مع ترامب .. تعالوا نتحدث عن الأسماك

جعفر المظفر
2016 / 11 / 14

مع ترامب .. تعالوا نتحدث عن الأسماك
جعفر المظفر
كان متوقعا ان لا يحصل ترامب على صوت مسلم واحد. لكن الذي حدث ان نسبة لا بأس بها من المسلمين قد وقفت إلى جانبه. بين صفوف هؤلاء كان هناك علمانيون ومتدينون أيضا أو منحازون لحكوماتهم الإسلاموية ولأنظمهم الطائفية.. ترامب عدو المسلمين. هذا ما عمل عليه الديمقراطيون ووسائل إعلام بعض الدول الإسلامية, وهذا ما كان قد صرح به هو شخصيا عبر إجراءات وعد إتخاذها للحد من دخول المسلمين إلى أمريكا.
لقد جاء ذلك كله بنتيجة معاكسة. فالمسلمون في أمريكا مازالوا يعيشون هواجسهم وضغوط إنتمائاتهم المذهبية بشكل يتعدى ما هو في كائن في بلدانهم. إن إفتراضنا وجود إسلام أمريكي موحد كان بمثابة خطأ كبير. الأمور قد تغيرت كثيرا ونحن ما زلنا متمسكين بثقافة تجاوزتها بسرعة معطيات المراحل الحالية التي باتت تدشنها اليوم الحروب بين المسلمين انفسهم : شيعة وسنة, إسلام معتدل وإسلام متطرف, علمانيون ومتدينون وملحدون. أما الإصطفاف نفسه فقد بات يتحدد في النهاية بطبيعة هذا التمزق الذي يتغلب بكثير على الإفتراض الوهمي لوجود إسلام موحد. الأخوان المسلمون في مصر مثلا مع هيلاري التي كانت قد دعمتهم كثيرا, أما أعداء هؤلاء فقد وقفوا مع ترامب ووقف معهم بطبيعة الحال كثير من الأقباط ومثلهم الكثير من مسيحي العراق.
على الجانب الأخر لم يعد الوجود الصهيوني في أمريكا خارج هذا السلم الموسيقي, فالمعركة في الشرق العربي اليوم باتت بين المسلمين أنفسهم وليس بينهم وبين إسرائيل, لا بل ان بعضهم لم يعد يتهيب من إعلان موقفه الإيجابي من إسرائيل , تجمعهم إلى حد كبير قاعدة أن عدو عدوي هو عدوي, أو قاعدة أن صديق صديقي هو صديقي, وذلك على ضوء علاقة امريكا مع إسرائيل وعلاقة دول الخليج مع أمريكا, ومعاداتهم مجتمعين للحركة الوطنية والقومية والتقدمية في المنطقة العربية.
لقد زال مفهوم أن إسرائيل هي العدو المركزي للمسلمين والعرب في جميع الصراعات السياسية التي كان محورها القضية الفلسطينة حيث لم يكن الإسلام السياسي, بشقيه المعتل والتكفيري, قد شرفنا بحضوره بعد. إضافة إلى ان القضية الفلسطينية نفسها قد تراجعت لكي تحتل خانة متخلفة من الإهتمام, كما أن الفلسطينيين أنفسهم قد إنشقوا ولم يعودوا عاملا مهما في تصنيف الإصطفافات.
وكان طبيعيا أن يتبع المسلمون الخاص الفاعل في بلدانهم على العام المفترض وجوده في الساحة الأمريكية. أن يتبع بعض الشيعة ما يعتقدونه الأقرب لهم, وهو في كل الأحول ترامب نفسه, فالرجل ربما أعلن بصوت خافت موقفا مضادا لنظام بشار, لكن ثمة إعتقاد أن إعجابه ببوتن وإصراره على إنتهاج سياسة تقارب مع روسيا سوف يؤدي حتما إلى الوقوف ضد الحركات المعادية لنظام الأسد في سوريا. ويبدو ان ترامب لا يريد ان يميز كثيرا بين حركات تكفيرية وإسلام معتدل. هناك من بين صفوف مستشارية من يخبره أن ذلك بالضبط ما يريده السعوديون والقطريون في النهاية. بالنسبة لهؤلاء فلقد آن أوان التخلي عن الإسلام التكفيري, إعلاميا على الأقل, بعد أن بدأت تتبين خسارة هذا الإسلام لمعركته.
