مداخل إلى ديوان -نهر الهوى- جاسر البزور

رائد الحواري
2016 / 11 / 15

ديوان "نهر الهوى"
جاسر البزور

بعث الشاعر جاسر البزور ديوان "نهر الهوى" على النت، فاخترت منه بعض القصائد لما فيها من جمالية وتألق، فالديوان يحمل بين ثناياه العديد من اشكال القصائد، ويتناول مجموعة مواضيع، ولا يقتصر على فكرة واحدة، وهذا التنوع يخدم الديوان حيث يجعل المتلقي يتعرف على طريقة كتابة الشاعر، وعلى اللغة التي يستخدمها، الديوان يقع في 92 صفحة، غالبية القصائد تتبع الشعر العمودي، وكأن الشاعر أراد بهذا الشكل أن يؤكد تمسكه بمنهج الشعر القديم، من هنا وجدنا موضوع القصائد يتحدث عن الغزل، والوطن، والمديح والذم، وما هو شخصي، وبهذا يكون الشاعر قد قدمنا من أشكال ومضامين الشعر العربي القديم.


النص مطلق البياض
نوضح المقصود بهذا المصطلح والذي يعني تماثل الفكرة وانسجامها مع الالفاظ المستخدمة في النص الأدبي، فلكي يكون النص مطلق البياض يجب أن تتماثل الالفاظ المستخدمة مع الفكرة المطروحة، بحيث لا نجد ألفاظ شاذة تتعارض وفكرة/مضمون النص، فنجد هذا الأمر في قصائد "شامية، إلى بناتي، بيت القصيد"

شامية


قدٌّ بِعينيَّ أَلْقى السَّهْمَ وانْصَرَفا "
فَدقَّ قلبي طُبول العشق واعْتَرفا

وَرُحْتُ أَسْكُبُ في الأوراق صُورتها
فما وجدت إلى تَوْصِيفها طَرفا

لا شيء يُشْبهها في الكون أعرفه
سِحْرية عينها شامية وكفى"

ما يحسب لهذه القصيدة انها تلامس النص مطلق البياض، الذي يتماثل فيه المضمون مع الفكرة، فنجد غالبية الألفاظ تناسب الموضوع إذا ما استثنينا لفظ "فدق" الذي يمثل فعل يحمل شيء من القسوة، تكون جميع الالفاظ منسجمة مع فكرة وصف الحبيبة، فالنص الشعري هنا يكون كاملا، منسجما، لا يوجد فيه تعارض بين اللفظ والمضمون. ولتوضيح هذا الأمر نأخذ قصيدة "إلى بناتي" التي يقول فيها:

إلی بناتي ...

"بَديع الزهرِ تَجمعهُ السِلالُ
وَنبض القلبِ يَأمرهُ الجَمالُ

بخمسٍ قد رزقت ُ بفَضل ربِّي
لَهنَّ الوَصف زَيَّنهُ الكَمالُ

إذا امتزجَ الصباحُ بوجهِ لارا
تری الإشراقَ ينشرهُ الدلالُ

تُسافرُ في طُفولتِها الأغاني
وَترقصُ عند مَبسمها التِلالُ

ومِن أخواتها سُبحان ربِّي
لُجينٌ يَكتفي فيها المَقالُ

بعينَيها استحالاتٌ تحدَّتْ
بَريقًا خَلفهُ سَبح الخَيالُ

لَيانٌ دُرَّةٌ سَكنتْ بقَلبي
لَتخجَل من نعومتها الرِمالُ

تُرافقها البَراءةُ إنْ تَمنَّتْ
عَليَّ فيستحي منها السؤالُ

ولانا تَملأُ الدُنيا حَنانًا
تُقبِّلني فتَهتزُّ الجبالُ

لَعمري عند دَمعتها أُعاني
فَكيف الدمعُ يَذرفهُ الغزالُ

لَمارٌ قِصَّةٌ بَدأتْ لروحي
وحينَ قُدومها وقفَ الجِدالُ

فسبحانَ الذي أعطی وأوفی
لها حُسنًا يُسجلهُ المِثالُ

رَجوتكَ يا إلهي مِنكَ سِترًا
بغير اللّه لم تَدمِ الظِلالُ"

