تنبيهات وتعليقات -1-

إبراهيم الوراق
2016 / 11 / 15

تنبيهات وتعليقات على مقال: مع أبي حيان التوحيدي في محنته -1-
هذه التنبيهات والتعليقات، ستكون مصاحبة للمقال إلى حين نهايته.
الإشكالات المعرفية والمنهجية للقضية

1- كيف تتغير الأحكام على الشيء الواحد، وهو متعدد من حيث الدلالة عليه، ومتحد من حيث المعنى الدال على مصاديقه. فيكون جميلا في حكم، وقبيحا في حكم آخر.؟ هل اللفظ هو الذي يحدد المعنى.؟ وهل المعنى هو الذي يبني المفهوم.؟ أم اللغة بكل مكوناتها خاضعة لأنماط الذات، وهي خاضعة لسياق الواقع.؟ أم هناك شيء لا تحدده اللغة، ولا الواقع، وإنما يلبس ما يموج في طور الإنسان النفسي والاجتماعي من علاقات، وروابط.؟

الحقول الدلالية

- المشاعر: هي الحواس الباطنية، وهي عملية إدراك في العمق، ولا يربطها بالخارج إلا ما يثيرها، ويستفزها، فتصير حركة غير كاملة لبناء المعرفة، لاحتياجها إلى غيرها من العمليات الإدراكية التي تتكون بها المفاهيم بالمعاني. ولكن وعلى رغم بنائها من الشعور، لا من مفردها الذي هو مشعر، فهي تدل على الوجدان أصالة، لا على عمل العقل المادي كما يرى علماء النفس، على اعتبار دراستهم القائمة على المحسوس، قد راعت الجانب المادي في الإنسان، لا ذلك المعنى الإلهي المكنون في الروح الخالدة. وهل هي وقتية، تحث على الاختيار، وتدفع الإرادة في أقوى مركبات بنائها إلى الفعل.؟ أم هي شيء له حكم، وأثر، ولا زوال لها في المستقبل، ولو مع تغير الظروف المحتوية لها.؟ وهل هي الوعي بالحقيقة.؟ أم هي بداية الإحساس بالأشياء، ولا وجود لها إلا عند تمامها في المركب الذي يتضمن كل الآليات (الدماغ، الذاكرة، اللغة، التفكير، وكل الأنشطة الباطنية) التي يتحقق بها الإدراك للغاية في الفعل التكليفي.؟ وهل هي كافية في التعبير عن مرادها، مع كونها لا توجد لها أدوار فيما يقع عليه النظر في الوجود.؟ أم لا بد من إبرازها إلى الخارج، لكي تكون متجسدة في العمل الصالح، والذب عن الإنسان، والطبيعة، والكون.؟ وهل هي فطرية، لا تحتاج إلى أثر خارجي، فتستثار بقوة النظر الحاد، ثم تتحرك في طريق الإنتاج، والإبداع.؟ أم هي مكتسبة، ثم تهذبت بالتربية، والتمرين على الذوق الجميل.؟ أشياء كثيرة يمكن طرح أسئلتها، وإشكالاتها، لكن الذي أراه في اعتباري مميزا لحقيقتها، هو اعتباراتنا الخاصة، فمن جعلها مستقلة، فقد رآها وصفا، ومن جعلها متحركة، فقد لمسها نسقا. ومن ثم، تكون المشاعر عندي نسقا باطنيا، ووصفا خارجيا، على عكس بعض الدراسات التي تعكس القضية، ولكل مورده. ومشربي، هو اعتبار الأشياء روحية، لا مادية. وما هو مادي فيها، فإنما جيء به لظهورها في عالم الحدوث الذي يتحقق لنا به العلم الحضوري والحصولي بالوجود، والشهود. إذ لولا ذلك، لكانت هي، ولم نكن نحن. ولذا، يمكن التفريق بينها وبين الإحساس، لكونه ينفعل بالعامل الخارجي المادي، ويتأثر بما يدركه ويعلمه عن طريق تفاعل الحواس مع الأشياء المدركة. وهو الذي يرسل الإشارة المعنوية إليها، لكي تختلط به في أولى مراحلها. فهل هي أسبق، أم هو.؟ رأيان مختلفان، لكن الذي يبدو لي من خلال تحديد مراتب اللغة الفيزيقية، أن الإحساس موقظ لما خمد فيها، وهو المثير، والمستفز لها، لكونها معنى لا يرد إلا في محضنه. وهكذا كل الحركات الباطنية التي لا وجود لها إلا فيما تحوزه من قالب الكل. وهو الإدراك القوي للشيء إثباتا، ونفيا، ووجودا، وعدما.

