برجماتية ترامب

سامي عبد العال
2016 / 11 / 17

يبدو أنَّ السياسة ليست فقط أنظمة للحكم لكنها إدارة للخطاب بشكلٍّ استراتيجي لتحقيق المآرب أيضاً. وبذلك يظهر الفاعلون كأنهم لوحات بشرية مملوءة بعلامات وغرائز. إنهم حروف ونقوش في فضاء التغيرات الجارية. كما يؤكد جان فرانسوا ليوتار فإن الليبيدو السياسي political libido يتجلى بواسطة الأفعال المسماة بجسد السلطة. فالأخيرة كـ"مسرحٍ شهوي" استعراضي تطرح صور اللغة المعبرة عن القوى. إنَّ الخطاب ترجمة افتراضية لما سيقال عملياً خلال الممارسات المنتظرة. ولهذا يمكن لشخص مثل ترامب أن يصبح مجموعة من الجمل السياسية التي تستعرض قدراتها الدلالية إزاء المتلقين. وهو حينما يتخذ موقفاً أو يوضع في سياق تعبيري فإنَّه يعدُّ خيطاً في صراع الاحتمالات والمصالح.
بهذه الخلفية صرح أوباما مؤخراً بأن ترامب رجلاً برجماتياً. في إشارةٍ إلى أنَّ الرئيس القادم سيتجنب إشكاليات التعصب والتمييز ضد الأجانب والدجما الفكرية والمراهقة السياسية وإثارة المخاوف لدى الأعداء والأصدقاء. وهذا الاثبات الخطابي شيءٌ قد لا يقنع الرئيس الحالي لكنه طمأنة حول قضايا أخرى. ومع تأكيد أوباما لفكرة برجماتية ترامب اسقط عنه صفة كونه أيديولوجياً.
والكلمات السابقة لا تتجاوز دائرة الممارسات الخطابية البديلة. فإذا كان حزب أوباما لم يفز في الانتخابات فلم تنتهِ الجولة دون ضغوط فاتت الرئيس الحالي. وبالتالي يحاول استدراكها فيما بعد. يطرح أوباما "خطاب العودة" إلى نقطة الصفر. ذلك بإمكانية التأثير على المواقف السياسية. ودوما خطاب العودة نوع من المقامرة على شخصية المعني به.
لأنَّ ترامب بخلاف جميع سابقيه أكثر خشونة في كلماته. فالعبارات التي يطلقها لا تستأذن قيماً ولا خبرة سياسية ولا موقفاً مبدئياً. كما أنَّه شخصية متلونة بحسب السياق الذي يوجد فيه. وهو ذو طابع فضائحي علني. إذ لا يعرف ملاينة ولا مهادنة، إنما يصل إلى ما يقول من أقصر الطرق الكاشفة. ولا يمانع أن يناطح الآخرين للنيل منهم. لقد اتهم هيلاري كلينتون بإفساد حياة الأمريكيين. واعتبرها عبئاً لا نظير له. فلئن كان زوجها(بيل كلينتون) لم يتحملها وهو رئيس لأمريكا -كما يقول ترامب- فكيف للشعب الأمريكي أن يتحملها ثانية في منصب الرئاسة؟!!
إنَّ كلام ترامب بمثابة خطاب الممارسة البرجماتية التي تقتنص الفرص للنيل من الخصم. وتحاول اسقاطه بالقبضة القاتلة من الجولة الأولى. فهو يتهم إدارة أوباما برعاية الارهاب وأنها تضع التاريخ الناصع للأمة الأمريكية في الوحل. ورأى في أوباما نفسه -أثناء الترشح- أسوأ الرؤساء الذين تعاقبوا على السلطة. ولكن بعد فوزه بالانتخابات ها هو يرمي بكل ما قيل في سلة المهملات ليعتبر اوباما، حينما دعاه إلى البيت الأبيض، رئيساً مهماً. وأنه يتطلع إلى حوارات متواصلة معه لمعرفة آفاق المستقبل. وعليه التزام الصمت إزاء الكلام التقوي الذي يهمس به أوباما من حين لآخر. لقد بدا المشهد وعظياً لرئيس يبدو شاذاً من وجهة نظر الوصاية السلطوية القائمة. وبالمقابل تعتبره صبياً مراهقاً يحتاج إلى تقويم.
كأن لقاء الرئيسين(أوباما- ترامب) لقاء على كرسي الاعتراف الكنسي. مع وجود كم مهمول من الصمت والاستماع. وقد لعق أحدهما وجه الآخر تحت لقطات الكاميرات التليفزيونية. السياسة دون سواها تستعيد التاريخ الكلبي للمناصب. وبمجرد أن يبصبص الأمل تجاه مكانة عليا حتى تبرق العيون وتتشنف الأذان ولو مداراة للمشاهدين. وبعد انفضاض المجلس(الحوار) ينهش السعار والظهور الخادعين في أدمغة المتحدثين(المتحاورين). لكن يستمر المشهد في تعريتهما تماماً. ويظهر ما كان مخبوءاً. لأن الحقيقة في السياسة مقولة زائفة خطابياً. فلغة المصالح هي اللحمة الحقيقية للمواقف. وفي هذا ليس ترامب ثابتاً رياضيا باصطلاح المنطق لكنه يأخذ فحوى الانتهاز السياسي. ويبدو مثل الأوراق المالية المستعملة في أنشطة ليست بريئة. كل شيء مباح طالما يؤدي الوظيفة المبتغاة من ورائه.
