مع أبي حيان التوحيدي في محنته -1-

إبراهيم الوراق
2016 / 11 / 15

مهمات الإنسان في هذه الحياة المتنوعة الموارد صعبة، ومقامات صياغة نتائجها بما تقتضيه دورة الإدراك القوي للأشياء شرسة. وسواء فيها ما تعلق بنفسك، أو ما تعلق بغيرك، لأنك بمقدار ما ترى الشيء حقيرا في عينيك، فإنك قد تجده في لحظات أخرى أعظم شيء يسبب لك لحظة الشعور بالوجود الحق. إذ بدون بهجتها، وسعادتها، لن تشعر بقوته، ولن تبالي بما يبذله الناس من أجله. وما دام هذا الشيء الذي يعترينا في أوضاعنا الخاصة، والعامة، يحتمل النقيضين على هذا الاعتبار، فإن ذلك مما يتعبنا، ويحرجنا، ويربك مسيرتنا في تحديد كثير من مناطات حياتنا، وواقعنا، وتدبير كثير من مواردنا، ومسالكنا، لأننا لا نملك قدرة على استكشاف المجهول الذي يستره عنا حجاب لا نطيق تمزيقه، ولا تعريته. فلو استكشفناه بدقة المعرفة بحقيقته، لأدركنا أن كثيرا من مشاعرنا المكبوتة فينا، ليست إلا انطباعا لما يقع في حياتنا، ويطرأ أثره على ذواتنا. ومن هنا، تكون لغة المشاعر ساذجة، وبسيطة، لأنها منفعلة، لا فاعلة. إذ فعلها الذي تقوم به في صياغة المركب البشري، هو ما تؤثر به على إدراكنا لمفاهيم الأشياء، وما نحكم به بعد عملية الانتقاء على الحقائق بالقبول، أو الرفض. وهذا التصور الذي ينبني على علاقة الجدل القائم بين المعاني المختلفة، هو الذي يركب مفاهيمنا القابلة للإنجاز، والفعل، والحقيقة الواقعية، ويمنحنا إرادة التفاعل مع الخارج المنفصل عنا في ذواتنا، وعن محاضن المعرفة في بواطننا. وذلك لا يتم إلا في حدود هذه الانطباعات التي تنعكس على مرآة عقولنا المنفتحة على العطاء، فتستوحي منه ما صار رغبة للذات في الوجود المتجلي بالظهور الباهر بالإدراكات المختلفة. لأننا ومهما حاولنا أن نسوغ تفوقنا، وتميزنا، فنحن نتيجة لفعل مكرر، ومستعجل، تنتجه المعاني في قوالب حقيقتها العيانية، ثم يتحول إلى مفهوم تحصل لنا به حقيقة التكليف، والمسؤولية. فالأشياء ننظرها متحركة، لا جامدة، ولو كانت صماء، وهي لا محالة تؤثر فينا، وتفعل فينا بحكمها القاهر لنا، لأننا جزء من هذه الحركة التي بها سير الحياة على مسار الطبيعة، ثم تنتقل بأشكالها وألوانها إلى مشاعرنا عن طريق حواسنا المدركة، ثم نعيدها آليا إلى البارز في صورة أفعالنا المحددة لنا بين ناموس الذات، وقانون المجتمع.
وهنا، نستبين أن الشيء الذي نحكم عليه في لحظة بحكم، ليس هو إلا ذلك الشعور الذي نحس به في ظرف معين قابل للتغير، والتبدل. وهكذا في الحكم الآخر الذي لا يتولد إلا من محضنه. فكلاهما يعضده ما كان سببا في راسبه، وطافيه. لأن الأحكام لا تنزل على الواقع، ولا تتناول الوقائع، إلا إذا مطلوبة الوجود في أعيانها الخارجية، ومرغوبة في آثارها البارزة. وإذا كانت مطلوبيتها تقتضي أن تكون موجودة قبل علم الإنسان بها، لكونها قد وجدت في الترتيب قبله، فإنها تستوعب مساحتها لئلا يحكم عليها غيرها، بل تحكم هي بالأصالة، ثم تسبل إزار سترها على الإنسان الموجه لحقيقته بين الحقائق الكلية الكبرى.