- المعاني، هو ما وضع له اللفظ أصالة بالوضع، وما ارتبط به في السياق تبعا للعقل. (ليشمل التطابق، والتضمن، والالتزام.) وعلى هذا يكون اللفظ مجرد تعبير خارجي عنها، لأنه مرتبط بالصوت المتكون من الداخل، والبارز بحروفه المنطوقة. ولذا يكون الأولى بنا أن تسمى الأشياء بالأسماء كما علمها الله لآدم، لا بالألفاظ، إذ هي مرتبطة باللغة التي لها دلالة في حقل تداولي معين، لكن الاسم هو الذي يحتوي جوهر المسمى كاملا، وينطوي على هيئاته المختلفة، لا اللفظ، ولا المعنى، لأنه كل واحد منهما يدل عليه بالطرق المعروفة. (الترادف، التباين، الاشتراك، التضاد...). ومن هنا يكون المعنى، ليس هو المفهوم، لأنه المعنى الأخير المستجمَع في صورة الفكر، والرأي، والموقف. إذ المفاهيم، هي التي تحدد صدق أقوالنا، وصحة أفعالنا. وهي في العقل الديني الأصولي إما منطوقة، وإما مفهومة. ومفهوميتها تعني ارتباطها بالسياق المدرك بالعقل، بينما منطوقها يدل على تسلط المعنى على أسمائه، وألفاظه. ولذا تكون أزمتنا نابعة من الخلل في المفاهيم، وناشئة عن الخطل في التحديد، والتعريف، لكونها مرتبطة بالمعنى، والدلالة، والإحالة، وغيرها، لا في ذبول المعاني، وفراغها، وضياعها، إذ ذلك ناشئ من كساد دلالتها على حقائقها في الطبيعة، وبوار تحديدها في المصطلحات، وترتيبها في المفاهيم. ولا غرابة إذا انتحى الوجوديون معنى المعنى، وسار الحكماء في درب المفهوم. فكان الأول خيالا، والثاني تأملا. وربما قد يجرنا هذا إلى التفريق بين المفهوم، والمصطلح، وإن كان ذلك غير مرئي لي في سياق ما أكتب، إلا أنني أرى المصطلح يستعمل بدلالتين: الأولى أنه اللفظ، وهنا يتم التركيز عليه، لئلا يخرج عن حدوده في التعريف. والثانية أنه المعنى، وهنا يكون قريبا من المفهوم، إلا أنه يفرق بينهما في كون الأول لا تتأتى منه المعرفة إلا في حدود دائرة متواطئة على لغة تدلل بها على معانيها. والثاني، يتعدى الحدود، ويقطع الحواجز، ويعبر عنه بكل لغات العالم. وذلك مثل قولنا: الصدق فضيلة، فهو مفهوم يشمل كل الحيثيات التي تكون نتيجها فعلا وسلوكا حضاريا، يعيش به الإنسان في محبة، وإخاء. وذلك مطمح نظر سكان هذا الكوكب العظيم. وسواء عبر عنه بهذه اللغة، أو بتلك، فالمفهوم واحد، ولو تعدد اللسان المعبر عنه بلغة من اللغات.

التسلسل المنطقي

إذا كان فعلنا هو الذي يحددنا، ويوجهنا، وهو الذي يعرف بنا، وهو الذي يمنحنا هوية، وهو الذي يجعلنا إما مسيرين، وإما مخيرين، فلم تكون أحكامنا مختلفة في الأعيان الموحدة، مع كونها لا تكون إلا فعلا واحدا، لا متعددا إلا في الظهور، لكونها مرتبطة بمفهوم لا يتغير.؟ يقتضي هذا أن نسبر طرق بناء الحكم على الأشياء متفرقة، أو مجتمعة، ونقيم الحجج على وجود مراتب في الإدراك، لا بد أن تكون كاملة، لكي تنتج المعرفة الحقة. وما دام الإنسان كائنا سببيا، وغائيا، فإن ذلك يحتاج إلى إدراك ما ينفعل في داخله من عوامل، وفواعل، قبل أن يكون شيئا ظاهرا في سيرته، ونحوما عليه بالقبول، أو الرفض. وهنا نعود إلى اللغة، وإشكالاتها، لكي نصل إلى طريقة بناء المفهوم في لساننا الذي نتميز به عن غيرنا. وحينئذ سنطرق باب العقول الوالهة، والذاهلة، لعلها تعيد النظر في طرق بنائها للحقائق التي تتغيى إوجودها في حياتها، وتترجى أن تنال به حصة الحياة بسلم، وسلام، وأمن، وأمان.

النتائج

- الإنسان بدون قلق، لن يطرح السؤال.

- الإنسان لا يمكن له أن يعيش بنمط معين، ما لم يدرك أثر السياق عليه. سواء في الحدود المقيدة للفعل، أو الرسوم التي تتحقق بها الحرية في التكليف، والالتزام.

- الإنسان في الغالب مسير في أفعاله، لا مخير فيها.

- الإنسان، لا وجود له إلا بذاته. وكل وجود خارجي، ما هو إلا أثر لذلك المكنون في عمقنا، لأن سياق الوجود يقتضي أن نوجد حيث يرد الأثر الذي يميزنا عن غيرنا من الكائنات الأخرى، بل نتمايز به في جنسنا. وذلك ما يجعل وجودنا الذاتي أولا، وبه نستحق الحياة، ثم نوجد ثانيا في السياقات المحددة لنا ترتيبا، وتوجيها، وعطاء، ونماء. لأن ارتباط الحياة بالوجود في الطبيعة، يستلزم أن لا نتبعد عن سياق الفعل الذي به يحصل الاستمرار، والاستقرار.

- الإنسان مصنوع فيما لا طاقة له عليه، وصانع في حدود طاقته التي تبرز أثر فعله في الوجود، لكي يكون عضوا في العائلة البشرية.

- ولا يمكن إصلاحه إلا إذا رتب بيته الداخلي، وطهره من الأوهام، والأحلام، واستقبل ما تبقى من عمره بما تعرف عليه من حقائق ذاته التي بها مكسبُ الوجود موجود.