مع أبي حيان التوحيدي في محنته -2-

إبراهيم الوراق
2016 / 11 / 16

وإذا كان الفعل هو النتيجة التي يقتضيها القول بالاختيار، أو بالإرادة، أو بالجبر، أو بالكسب، فالأمر يستلزم في أبعد الأنظار أن نقول: إن الإنسان مجبر على أن يكون مختارا في فعله الباطني، ومريدا في فعله الظاهري، لأنه في الظاهر يعاكس رغبة غيره، فيحتاج إلى قوة تمنعه من عدم الولوغ في قاع لا يشرب منه إلا صديد الآخر، وأنانيته، وغروره، ولكنه في مستواه الباطني، يحتاج إلى اختيار يتم به بناء الجهاز الفاعل في الذات بالإدراك، والوعي، والقائم بالآلات المعرفية التي تلزمه بالتحديد الإلهي للمعاني، والمفاهيم. وهذا هو الرابط الذي يربطنا مع السياقات المتكونة باجتماعنا والتفافنا حول رغبة جماعية، هي الأصل المطلوب في كل نصيب مرتجى للكل البشري، وهو الفعل الذي يؤكد وجود قانون الاستواء والاعتدال والتوازن في أعماقنا، أو يدل عكسا على اختلال الميزان، وانتكاس القصد، وانخرام الخلق. لأن أعظم شيء في الإنسان، بل حتى في أنظمة الحياة كلها، هو ميزان الاستقامة الذي يصرف الأشياء في مجاريها، ويبني حقائقها في الواقع تامة، ووافية، وكافية. إذ به توضع الأشياء في محلها الطبعي، وتتجه القصود نحو غاياتها الكلية. وغايتها التي تشكل عنوانها الأكبر بين المفاهيم الخفية، هو تلك النهاية التي حد الله بها الأشياء عن بعضها، وصيرها به لازمة، وملزومة. وكل ما وضع على أصله التي وجد به في مهد الوجود، أنتج دواعي الأمن، والسلم، والحب، والإخاء. وإذا تفاحش فينا موت الضمير، ماتت المراقبة، وهي محاسبة الظاهر بمقتضى الرعاية.
وإذا فقدنا ميزان المحاسبة، ولم نربطها بحرص المراقبة، ولم نعجنها بأمل الاستقامة، أوجدنا في سيرنا تطرف الذات في غلو قصودها، وجهودها، وتشدد خلقها في نيل حقيقة الاكتساب للحياة الخالدة. وسواء كان هذا من ناقم على الدنيا، أو راغب فيها، فكلاهما في حرده يبحث عن السعادة المتصورة في الأغوار، والمبتغاة في الأدوار. فذا قد ربطها بالإرهاب في آخر ما صنعه الإنسان للانتقام من الكيان، فقال بوجوب فناء الذات في نار الحروب، لكي يتطهر رميمها في عالم الآخرة. وهؤلاء، وهم الصنف الأول، أحرقوا الجسد رغبة في صفاء الروح، وخلودها، لأنهم رأوه في عالم غير الكون الذين يعيشون فيه. فصلتهم به، لن تنتج شيئا يحميه، أو يقيه. إذ علاقتهم بهذا الأطلس الذي يحتضن قصة حياة البشرية، هي علاقة كراهية، لا محبة. فكانوا أخزى من الصنف الثاني، وأوغل في الجهل، والضيق، والحرج، لأن هبة الآخرة، ومهرها، هي صلاح الجسد، وتنقيته، وتطهيره، لكي يكون قابلا للروح الإلهية التي تجرنا إلى عالمها الخالد، لا إهانته، وتدميره، وتخريبه، وتمزيقه بين الديار المتفحمة بالأشلاء والجماجم البشرية. لأن اعتبار الجسد نجاسة، هو الذي دفع بالإرهابي إلى القتل. إذ لو كان في جسده نظيفا، فلا محالة، سيجعله مرقاة إلى عالم الله، لا محلا لنزاع الخلاص، والفداء. لأن الفداء لا يتم في خارجه، بل في داخله. وإذا جعل الجسد عرضا، فقد جعله محلا