ومن هنا، تقتضي القضية أن نعيد نظر صياغتها بطريقة أخرى، فنقول: إن الإنسان في هذه الحياة التي يعيش شقاءها، وعناءها، هو أقرب في قاصد عقلي إلى كونه مسيرا من كون وجوده مخيرا، لأنه بمقدار ما يرى قدرته، يحس بعجزه. وهو بهذا الاعتبار، ليس صانعا، وإنما هو مصنوع لغيره، ولا فاعلا، وإنما هو منفعل لسواه. إذ السؤال الذي يجب أن يطرح: هل للإنسان قدرة على أن يصنع ما هو مصنوع له.؟ وهل وجوده يفتقر إلى كونه صانعا، وهو موقن بأنه مصنوع.؟ هذا الشيء محير للإنسان الذي لا يميز بين ما يستظهره من معان له عليها نفاذ، وامتلاك، وبين ما يُظهره كائنا موجودا بلا أثر لكليته على ذاته. إذ لا نستظهر إلا ما يُظهرنا قوة فاعلة، ومنفعلة، تكون الحركة سمتها، والآثار شيتها. فالقضية فيها قلب لا بد من التنبيه عليه، إذ بمقدار ما يشعر الإنسان بقوته على امتلاك بعض العلم بالطبيعة الفوارة بالمعاني، فإنه يشعر بضعفه في أشياء أقل منها شأنا، ووقعا، ولكنها تتركب معه مفاهيمها في أسباب بقائه، أو فنائه. وربما قد تكون حكيما، أو أديبا، أو عالما، أو غير ذلك، ولكنك في تركيب حقيقتك المتصارعة على نصيب الحياة الآمنة، لا تستغني عن كل ما يصلك من غيرك، وفيه وجوده المنتسب إليه، وضميره الذي يحكم إرادته، ورسالته التي يحملها في حياته، وأنت أيضا لن يتحقق وجودك المركب معه إلا بدور الاختفاظ عليه، ولو قبض عقل رأسه زمرة من الأوغاد، والأوباش، والأخلاط، والسوقة، وغيرهم ممن لهم أثاف متقدة بالحبور، والسرور.
وهكذا، فالتفاعل الذي يحدث بين المكون الذاتي، والمناظر له العرضي، يصرف عنا قدرتنا على مطلق الصناعة، لأن غايتها هو السعادة، وهي غير موجودة إلا في عمق من يبني خيامها في ذاته، ويغني على ربوة أحلامها بنايه، إذ مقتضاها في تعدد رغبات الأفراد، يستوجب أن تتجاذبها الأطراف بعنف، وعنفوان. وكل واحد يتملكه خوف الفوات من يده إلى غيره. وإذا كانت الغاية محل نزاع عند الحكماء، فإننا لن نخلق ما نريد إلا في مقتضى الذات، لا فيما هو مزدحم الأماني، ومحتشد الصواري. ومن ثم، يكون ما يصنعه الإنسان دالا على ضعفه، لا على قوته، لأنه تفوق على الأشياء بقدرته على اكتشاف ضرورته في وجودها، لا في كونه قد أخرجها من عدمها، لكي تكون به موجودة الروح. وهنا نكون أمام الصناعة التي نتحدث عنها، على اعتبارها فعلا نستظهره، ولكننا لا نملك إجراءه على ما نريد، بل يفرض علينا سياق تفاعله أثرا لا بد أن نلتزم به. لأن الأشياء التي نريد أن تكون لها معنى حقيقية، هي تلك التي نجعلها ذاتية، لا عرضية. وعلى هذا الاعتبار، فقدنا الاختيار في كثير من مناحي ارتباطنا بالآخر، وصرنا ندبر رحى الصراع بما يقتضيه قانون المصلحة المشتركة.
والأغرب أن ذلك قد تجاوز الملموس إلى المحسوس، فصار الدين محلا للنزاع الذي يظهر احتياجنا إلى جعله خاضعا لسياق المجتمع، ولو قلنا بأنه المتعالي الإلهي، ونحن أهل تسليم، وتفويض، وذوو إيمان، ويقين. لكن الدين، ولو أيقنا بنقاء أصله، فهو قد تحول بتركيبه في المنظومة التي تحدد نهاية رغبتنا في الحياة المادية إلى فعل يدور مع هذا القوانين التى تضمن الإنسان بقاءه، ووجوده. وهي في غايتها ليست إلا الحدود والقوالب التي وضعت تآلفا لحماية الحظ الأوفر من رغبات الإنسان القوية، ونزوعه نحو سد ثغرات وثقوب ذاته، لئلا ينتزع منه خيط الشعور بالوجود. فالقانون إذن، لم ينشأ من حضن البحث عن النظام، وإنما نتج عن ذلك الانتظام الذي ظهرت قوة ترتيبه في بناء الأكنان المستولية على أصول الإنسان، وفروعه، بدءا من أسرته، وانتهاء بأمته. وهذه السياقات التي أدى إليها التطور البشري، وما زالت بعض العقول في عالمنا تدعو إلى رفضها بالإرهاب، أو بالجريمة، لم توجد أصالة في الإنسان الذي لم يتعرف إلا على فطرة الأشياء المتحاورة معه في واقعه، لا في وجودها مع الصورة المتحركة في الحياة التي هي مهد الإنسان الموجود. ولكن حين لمسها بالمصادفة، أو بالمحادثة، وأنتج منها سبب البقاء، لم يغب عن باله أن بقاءه لا يتم إلا في نسله. فتناسل الناس، وتكاثروا. واقتضى المقام أن تتحدد الرغبات في الكثرة بقانون يحميها، لئلا يضر بعضها ببعض، فيفسد الكون، وتتيه بذلك الإرادات في الخراب، والدمار.