إذا استثنينا لفظ "فيستحي، دمعتها، أعاني، الدمع، يذرفه" نكون أمام قصيدة كاملة، مطلقة البياض، فمثل هذا الشكل من القصائد عندما يكون حاليا من الألفاظ المتناقضة مع الفكرة/المضمون يكون الكاتب قد توحد مع نصه، في الوعي وفي ألا وعي، وكأنه وما يكتبه قد تماهيا معا، وتوحدا بحيث لا يمكن فصل ما يكتبه عما/يفكر فيه، عما في داخله، وهذا الشكل من النصوص يمثل الذروة عند الكاتب، لأنه يتخلص من كل ما يشوش عليه حالة النشوة البيضاء التي يعيشها.
تناول ايجابي للأب/العم
هناك ظاهرة شبه عامة لفكرة الأب في الأدب العربي، حيث يتم تناوله بصورة سلبية التي تعم غالبية النصوص، إن كانت رواية أو قصة أو نثر، أو قصيدة، "الشاعر في هذا القصيدة يتناول العم بصورة ايجابية، وكأنه يريد بهذا الطرح يوكد حالة التوحد بين شكل القصائد ومضمونها، يريد أن يقدمنا من الأفكار التي تحترم الآباء، ويريد أن يبعدنا عن حالة الشدة التي تلازم واقعنا الحالي، ولهذا تحدث بكل ايجابية عن عمه "سليمان" فيقول عنه:

عمي سليمان ..
"عمّي سليمان الذي أشتاقهُ
بعدَ الرحيلْ ...
أشتاقُ فيهِ
ملامحَ التّاريخِ كانتْ تنطوي
في الحاجِبَينْ
والصّمتُ في عيْنَيْه يرسلُ نظرةً
أشتاقُها ...
يعني كثيراً عمقُها
تبدو الرّجولةُ فوقَها.

كانتْ بها أمجادُ أهلي كلُّهم
للهِ عمّي كنتَ فينا
ذلكَ الرجلُّ الأصيلْ
في كلِّ يومٍ
عنْكَ تسألُ غرسةً
في الطّفِ تروي قصةً
للتّينِ والزّيتونِ والرّمانِ
للبئرِ الحزينْ
عمّي وتروي البُندقيّةُ ...
كيفَ ردَّ الخائنينْ
شهدتْ لهُ بترابِها
أرضُ الجليلْ"
من جمالية هذه القصيدة تناولها صورة العم بلغة بسيطة، سهلة وكأن الراوي يتحدث لأبنائه عن هذا العم، ونجد أيضا حضور/وجود/فاعلية/تأثير العم رغم غيابة، من خلال استخدام احرف النداء " للهِ عمّي كنتَ فينا" فهذا المقطع يحاكي العم وكأنه حاضر، موجود بيننا.
الألفاظ التي تتناول الطبيعة دائما تكون ممتعة وتدخل إلى القلب بسهولة ويسر، فكانت الأشجار عامل يخدم فكرة العم الأبيض/الأخضر/المعطاء/الجميل، وعندما ختم القصيدة بذكر المكان/الجغرافيا التي تجذب القلوب "الجليل" فكان انتقاءه موفقا تماما، حيث تماثل اللفظ "الجليل" ومع رفعة المكان/الجغرافيا/ التي يطرب قلوب الفلسطينيين.


المرأة
المرأة دائما تكون احد العناصر التي تخفف من وطأة الواقع على الرجل/الكاتب، من هنا نجد حضورها ملازم/حاضر في غالبية النصوص الأدبية، ولهذا كان حاضرة وبقوة في هذا الديوان.
هناك العديد من قصائد تحدثت عن المرأة، فهي أحد المواضيع التي تأخذ مساحة من وجدان الراوي، ولهذا نجد حضورها يطغى على كافة ما تناوله الراوي، وكأنه بهذا الطرح يؤكد المكانة التي يجب أن تأخذها المرأة في واقعنا الصعب والقاسي، فهي المسكن والمهدئ لنا وقت الشدة، ولهذا كان حضورها يحتل المرتبة الأولى في الديوان، جاء في قصيدة "آية" :

آية


"سُبحان من جَمعَ الجمالَ بآيةْ
لِتكونَ في سِفْرِ الغَرامِ رِوايةْ

مَمْشوقةٌ تَمْشي على كَتِفِ الثَّرى
فَتَزيدُ مَنْ هَجَرَ الكتابَ غِوايةَ

يا لَيْلُ آيةَ والنَّسيمُ يَزورُهُ
شَلالُ سِحْرٍ والقوامُ نِهايةْ

مَنْ ذا الَّذي أهداكِ قَبْلي قَلبَهُ
لَوْ كُنْتُ أعْلمُ لَاْرْتَكَبْتُ جِنايةْ"
لغة سهلة ممتعة، وفكرة تجذب المتلقي للنص، وتجعله يستمتع بهذا بشكل ومضمون القصيدة، وهذا ما يحسب للقصائد التي تتناول موضوع المرأة، فهي تصاغ بلغة ناعمة، يستسهلها لمتلقي، وفي ذات الوقت تجعله يتمتع بما فيها من هدوء ونعومة، وتثير فيه حالة من الميل لتلك المرأة.