للمساومة، والمقامرة. وإذ ذاك نراه منفصلا عنا، لا هو نحن الذي ندبر فيه أمر الحياة بأفكار، وقيم. وحين نحس بذلك، نكون قد فقدنا صورته في الذات، وبنينا تصورات خاطئة عن العلاقة بينه وبين الروح. وتلك هي معضلة العقل الديني. والصنف الثاني، عبدوا الجسد، وقدسوه، ولم يجعلوه دنسا، ووسخا، بل من شدة تنظيفه نكحهم الشك، فتوضئوا كثيرا لتطهيره. وما أُغرق في يمه إنسان اليوم، هو بحر النظافة، لأنه ابتغاء للأناقة في الوجود، لكي تعكس المرآة الصور ممتعة، ومبهجة. فهؤلاء جعلوا الجسد محل الأنظار، لأنه أقرب شيء إلى مرمى أنظارهم، وهو البارز فيهم، وهو الذي يستحوذ على الأشياء بإحساس، وإمعان. والناس في غالب الطبع ميالون إلى ما هو قريب، وسهل، وممتع، لأنهم حسبوا الحياة زمنا قصيرا، وشهدوا الموت بعين اليقين. ولو تجاوزوا علم هذه الدائرة الضيقة، لكان لهم حق اليقين. ولكنهم لم يتجاوزوها بحدود الحواس، ليروا الأشياء ببصر حديد. فكانوا بذلك أخوف على الفوات، لئلا يفقدوا يقين الموت الذي سينهي المبرات، والمسرات.
وهذا قد يحس به الغني أكثر مما يشعر به الفقير، لأنه أيقن بوجود النهاية، فاستغرق زمنه في كسب ما يطوع ليده من النعمة. فلذا لا يجدون في دواخلهم نفسا طويلا يزفرون به وراء الأشياء السارحة في المجهول، ولا زمنا مديدا يعدهم بالانتظار، والاستبصار. فهم أدركوا أن الحياة متعة، والطبيعة قوة. وما رؤيت فيه القوة، كان التعامل معه أشرس. إذ لو رأوا الطبيعة أمانا، لحموها من حمق الاستيلاء. والمتع لا تنتهي في عالم الجزئيات، كما القوة لا تنتهي في عالم الكليات. وما تمتع به الإنسان زمنا، كان أحرص إلى غيره على التوال. وما استقوى به بدنا، بدا ضعيفا في ذاته، ولو استولى به على غيره. ولهذا، حبذوا الاختصار في كل شيء، والقرب من كل شيء، والحضور في كل شيء. وهل حضارة اليوم إلا حضارة سرعة.؟ وهل السرعة إلا وله في الوصول إلى النهاية.؟ وهل النهاية عندهم سوى أن يكون العالم قرية صغيرة، وكوكبا محكوما بأزرار، لا بأرقام.؟ إذ الرقم خالد، والزر دليل عليه في الخلقة المشوهة. وما دل على الشيء بالحقيقة، ليس هو ما دل عليه بالقرينة. لكون ذا، هو ما يمنحه الشيء، وكون ذاك، هو ما يفهم منه.؟ وإذا كان القرب مؤثرا في الحقيقة التي نستعجل بها بريق الحياة الخالدة، والشيءُ الميسر مغريا في الطبيعة، والابتهاجُ موجودا في الدائرة، ولو وهما، فلم لا تكون الحياة معبودة عندهم.؟ إذ هؤلاء أكثر ذكاء من الطائفة الأولى، لأنهم عظموا الجسد، فلم يرهقوه، ولم يعذبوه، ولم يهينوه، بل كانوا أحرص عليه من غيره، وأخبث فعلا في الذود عنه، والالتحاف به. وما فعلوا من تأليمه، وتأثيمه، والبكاء عليه، والنفور منه، والاستعطاف له، فإنما هو لصلاحه، ونجاته، وبقائه. وهل كثير مما أنتجه البشر في غرور الاستكبار، ليس إلا زينة له.؟ كلا بل اقتات الناس به في أزمنتهم المتعددة، ولو تعددت الأسباب، واختلفت الغايات. فسواء العاهرة التي تحميه به، أو ذاك الذي ينزف لعابه الغائر برغبة كمينة تتضمخ بسعار الاستحواذ على الثروة، فاختار أن يصنع للجسد ما يدمره من مواد تنهيه بلا رحمة، وشفقة. فكلاهما يعبد الجسد، وإن كانت العاهرة أشرف ممن أحرقه لبقاء جسده وحيدا، أوحدا، ينال به شرف الاستيلاء على الكون. لأن بيع الجسد، ليس إلا نتيجة البحث عن حمايته، ووقايته. ولا يتم ذلك في دوائر صنعها العقل الجبار حين ضاعت حصة كل واحد منا في هذه الطبيعة، إلا إذا فقد الإنسان قدرته على المشي بين الديار كريما. تلك الحصة، التي وكلنا الله على تسخيرها، وكلفنا بتعميرها. وإذا ضاعت منا حقيقة الخلافة عن الحق الأجل، الأكمل، تحولنا إلى عالم النزوات، والأنانيات. وإذ ذاك يعيش بعض على عرق الكل، فتنحني الرقاب المفجوعة، وتلتوي الأعطاف على أحقاد، وإحن، ويكون بذلك خراب العالم، وفساده، لأن المجتمع الذي ننشئه من الفعل الرديء، هو ذلك الذي لا يحترم العمر الجميل، فيملأه بالصراخ، والضجيج، وهو في حوجاء إلى هدوء، وسكينة. إذ بهما يتسع مدار الإدراك، والإبداع.
وربما قد تنبطح الهامات السامقة، وترتوي الذوات من آسن الموارد الكاسدة، وهي في حقيقتها، إذا لم تنبطح ساجدة لله، عاشت في بركة العبودية. وإذا نالنا شؤم الاستعباد في مقام يحتاج إلى حرية، فقدنا الأمل الذي نكتسبه من عالم السماء، واندفعنا في سبيل الشره، والطمع. وحينئذ لا يلام المحروم على ما نزف من صديده المنتن، وهو يسترجع به ذكرى طلعة الحرية، ويأمل منه أن يكون عنوانا على البقاء، ولو بما طاش فعله، وسفه حلمه، وغدا خزيا في دنيا القيم، والأخلاق. وهنا التبس الأمر عندهم، لأنهم قسدوا الخلد في الجسد، ولم يقدسوه في الروح، فغالوا فيما أنتجوه، وكان به زوال الجسد. وإذا تخرب الأس الذي به يحوز العين جرما، وجسدا، وبه يصير إدراكا، وسلوكا، عشنا بين طائفتين: طائفة تعيش في الخيال بدون واقع، لأن واقعها مادي لا روح فيه. وطائفة تعيش التيه، لأنها طلبوا المادة في الأعيان للتحديد، والتقييد، فغرقوا في بحر الجزئيات، والتفريعات، وكان منهم العبث، والفوضى، إذ عاشوا بروح المادة الطائشة، ولم يتقربوا من بساط القرب، ليلبسوا شرف الروح الأزلية. ومن هنا، فالمادة لا تهدي في انفصام عراها إلا إلى التشظي، والضياع، والفراغ، لأنها ستكون بدون سبك، ولا نظام. ونظامها، هو ما وضعت لأجله في مسمى الوجود، والطبيعة، والكون، والحياة. وتلك هي علة الحضارة اليوم، لأنها سخرت الإنسان في عبادة الآلة، ولم تفسح لأشواقه أن تعانق أفق السماء. وهنا نكون أمام إنسان فارغ المحتوى، لا يبالي بسيرته في المعاني التي وجدت لها الحياة الجميلة. إذ الجمال الذي استحوذ عليه الإنسان في أصله، ومنع عنه غيره، لا يسمى كمالا، إلا إذا كان الفعل مخالفا لمن هم متحركون معه في دائرة الوجود، ولكنهم خلقوا سوالب بلا إرادات تستوجب الأثر، ولا أفعال تستوحي معنى البقاء في الزمان، والمكان. لأن معنى الأشياء لا يكون قيمة معتبرة فيها، ما لم يكن لمنظره في الناس معنى خالد، أو ما لم يكن الإحساس بقوته نصا لا يحتمل التأويل إلا في حدود حرية الإنسان في اختيار المعاني التي تنظم جهاز فضائله، ورذائله.