وهنا يكون حب الامتلاك، وحب البقاء، وحب الكمال، وغيرها من مكونات الإدراك الأمثل، هو السبب وراء خضوع الإنسان للقانون الذي يراه الأوفر حظا في امتلاكه للحقيقة التي تجسده فعلا، وسلوكا. وهو في حد ذاته قوة صانعة، لأن القوانين إذا كانت دالة على الحقيقة، وأنتجها العقل حين يقر بطوريه الروحي، والمادي، ورعاها بما كان سببا في ظهورها، وشهودها، وأدمجها بمانشأ عنها من تغيرات تقتضيها المصلحة العليا للوجود الإنساني، فهي تحمل معنى القوة البشرية، لأنها روح هذا الإنسان الصريح مع ذاته، وغاية وجوده، ومنتهى أمله. وهو حين نفخ أنفاسها في الأشياء، لم يكن قصده إلا أن تحمي لكلِّ حقه في الوجود. وهنا لا نفرق تلك التفرقة التي مزقت أحشاء الإنسان، وصيرته رافضا للنظام، راغبا في الفوضى، لأن التفريق بين القانون الإلهي الخالد، والقانون الذي يستلهم حدوده من كون السماء، وعالم الأرض، ومن تجربته وخبرته في مقاومة رغباته، وتهذيبها، وترقيتها، هو تفريق بين الشيء، وظله، لأن المراد هو حماية الإنسان من شروره، وبوائقه، إذ لا ترد علينا إلا لتفريط، أو انحراف، أو خيانة. وذلك مما يكون الدين محددا لمفاهيمه، ومعربا عن مقاصده، لأن غايته هو تصويب السلوك، وتخليق الحياة. وهكذا القانون، فهو الإنتاج الذي يدل على طريقة درك الناس لمطلوب السماء في الأرض. وكلاهما في الحقيقة واحد، لأن الدين أصل إلهي، وكل ما هو إلهي لا يمكن استيعابه إلا في حدود الإدراك البشري، وما أدركه، وصار به عليما، فهو القانون، وربما نعبر عنه بالتدين. وما التدين إلا محاولة الخضوع للإلزام الباطني، والالتزام الظاهري. وإذا كان الدين قانونا، فإننا نستشعر فيه قوة أثره على الفعل البشري، إما قبولا، وإما رفضا، وهكذا القانون حين تبدعه العقول العظيمة، فهو خلاصة ما وصل إليه الإنسان في تحسين سيرته فوق الأرض. وهنا لا أرى فرقا بين المعنين، إلا أن الأول يحمل المفاهيم، والثاني يحمل المعاني. وما دامت المعاني لا تنتهي، وهكذا الأحداث، والوقائع، فإنها تحتاج دائما إلى زيادة، أو نقصان. ولذا نحتاج إلى هذه العقول دائما، لأنها لا تعطل قانونا إلا لبناء ما هو أعلى منه.