وكأن ترامب أيضاً ذر الانحطاط القادم من دهاليز الرأسمالية. فالواقع الذي يعبر عنه أكبر من أيقونة الرئاسة بمجمل برتوكولاتها البراقة. لا شيء هناك سوى شحنات الهيمنة من قريب أو بعيد. فالرغبات تنفتح على بعضها البعص سواء بامتلاك رأس المال والجري وراء الملذات أم بإلقاء الامكانيات للفوز بمنصب الرئاسة. إن الاقتصاد السياسي الشهوي واحد وقابل للامتداد في جميع الزوايا. لأنَّ تجسيد هذا الاقتصاد يخرج على هيئة تنظيم ثقافي واجتماعي ما. يكون المظهر السياسي له اكثر الأشكال غموضاً وتماسكاً في نفس الوقت. بدليل فوز ترامب رغم هشاشة مضمونه المعرفي والفكري.
المعروف خلال الانتخابات أن ثقل المهمة تُلجئ صاحبها إلى استعمال مساحيق التغطية بقدر ما يستطيع. أما أن يأتي الرئيس عارياً ويأخذ في تعرية الجسد الثقافي للمجتمع فهذان شيئان نادران. ولذلك ليس ترامب شخصاً إنه خطاب ثقافي يعري نفسه على الملأ دولياً واقليمياً. ومن خلال تلك الممارسة السياسة التي تحدد مسار المجتمع في لحظات جمعية يبدو العمل العام مجالاً غير مألوف. فالانتخابات لا تعد ممارسة فردية بحال من الأحوال. إنها تلك المرآة التي تعكس ماذا نحن فاعلون بأنفسنا. لتتضاعف النتائج بشكل مغاير. وإذا كانت أمريكا تتغنى بالديمقراطية والتنوع فها هو الخطاب القادم كالإعصار يعصف بكل ما بقي في الجعبة.
من ثم لا تمثل الانتخابات فقط إجراءً ديمقراطياً إنما بنية تحول في طبائع الاختيار لحالة عامة. حيث تكثف معاني الاختلاف بشكل تأسيسي. فالجانب السياسي أعمق من الأفعال العلاقية ذات التغيرات الظاهرة فقط. الانتخاب هو اختيار شيء بعيد ما كان ليتم سوى بالاتفاق في لحظة قبول عام. بكلمات أخرى إذا كان الإنسان ذا إرادة فردية فإن اختياراته تحدد ماذا يكون جمعياً. وفي نفس الوقت يشرع ضمناً لغيره كيف سيكون إيقاع وجودهم وما هو وزن تأثيراتهم المتبادلة.
إذن ماذا نفهم من البرجماتية السياسية حتى يطمئن أوباما ناخبي ترامب؟ هناك عدة احتمالات تكشف عن أشياء ضمنية تالية...
أولا: أنَّ ترامب سيعدل مواقفه السياسية بعد ممارسة مهامه الرئاسية في بداية العام القادم. حيث توجد سوابق رئاسية لهذا العمل. فجميع الرؤساء يقطعون وعوداً على أنفسهم سرعان ما يعتبرونها قابلة للتغيير. وترامب نفسه نوه إلى أنه سيكون رئيساً لكل الأمريكيين.
ثانياً: كانت تصريحات ترامب آراء انتخابية ليس أبعد. وأنها ليست طويلة الأمد من الأساس. والموضوع فرصة لم تتشكل على نحو كامل. فهناك جولات من المفاوضة السياسية المفتوحة رغم انتهاء النتائج إلى ما آلت إليه.
ثالثاً: أنه من المستحيل الوفاء بوعود انتخابية خارج إمكانية التطبيق. لأن المجتمع الأمريكي كيان مركب ومتنوع بالضرورة. وقد يصعب معه تنفيذ ما قيل إلا في ضوء البدائل المتاحة.
رابعاً: اعتبار السلطة تقوم على المصالح لا الاتجاهات الثابتة. وإذا كان ذلك التصريح خارجاً لتوه من أوباما فإنه نتيجة خبرة وممارسة.
خامساً: التصريح ينقل طبيعة المتحدث. فكل كلام سياسي لا يخرج اعتباطاً، لكنه جزء من الخطاب المعمول به في توجهات الحكم. وهذا يعني أن أوباما نفسه رجل برجماتي.
سادساً: يرتبط هذا التصريح بنمط الثقافة الأمريكية السائدة. لأنه تصريح يأتي كتحصيل حاصل. كما يقول الوضعيون المناطقة في اعتبار هذا النوع من القضايا التحليلية لا تضيف نتائجها شيئاً جديداً إلى مقدماتها. والتصريح تافه من تلك الجهة لأنه معروف. فكل نظام حكم ينبني بالحقيقة على شبكة أهدافه ومنافعه.
سابعاً: أن ترامب لا يفهم غير لغة المصالح النوعية. وأنه على الأمريكيين مخاطبته بنفس الأساليب التي يفهمها. ولهذا سيظل الأمل في هذا الجانب على ترامب لرؤية العالم كما هو.
ثامناً: تصريحات أوباما تسريب أفكار لترامب لتوضيح كيف له أن يتصرف مستقبلاً. وبذلك مازال الكلام داخلاً في إطار السياسة العملية.