ومن هنا، فإن التفريق بين الاختيار، والإرادة، يصير عملا ذهنيا يفصل بين المعاني الملتبسة، لكي يكون للاختلاف سلم يقفز عليه من لا يجد لذته في اتصالها بالمباني، ولا يرغب في إعادة بنائها للسعادة الإنسانية المشتركة. ولعل هذا السبب القادم علينا من خارج دائرتنا، هو الذي زرع فينا فسائل تنتج كثيرا من أورامنا، وأمراضنا. إذ لا نستشفي منها في مروي آثارنا إلا بالبنات الذي شممنا أريجه، واستنشقنا شداه. ومتى تداوينا بما لم نولد به في طينتنا، فإنه لن يحقق لنا وقاء، وشفاء. لأن الأشياء التي تستجيب لنا، هي التي توازينا في ذواتنا. وإذا خرجنا عن هذا القانون العادل، فإننا لن نطيق بالنظر البعيد أن نتحول إلى العالمية بعقول غير قادرة على درك مناط الاتفاق، والافتراق، ولا مستوعبة لما به تتم كلية الذات في الوجود، ولما تتحرك به في الطبيعة المفتعلة بالإرادات المختلفة. ومن ثم، فكل نزوح عن الوطن، أو حيدة عنه، وهو المنشأ، والمرفأ، لا يكون إلا عن اختلال في درك مفهوم الخصوصية، واعتلال في حصر مناط الجاهزية، والفاعلية. ومجموع هذا، هو الذي يشكل معنانا، ويحدد طريقة تدبيرنا للمفاهيم المشتركة فيما بيننا وبين غيرنا من سكان هذا العالم.
وبناء على هذا، يكون ظهور مصطلح الجبر دليلا على الصراع بين الفعل الحر، والفعل المشترك. وقد امتد ذلك إلى كل الأزمنة، والأمكنة، وما زالت له صولة في جولة السؤال عن كساد العقل العربي، وغرة يغتر بها حين لا يريد أن يعرف ما هو لله بالأصالة، وبما للخلق بالتبع. لأن مثل هذا السؤال، لا يطرح إلا في حضن الظلم، والطغيان، والاستبداد، والتخلف، والضياع، لكون الإنسان يرى في التباس معاني القدر الأزلي بمفاهيم الأخلاق البشرية ضيقا يحاصره، وحرجا يباغته، فلا هو بمقتنع بدوره، ولا هو مستعد للرضا عن دور غيره. وهنا يحدث الصراع بين الإرادات بكل ما يقف وراءها من إدراكات حسية، ومعنوية. وهو نتيجة طبعية لعدم فهم كل واحد لوظيفته التي هو مهيأ لها بحكم الفطرة، ومخير فيها بلازم الخلقة، قبل أن تكون كسبا يتوسط إليه بمحصول المعرفة، والخبرة، ويتوسل إليه بالكد، والسعاية. ولا غرابة إذن، أن يكون سؤال الجبر في تداوله المعرفي حاضرا بين مخاضات النقاش العام قديما، وحديثا، وإن أرشدنا فيه إلى مناح أخرى لا تبحث عن أصل القضية في التقدير، بل عن آثارها الناجمة من عدم درك المعنى في المفهوم. والمفهوم في المصادق. والمصادق في الحركة التي تسير بنا يمينا وشمالا فوق هذه الطبيعة.