ومن ثم نخلص إلى نتيجة أولى، تذكرني بأن كثيرا من المبدعين الذين يصنعون من عجين الحرف أو الرقم أسواطا يقودون بها العقول إلى مجهول غامض، لم يكن هذا الأثر مصير أمرهم، وشأنهم، إلا لكونهم قد طاش بهم الحلم في الوهم، فخالوا كغيرهم من صناع الدمار الإبداع يندفع إلى الاستحواذ، لا الاستبصار. كلا، لو كانت رغبة الإبداع هي إذلالنا، وإخضاعنا، لما تبسمت الوردة، ولما غرد بلبل، ولما هطل مطر، ولما كانت غضارة معاني الأرض مرفأ للأمل الجميل، ولما صدح الناي بلحن العشق بين الأكوان. لأن الأشياء التي تَحكم بلسان القوة العنيدة، لا تأتي منها إلا الشراسة في الطبع، والخشونة في الرأي، والرقاعة في الفعل. إذ اعتلاء نسبة القوة في الذات البشرية، هو طرد للضعف فيها. وإذا اعتلى أحدهما على الآخر في النسبة، كان طلبا للامتلاك الفاحش للأشياء. ومن هنا، فإن الإبداع الحقيقي، هو ذاك الذي يعيد الأشياء إلى حقيقتها، ويبني أمل الإنسان على ما تقتضيه الحقيقة، ويؤسس لمجتمع يحارب المغالطة، والدجل، والخرافة.
ربما قد يكون هذا مثيرا للغرابة، لاسيما والقاعدة المذهبية في علم الكلام تستلزم أن يوصف القائل بذلك جبريا، لأنه أراد أن يجعل فعل الظلم قدرا نازلا على الإنسان، لا يحق له أن يحاربه، ولا أن يزايله. والنتيجة على هذا الفهم، أننا نحن كما نحن، لا كما نريده. لكن هل يصح هذا التقدير في جعل الحكم فاسدا في القضية.؟ أم هناك محددات أخرى لأثر الفعل في الدائرة الكلية (الذات، المجتمع، الدولة، الأمة، الحياة، الطبيعة، الكون، الوجود، الله عز وجل.).؟ أم هناك أشياء لا بد من التمييز فيها بين الجبر، والكسب، لكي نعرف ما هو مستقل فيها، وما هو متفاعل منها.؟ هنا نشأ الصراع بين التيارين المتماوجين في بحار الدين، والسياسة. فقائل يقول بالاختيار، وبه يتم التكليف. وقائل يقول بأن متعلقات الإرادة، لا تقتضي إلا الجبر في الخارج. وسواء غصنا في القضية كإشكال معرفي، أو كمنحى سياسي أثر في الفعل البشري، أو قلنا بغير ذلك من الأسباب التي تحيل على الالتباس، والغموض، فالقضية ليس هذا هو محورها، ومركزها، ولا هذا هو محل النقاش، والنزاع. بل الاختلاف قد حدث في التمييز بين مقتضى الاختيار، ولازم الإرادة. ففي الاختيار لا مجال للجبر، لكونه غير محدد الأثر في الخارج، إلا بعد خروجه من كمونه، وتحوله عبر قنوات عديدة إلى فعل يستوجب المدح، أو الذم. وفي الإرادة نقول بالجبر، لكونها متعلقة بالأمر الخارجي الذي ينصاع إلى إرادة أخرى، وينطاع إلى قانون أسمى.
وحقا، إن تسويغ الظلم بمقتضى الجبر، قد يقول به من قال بالاختيار، وهو لا يريد متعلقه الذي كانت للإرادة عليه حكم بعد تأثرها بمتباينات محيطها الاجتماعي. وربما قد يقول به من أثبت الاختيار مبدأ، والإرادة نهاية، وهي ما تقتضيه صورة الفعل بنهاية آكد العزم على إحداثه، وقصد أثره. وهما مختلفان، لأن الأول لم يجعل للاختيار معنى إلا في الذات، والثاني جعل الإرادة تابعة للاختيار في مورد الفعل. وهنا ، لا يمكن لنا أن نستسيغ القول بالجبر العقدي المدروس في علم الكلام، إلا في شلل الإرادة عن الفعل المثمر للخير، والبركة. وهنا، نقول: الإنسان مجبر على أن يكون سويا، أو منحرفا. وذلك مأتاه بعيد، والغوص فيه ليس هذا محله. وأقرب ما يتصور به الجبر الفلسفي، هو عدم استقلال الإنسان بذاته، إذا كان معنى في بنية المجتمع. بينما الجبر الكلامي، هو انعدام الأثر في صوارف الأحداث المتحكمة في الإنسان. فسواء قلنا بذا، أو بذاك، فالنتيجة واحدة. فصاحب الاختيار، لن يصل إلا إلى ما أقره غيره، ولو مر من كل الدروب التي تجلعه بعد الوصول مكلفا بالفعل أمرا، أو نهيا. وهكذا صاحب الإرادة، وهكذا من قال بالجبر، أو الكسب. وكلاهما لم يخطئا إلا في اللفظ، إذ لولا اللفظ لقلنا بأن متعلقهما في الإنسان، هو فعله، وهو المنظور في كلا النظرين.
يتبع