الطبيعة/المكان
من العناصر الأخرى التي يستخدمها الكاتب للتخلص من قسوة الواقع الطبيعة، الراوي اختار طبيعة خاصة به، اختار الوطن وما فيه من جمال أخاذ، وما يحمله من حنين ولهفة، خاصة إذا كان الراوي بعيد عن وطنه، ولا يستطيع العودة/التقدم منه أو إليه، فهناك العديد من الموانع التي تجعله غير قادر على التقدم من وطنه، قصيدة "قل يا بلادي" تمثل حالة التوحد بين الشكل والمضمون، حالة النص المطلق، فعندما يتحدث الراوي عن وطنه/بلاده نجده يتخلى/يتجاوز كل القسوة والسواد المحيط به، ويتحدث بلغة ناعمة، لغة طبيعية جميلة بعيدة عن العنف والشدة،


قل يا بلادي

قِفْ بالديارِ وَأمْعن التفكيرا
واذْكر شَموْعاً فاقت التَّصويرا

كانت بِعين الشمس تَرسمُ بَسمةً
لِترد مَنْ أَلِفَ الظلامَ بَصيرا

فتراه يَرحل لِلجمال مُسافرا
يَعدو فَيقطع في الغرام مَسيرا

كانت وكان الزَّيزَفون وكان
نَهرٌ في الجِوار يُصارع التَّصحيرا

والتين والزيتون والرمان
والحسون يُدْخِلُ في القلوبِ سُرورا

واللوز يَحضنُ عن تَراضٍ كَرمةً
سُبحان من مَهَدَ الرَّطيب سَريرا

والزعترُ البري يَبعثُ عِطْرهُ
آسٍ وَيحْمل طَلعُهُ إِكْسيرا

وشقائق النعمان تَفرضُ لَونها
وجَمالُها يَسْتَعرضُ التَّفسيرا



عَرِّجْ عَلى سَفْح المَطَلَةِ واهْدِها
مِني السلام وَحاوِل التَّبْريرا

قُلْ يا بِلادي لَمْ يَعُد بِي حيلةٌ
فَلِمَنْ يُحبُّك حَمَّلوا التَّكْفيرا

مَجبولة بالخبث أَفْكار العِدا
رَبطوا لِتخريب الغِراس حَميرا

يا أرضُ كوني رَملةً وَتحركي
ولتُغْرِقي جَهْلا عَليْك خَطيرا

فَلعلَّ تَنبت فَوقَ طُهركِ نَخلةٌ
والنَخلُ يَطْوي في الجَريدِ عُصورا"
إذا ما استثنينا الابيات الأربعة الأخيرة نكون أمام نص مطلق البياض، مطلق الطبيعة، فاللغة بمجملها طبيعة، ناعمة هادئة، جميلة، تأخذ المتلقي إليها وتجعله يهيم في ربوعها، فهناك حالة تماهي/توحد بين الراوي وما جاء في القصيدة، ولهذا وجدناه يتناول الوطن بهذه الألفاظ وهذه اللغة الناعمة.
كما قلنا سابقا الراوي يعمل على تقديم/تقريب المتلقي من أشكال ومضامين الشعر العربي والقديم، ولهذا نجده يقدم لنا قصيدة تصف حالة غير سوية نعيشها، لكنها حالة مستمرة ومكررة في كافة الازمان وكافة الأحوال، يقول في قصيدة "بعد الخيانة":



بعد الخيانة


"عادَ بَعْدَ الجَفافِ يَحْملُ ودَّا
كَيْفَ يَرْجو مِنَ الحِجارة رَدَّا
هَلْ يَظنُ النَّزْفَ الذي مِنْ عُيوني
مَحْضَ شَوقٍ مِنْ عاشقٍ صان عَهْدا
أَوَلَمْ يَأْتِهِ الغرابُ بِشيءٍ
عَنْ حَميرٍ باتتْ تُمَجِّدُ قِرْدا
لَمْ يَعُدْ للكلامِ في العدلِ أصْلٌ
قَدْ بكى النيلُ إِذ يُعاصِرُ عَبْدا
يَزْرَعُ القِنُّ بُؤْسَهُ بِيَديهِ
بَيْدَ أَنَّ الحياة تحتاجُ وَرْدا
لا تَظنّوا بِابنِ اللَّئيمةِ خَيراً
راحَ يُعطي بَعْدَ الخِيانة وَعْدا"
تعرية الفاسد/الخائن دائما تجعل النص قريب من القارئ، فهو بطبيعته يرفض الظلم ويحب العدالة، فالراوي يسعى لإزالة هذا الخائن، من خلال وصف وتحليل ما يقوم به.
القصة الشعرية عمل ابداعي بحد ذاته، فما بالنا أن كانت هذه القصة قريبة من التراث، وشخوصها من الحيوانات، بالتأكيد سيتلقفها القارئ برغبة وشوق استثنائي، أجمل ما في الديوان هذه القصيدة، قصيدة "رواية بين الثنايا"