ولهذا، نرى السياق محددا لفعلنا، وموجها لأثرنا، ولو كان قصدُنا غيره، وامتلكنا قوة على حيازته، وظهر لنا عكسه، وخشينا من نسبته إلى غيرنا، وهو جزء من مجموع ما أنتجناه كمجتمع إنساني، وبشري. وسواء قبلنا بهذا الدور، أو لم نقبل به، وسواء نبهنا عليه تبرئة للذمة، أو لم ننبه عليه، وسواء تفاعلنا معه، أو لم نتفاعل، وسواء جاملنا بما يقتضيه حظنا المنكوب، أو لم نجامله، وسواء أحدثنا به تقدما، أو أضفنا به تأخرا. فهو بنا قائم، وبنا استحق أن يكون علامة علينا، وبه استحققنا أن ننتسب إليه، لأنه خلاصة أقوالنا، وأفعالنا. والعالم اليوم خلاصتها التي تواترت من الجميع بلا نظر في الغايات. فهو إذن فعلنا الذي يضمن لنا البقاء، أو الفناء. إذ لو لم يكن السياق محددا لمسارنا، ومقيدا لمسيرنا، ومن أبسط حركة إلى مركبها، لما انتهى لنا أمل في الرغبات المقصودة فينا بالإيجاد، لأننا لا نأتي من الأشياء في ظاهرنا إلا ما هو محبوب لنا، ومأمول فينا. ولذا نتعارك، ونتصارع، وكأننا لم نوجد إلا لحماية نصيبنا في الحصة التي تجعل كياننا وجودا حقيقيا بين الموجودات، وتمتعنا بما يستفيض من غيرنا عطاء، وسخاء. وهنا فقد العالم طبيعته، وغدا مراحا للتوحش، والتغول. لأن ما فقده الإنسان في مادية الأشياء من عواطف نبيلة، لن تعوضه الآلة، ولو أغرقته في لجة الزينة، والمتعة. إذ لا يمكن أن نكون إنسانيين، ما دمنا لا نميز بين القانون المبني على الرحمة، والقانون المبني على الصلادة. ولكل واحد منهما محله، وجاله. فالأول، هو ذلك الشعور الفياض في ربط آصرة الحب بينك وبين الأشياء. وذلك لا يتأتى إلا في حدود إدراكنا للرحمة التي لا نكون بها رحماء، إلا وأصابنا من فوحها ما يصيب غيرنا. والثاني، هو ذلك الذي ترتبط به الأشياء في علاقتها مع بعضها، وذلك يقتضي القسوة، لأن اختلالها فساد للنظام الكلي للكون. ومن هنا، فإن ما كانت الرحمة دليلا عليه، لن ينال بما يجافيه من قسوة. وإلا وقعنا في التباين، وإذ ذاك تكون الروح قسوة، والمادة رحمة. ومتى كانت رحمة، وهي ما تركت معنى جميلا إلا وسخرته في سبيلها.؟
وإذا حولنا تجليات القضية إلى منطق الرزق الذي ندبر به هذا القفص المكنون فيه عمقنا، وغورنا، فإننا نرى محددات السوق المجللة بأطماعنا، وأوجاعنا، هي التي تحدد اختيارنا، وإرادتنا، لكوننا قد نشتهي أكثر من ذلك المحوز لنا في القدرة، والإدراك، وهو مما ليس ملكا لنا، ولو حاولناه بأفذع الهمم، وأفدحها، فإننا لا نجر إلا أذيال من فازوا بأعظم منا وفرا، فلا هم سلموا من شغبنا في الحواشي، ولا نحن سلمنا من شططهم في الدواني. فكانت النتيجة ما نراه من توله الناس وراء الاكتناز، والادخار، لأنهم لم يهرعوا نحو المستقبل إلا بخوف الفوات، وألم الفقد. ولهذا استجلبوا ما ليس لهم، واستغنموا بما لم يكن لهم، فخربوا الكون بالرغبة غير المهذبة. وهنا نُجبر على ترك ما ليس لنا قدرة، ولو مع احتدام الصراع في دواخلنا رغبة في كسبه، وسطوة في نيله. وهكذا كل الأشياء التي تفرض علينا هيبتها، وترغمنا عليها، ولا نكاد نجد لنا مخرجا منها، فإنها لا تخلو من هذا النزاع، والصراع، لكونه ينتج عن الطلب الكثير، والإلحاح فيه، والاحتراب من أجله، حتى يتحدد الحظ بما تريده، لا بما يريده الأزل حين قسم قسمه بالعدل، والسوية، فاختارنا لأن نكون أهل تفاعل، وتواصل، لا أهل ضغينة، وموجدة. وإذا أيقنا بأن هناك محددات تجبرنا على صوغ فعلنا، فما نراه أمس جميلا، قد تغير حكمنا عليه بتغير الظرف الحاضن لهما. وما دمنا لا نطيق أن نعرف المجهول المستغرق في العماء، فإننا لن نستقيم على رأي واحد في الحقيقة. وما دمنا لا نأتي من الأشياء إلا ما هو مفروض علينا، فإننا لن نبني عالما يسوده الرخاء في العيش، والنقاء في الخلق، والصدق في الأثر.