ربما كان هناك تلاعب أوبامي كلينتني بهذه الحقيقة, فالشك بوجود علاقة لهم بصنع هذا الإرهاب, أو إستخدامه, ومن ثم عدم وجود نية قاطعة لديهم بالتخلي عنه قد فعلت فعلها بإتجاه تقدير ان مجئ الديمقراطيين سوف يطيل أمد اللعبة كثيرا. بعد نهاية داعش قد تكون هناك ماعش وراعش وناهش. الديمقراطيون يلعبونها هادئة ويطهونها على نار باردة ويذبحون خصومهم بالقطنة. ترامب لن يكون من هذا النوع. خروجه على المألوف سوف يجعله اقدر على إعلان سياسة صريحة بعيدة عن الرياء والنفاق الديمقراطي. بل كان لديه الكثير من القضايا التي خرجت على ذلك المألوف. موقفه الداعم من مصر وإعجابه بالسيسي وإعلانه أن إزاحة العقيد معمر القافي وحتى صدام حسين من الحكم كان فاتحة الطريق نحو إنفجار المنطقة وتصاعد حركة الإرهاب يكشف عن تشخيص صائب مثلما يكشف عن شجاعة أثارت الإعجاب.
لكن المسألة هنا ليست سهلة إلى الحد التي تسمح لك بإبتلاع قطعة السمكة التي تحمل عظاما قد تؤذي بلعومك بشكل كبير. حتى أن حساب هذه المسائل الكثيرة والمتداخلة وفصل بعضها عن البعض قد يتطلب تصميم برنامج كمبيوتري من نوع خاص. هنا المسالة أشبه بصعوبة تناول سمكة (الصبور) التي يتقن تناولها البصريون ويصعب على غيرهم أكلها, لان طريقة فصل عظامها الكثيرة والدقيقة والمتداخلة يتطلب صبرا وفنا تعلمه البصريون على خلاف غيرهم من العراقيين.
ترامب في الحقيقة هو (سمكة صبور) قد تكون بالنسبة إلى البعض لذيذة الطعم لكنها بأشواك يصعب على الكثيرين التخلص من اضرارها المؤلمة. موقف ترامب الداعي إلى التحالف والتلائم مع روسيا هو لحم السمكة اللذيذ يقابله موقفه المتشدد جدا من البرنامج النووي الإيراني ومن الإسلام السياسي بشكل عام, وهذا سيجعل تناول السمكة من قبل الإسلام الشيعي الإيراني وتابعيه أمرا صعبا جدا. كيف يحسبها الشيعة الذين إنتخبوا ترامب ؟, الأمر لا شك ليس سهلا على الإطلاق.لكن القاعدة التي تقول أن كل ما هو ضد السعودية وقطر هو لصالح إيران وأنصارها, قد فعلت فعلها هنا. أوباما وكلينتون وقفوا ضد قانون (جاستا) الذي يعاقب السعودية ماليا ويحسم دورها المساند لغزوة نيويورك التي نفذها إرهابيو القاعدة ضد مركز التجارة العالمية في الحادي عشر من سبتمبر . قد يضيف ذلك نقطة إيجابية في برنامج حساب نسبية الربح والخسارة, لكن وقوف ترامب ضد الإتفاق النووي مع إيران سيحرك تلك النقطة لصالح سنة السعودية.
لو كنا امام سمكة (سلمون) لأمكن بطريقة ما بيع شريحة سمك (فيلية), اي بدون عظام, غير ان الأمر مع سمكة الصبور يبدو مستحيلا لأن لحم ترامب صعب على البلع لدى الطرفين : شيعة إيران وسنة السعودية. الأخيرون يبدو بوضوح ان خسارة كلينتون هي خسارة لهم, فرغم إعلانهم أن اوباما والديمقراطيين كانوا قد خربوا عليهم لعبة اسقاط الاسد غير ان الأمر مع ترامب يبدو مرعبا جدا, فهو حليف لروسيا و(نصير) للعلمانيين بما يجعله صديقا للأسد, اما موقفه من السيسي فهو اشد إيجابية وذلك سيسحب البساط نهائيا من تحت أقدام الإخوان المسلمين.
لكن شيعة إيران لن يكونوا بالضرورة هم الرابحون تأسيسا على موقف ترمب من السعودية, فمع موقفه من الملف النووي سيكون إبتلاع سمكة الصبور صعبا عليهم. ومع عموم المسلمين في أمريكا, حيث متوقعا أن تتصاعد الكراهية ضدهم بشكل عام, دون حساب لمناشئهم أو إنحيازاتهم الخاصة, سيكون إبتلاع السمكة أصعب بكثير..