رواية بين الثنايا


سَلوا تِلك الغزالة عن صِباها
وَكيف تَشتَّتتْ عَنْها ظِباها

عَنِ الْغابات والأزهار عَنْها
وهلْ تُركت لِمغتصبٍ سَباها

أُجبْكم في سطوري والثَّنايا
لأَحْداثٍ توالتْ في رُباها

سَأكتب قِصةً تُروى لِطفلٍ
وإنْ سَمع الكبير بِها بَكاها

هُنالك منذ أزْمانٍ تَوالتْ
بِلادٌ كانَ يُضرَبُ في صَفاها

ثِمار التين والزيتون فيها
وأعنابٌ تَدلَّت عَنْ قِباها

وغزلان وأطيار تآختْ
تُزيّنها وَتنهل مِنْ جَناها

وفيها كانَ تَحْتَ الأرضِ جُحْرٌ
لِجرْذان تَوارت عَنْ سِواها

فما خَرجتْ لِتفسد ماء نهرٍ
وما بانتْ لِصقرٍ كي يَراها




وعِنْدَ الْصخرة الصّماءِ ذِئبٌ
يُراقب غَفْلةً مِمنْ رَعاها

يُساوِم ثعلبا يُعطيه وَعداً
بِمُلْكٍ وافرٍ ما إِنْ غَزاها

فَما رَدَّ الأخيرُ له سُؤالا
وَراحَ مُخادعاً أَسداً عَلاها

لِيلقي جيفةً قُتلتْ وَيرْمي
بِتُهْمَتِهِ لِصقرٍ في سَماها

وكان الحُكْم للضرغامِ يَقْضي
بِطردٍ إِنْ تَبَيَّنَ مَنْ جَنَاها

هُنا الجرذان أَعْلَنت انْتماءً
إلى مَنْ للخيانة قَدْ دَعاها

وَجاءتْ للأرانب هَدّدتها
بِأَفعى فغَّرتْ للصيدِ فَاها









دَعاها الجُبْن فانطلقت بِذعرٍ
وَما عادتْ لِتسْكن في خِبَاها

كذلك والدجاجة ما تَوانَتْ
لِتهجُرَ بَيضَها وَتَصيح واها


وأمّا السّبع قَدْ وجدوه مَيْتا
أَتوهُ السُّمَ كأساً فارْتَواها

فَعاثَ الذّئبُ مُفترساً لِيُثْني
جِباهاً ما تَخلَّتْ عَنْ إِباها

فَلا جارٌ يُجيرُ مَنْ اسْتجارتْ
ولا ليثٌ يُزمْجِرُ في رُباها

وذاك الثعلبُ المكّار يَلهو
مَعَ الكلب المُوكّل في حِماها"
في هذه القصيدة نجد قصة شعرية تم صياغتها بلغة شيقة واسلوب سلس، فحكاية الأرض الجميلة التي ترتع في غاباتها غزالة، وثم تدخل الراوي ليكسر وتيرة السرد العادي ويبدأ حديثه عن القصة مستخدما الحيوانات وما تحمله من رمزية، ومتناول شكل الحكاية التي تحكى للأطفال والتي تبدأ بالحديث عن الزمن والمكان،
" هُنالك منذ أزْمانٍ تَوالتْ
بِلادٌ كانَ يُضرَبُ في صَفاها"
فمثل هذا الطرح يمثل تجديدا للحكايا التراثية الشعبية، وفي ذات الوقت يقرب المتلقي من تلك الحكايا والقصة التراثية الشعبية، وتعيده إلى عالم الطفولة البريئة، من هنا سيكون وقع/تأثر هذه القصة عليه مضاعا وأقوى.
يبدأ الراوي بالحديث عن البلاد ـ فلسطين ـ مستخدما الرمزية من خلال الزيتون والتين والزعتر، ومثل هذا التناول يكون أجمل، حيث يجد فيه القارئ احترام لذوقه ولعقله، فلغة الرمز فيها جمال وتألق، حيث تبعد الراوي عن لغة الخطاب المباشر والصريح/المكشوف.
وإذا تتبعنا هذه القصيدة سنجد ذكر للحيوانات، وهذا التناول يحفز المتلقي للنص ويجعله يندفع إليه بقوة، فالذاكرة العربية التي تربت على قصص كليلة ودمنة تجعلها متحفزة لالتقاط أي ذكر يتماثل مع تلك القصص التي صيغت على لسان الحيوانات.
وهذه الجمالية تضاف إلى القصيدة "رواية بين الثنايا" التي يمكننا أن نقول عنها ذروة الديوان ونجمته.