وإذا كان أبو حيان التوحيدي يشكل عمقا معرفيا لكثير من المتولهين والمتولعين في مجتمعاتنا العربية، فإن ذلك لم يرد عبثا في لحظة تحتاج إلى بصر حاد لمعرفة ما يجري على الأرض من أحداث تصنعنا، وتركبنا، وتدبرنا، وغرائب تذهلنا، وتربكنا، وتؤلمنا، وربما من حدة الانتباه، نرى أنها تسخرنا فيما تريده، وتدبرنا فيما ترغب فيه، وتعبد بنا طريقا لم نسلكها بعيوننا، لكي نكتشف حقيقتها، وإنما مشينا عليها عميانا، لا ندري عنها شيئا يحق لنا أن نحكي به قصتنا، وحكايتنا، ولو سئلنا عنها لما أجبنا بإجابة صحيحة، ولما أعربنا عنها بمعنى لطيف يجليها للعقول، بل ربما سنجتاز الدنيا مشرَّبين سمها، وحاملين اسمها، ولكننا لا نعرفها حقيقة إلا حين تبلى السرائر. وحقا، إنها سرائر هذا الإنسان الذي ظلمه الجهل حين لوى عطفه على الأمانة، وهو غير ناظر إلى رفض الأجرام القوية لثقلها، وعبئها. إذ لو أحس في الأشياء بالقوة الكامنة فيها، لضعف أمام الجبال الرواسي في حيازة المعاني التي لا تنتهي جزئياتها إلا في كلياتها. وهنا نكون أمام إشكالات الخلق، والغاية منه. فهل هو مخلوق لحماية الطبيعة، فيحتاج إلى كسب ما يجعلها آمنة، وسليمة.؟ أم هو مخلوق لتحميه الطبيعة، فيحتاج إلى حسن أدب مع الأشياء القائمة على نظامها، فلا يعبث بها، ولا يعسف فيها، لئلا يحرم من سرها، لأنها إذا بخلت عنه في مجاله الذي منحته إياه لكي يكون حيزا لجرمه، فإنه سينهار، وينتهي، وربما يحمله إلى قبره اعتقادُ نهاية الكون بنهايته. ومن هنا يكون لأبي حيان قصد في كتابة ما حرره، وأثر في رواية ما وصفه، لأنه كان الأقدر على وضع القالب لواقعه، فكان بذلك مواصلا لحبل الآلام بين الأسلاف، والأخلاف.
لو ولجنا هذه الإشكالات العميقة، فإننا سنحتاج إلى مزيد من التفريع، والاستطراد. وما أعسرهما في تزاحم الأفكار، وتوارد المعاني، وتعانق المفاهيم. لكنني وإن أحجمت عن الاستفاضة، فإني أرى الإنسان في تلك اللحظة مخطئا، ولو قدر له أن يكون بطيشه سيدا على الطبيعة، لأن ما اغتر به، ليس هو كونه جزءا من هذه الطبيعة، وإنما في زعمه بأن السيادة تأتى بالقوة، وقتل الإنسان، وإغراق العالم في حرب دامية، لا تترك طفلا، ولا امرأة، ولا شيخا. ونحن لسنا إلا أطفالا تحترم، ونساء تقدس، وشيوخا تعظم. وما دام التعظيم لم ننله بهذا الحد الإنساني للأخلاق الفضيلة، فإن التسييد بغير حق على الطبيعة، سيؤدي بنا مؤداه إلى إجابة الملائكة عن استشارة الأزل. وهم في ذلك خبراء في درك الحقائق، إذ قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. فهؤلاء الملائكة علمهم بالأشياء، كان واقعيا، ومنطقيا، لأنهم علموا سلفا أن غايات الاجتماع لا تكون حدثا متحركا إلا بالصراع، والنزاع، وأن ما يفتح باب الكمال، هو التسبيح، والتقديس، لأنهما محضان وصرفان لمن يدبرنا بلا طلب، ويسوسنا بلا أرب. ولذا، لا يستغرب في علمهم أن يكونوا أول القائلين بما تؤكده دراسات علم النفس، وعلم الاجتماع.
