهداء
كلهم ذهبوا قليلا
وضعوا مخطط نصرهم
عادوا
أراهم في الغيوم وفي السماء
أراهم في الصباح وفي المساء
يحملون العرش في كف
على أمل اللقاء
بالحزم والأصرار والبارود خط النار
يطلع الثوار
تنبت الأزهار
تنبع الأنهار
تحتفي الأشعار" اجمل ما في هذه النهاية حضور الطبيعة البهية، وتألق القصائد، فالطبيعة والقصائد من مباهج الحياة، فهذه الرمزية تمثل حالة النشوة التي يسعى إليها الراوي، ولهذه نجده تخلص من وطأة الواقع وتحدث بلغة ناعمة جميلة بعيدة عن الشدة والعنف كما كان في بداية القصيدة، وكأنه بهذه اللغة الجديدة يضع المرحلة الجديدة، مرحلة الهناء والسعادة على أرض الواقع، فلم يعد هناك ألم أو عذاب، نهاية رائعة لعمل صعب وقاس.