ومن هنا تكتسي إشارة القرآن إلى المفاهيم معنى عميقا، وغورا بعيدا. إذ لم أكد أجد في عقلي سؤالا منذ أن ولجت عالم المفاصلة، وبدأ النقاش حادا، والصراخ عاليا، إلا وعثرت في القرآن على مفهوم يمنحه التفسير، وأحيانا يهبه التبيين لظهوره بالمظهر الأكمل في معناه، أو في مفهومه. وهنا أخطأ من نظر إلى القرآن بنظرة اللغة المحدودة أدوات دلالتها بما صرف الناس في تبيينه كل ما مر من غابر العمر الزاهر، لأن لغته ليست محصورة بالزمان، ولا بالمكان، بل هي صوت الأزل الذي يفهم في كل عصر بما يقتضيه التكليف الكوني، الكلي. وهب أن القرآن لم يأت إلا بالكليات كما عند الأصوليين، وبالمفاهيم كما عند الأخلاقيين، فإن ما نناله من أفياء لفظ فيه، قد يكون إجابة عن غوامض عظيمة في الأسئلة، إذا عرفنا كيف تترتت المعاني، وكيف تنتج المفاهيم، وكيف تبني المعرفة، وأدركنا لكل معنى مرتبته، وحاله، ومقامه، وانتقلنا صعودا في تركيب هرمه، ووصلنا إلى نهاية المراتب تسليما منا بالعجز عن الإدراك. فكان العجز دليلا على حرية البحث، وعنوانا على خفاء الحقيقة التي لا تعرف إلا بالقائم بها أزلا، وأبدا.
فالألفاظ رغم كونها لقى كما عند البلغاء، فهي البذار الذي به تبنى المعاني، بل هي المعنى. ولا مفهوم لنا بدون التئام المعاني، لأنه هو الذي يجمع أجزاءها في كلية من الكليات. وهنا وثب العقل الديني إلى علم المقاصد، لأنه انتقال من ظاهرة المعنى إلى ظاهرة المفهوم. وذلك ما جعل الاهتمام به جديرا بالاستحسان، لاسيما في لحظة كان يؤسس لقيمه بين الفنون المعرفية. ولكن حين رفع البناء عاليا، بدا لنا تفسيرا يضيف إلينا بعض الحِكم التي تأتي للعبر، والاتعاظ، لا للدلالة على حواضن الأثر الذي تتحدد به الإرادة المسؤولية عن الإجادة في الأفعال الهادفة، والأعمال الصالحة. وهنا يكون علم المقاصد إما تنبيها على أثر غياب تخليق مفاهيم الفقه في الدورة البشرية، لأنه هو الجزء الأكبر الذي اهتم به، على اعتباره مركز التشريع في العقل الديني، وإما تحريرا من ظاهرة المعنى إلى دائرة المفهوم، ولكن في حدود الاحتماء بظاهر النص، والالتزام بقوالب التدين كما تواطأ الناس عليها، وجعلوها أساس الانتماء، والانتساب.
وهنا يمكن لي أن أقف وقفة أخرى عند مفهوم السريرة، وأربطها بمفهوم السيرة، لكي أخلص إلى أنهما متفجران من نبع واحد، إلا أن المعنى المحدود للأول، هو سيرها في الباطن، بينما نراها في المعنى الثاني لسير الظاهر. وهما، ولو اختلف الجذر اللغوي، يؤديان دورا بالتقابل. فذا لن يكون إلا بذا، ولا ذاك إلا بذا، لأنه لا وجود لسيرة بدون كمائن السرائر. وما أفصح لفظ القرآن هنا، لأنها أوردها على اعتبار كونها هي السر الذي نحمله، ونحن لا نملك له مفتاحا للظهور، وسواء ما ظهر لنا وجوده، أو ما لم يظهر، وسواء ما كنا فيه بإرادة، أو ما كنا في باحتياج. فهي في محمولها أسرار تنضاف إلى الخفاء الذي لن يبدو لنا واضحا إلا بين يدي الله عز وجل.