رسالة إلى الزميل جمشيد إبراهيم

غسان صابور
2016 / 11 / 14

رسالة إلى الزميل جمشيد ابراهيم
قرأت صباح البارحة ــ أكثر من مرة ــ مقالك المعنون " ليس هناك مستقبل "
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=537779
المعروف بالبلاد الغربية بتعبير سائد No Future... أنا شخصيا أحب تحليلاتك وكتاباتك الواقعية الانتقادية النقدية الواضحة المختصرة, واؤيد غالب محتوياتها الفكرية... ولكنك كغالب الكتاب العرب أو المسلمين.. تتردد بالغوص إلى قاع الأسباب, وخاصة التاريخية والفكرية والمعتقدية والإثنية.. خشية قطع الأرزاق والأعناق.. وتفضل البقاء بضباب العناوين.. كغالب الخطباء والوعاظ والكتاب الاختصاصيين بالعلوم التاريخية والسياسية والاجتماعية, وحتى اللغوية..( وما أكثرهم بأيامنا هذه)... البقاء بخط التلويح الضبابي ولفت النظر المحدود.. حتى لا تعارض الأكثريات الإثنية والمعتقدية التي تحيط بمكان وزمان مولدك... لم تتعرض بصرختك الواقعية اليوم إلى الأسباب الإنسانية أو اللاإنسانية والاجتماعية أو اللاإجتماعية, لهذا الخراب البشري الذي يهدد العالم.. لا من أيامنا هذه.. إنما من عقود طويلة... الشجع.. وكره الإنسان للإنسان.. بسلاح دمار شامل.. اسمه الدين.. لم تتطرق إلى إســلام اليوم أو إلى تاريخه.. لم تذكر ولا مرة واحدة.. اسم داعش أو الخلافة الإسلامية.. كما لم تذكر مرة واحدة اسياد مكة اليوم, وملوك النفط وامراءها.. وما سببوا من خراب علاقاتي بين العرب والمسلمين.. وتشجيعهم للإرهاب الإسـلامي الذي أصبح اليوم من أفظع مخربي الطبيعة.. وأكثر من أية دولة أو آلة تخرب الطبيعة.. لأنه يخرب الأرض والإنسان.. وذلك باسم الله ورسوله... وأنت أما لا تريد الغوص بهذا المسبب الرهيب ولا التطرق إليه.. صحيح أن كتاباتك إنسانية علمية واقعية.. ولكنك اليوم تحدثنا عن الطبيعة والأرض والغابات.. وتذكرنا بالبراكين.. كخطابات الأئمة والملالي والشيوخ والكهنة الذين يهددوننا منذ قرون.. واستعادوها اليوم ليخيفوننا.. بجهنم.. وأنت تخيفنا بالبراكين أكثر وأكثر.. حتى ننسى أو تتناسى داعش وابناء داعش وحلفاء داعش وعرابي داعش من عربان وأمريكان وسيافي نخاساتهم اللاإنسانية... وهذا هو اليوم أخطر إنذار ضد البشرية جمعاء.. وهذا يا صديقي, ما يجب أن يكون أولوية "الأنتليجنسيا الإسلامية" أو النادر القليل مما نبقى منها.
وهذه المشكلة الإنسانية لم تولد اليوم.. ولا من عشرات السنين فقط.. مرافقة ــ ما سمي ألف خطأ ــ الربيع العربي.. إنما من خمسة عشر قرن على الأقل.. حيث ساد صمت كل مفكر وكل عاقل.. خوفا من سيوف المقتحمين.. ومؤرخ المنتصر سماهم " الفاتحين"!!!..........
نعم يا صديقي, اليوم : لا مستقبل هناك No Future.. لا لأننا نحرق الشجر ونسمم الطبيعة فقط.. إنما لأن شريعة الموت وقتل الآخر الذي لم يلد من ديانتك.. هي السائدة الغازية.. بكل مكان.. حتى بالبلاد التي تستقبل هؤلاء الغزاة القدماء.. والذين بتقتيل بعضهم البعض.. أصبحوا لاجئين.. أصبحوا لاجئين ببلاد الكفار.. كأنها "أندلسهم" الجديدة.. يريدون إعادتها إلى إسلامهم وتفسيرات وعادات ومحاكم شريعتهم التي لا تتطابق من أية حرية أو حضارة...
كم كنت أتمنى يا صديقي, وبغزارة كتاباتك الرياضية العلمية الموزونة.. أن تتطرق لما يجري حولنا اليوم, بالشرق والغرب وبكل مكان.. من حرق للطبيعة.. طبيعة الإنسان والزمان.. حتى نتمكن فيما بعد إنقاذ الطبيعة والغابات ومن يعيش فيها من إنسان وحيوان.. ينقرض كل يوم بالآلاف.. بمئات الآلاف.. بالجوع.. بالأمراض.. بالخوف.. والتكفير... والتكفير يا صديقي أكثر وأخطر سلاح دمار شامل.. بأيدي غزاة طلعوا من كل مكان, رافعين اعلاما سوداء.. تحمل اسم الله ورسوله... تحصد كل الرؤوس اليافعة التي حان قطافها.. لمراضاة الخليفة والله ورسوله!!!...
وقبل أن أغلق هذه الرسالة إليك, أريد أن أوجه إليك سؤالا وجهته لعديد من أصدقائي المسلمين من جامعيين وأطباء وعلماء وموظفين وعمال عاديين مقيمين بأوروبا, من سنوات بعيدة أو قريبة.. فتحت هذه البلدان لأهلهم ولهم كل أبوابها وجامعاتها وحماياتها الاجتماعية المختلفة الموجودة هنا وجنسياتها وهويتها.. وواحد من أولادهم أصبح " مقاتلا إسلاميا ضد الكفار "... كما حدث بباريس من سنة وما حدث بمدينة نيس من دهس جماعي " لكفار " من مختلف المعتقدان والجنسيات.. أو دخل لكنيسة وذبح كاهنا عمره أكثر من خمسة وثمانين سنة.. وطعن مصليا عجوزا آخر.. وابنك اليوم فرنسي أو سويدي.. أو كندي أو انجليزي.. ما رأيك يا سيد جمشيد إبراهيم؟؟؟... وفرنسا تعيد ذكرى ما حدث بدون حقد.. بدون إدانة دينية أو شمولية... ماذا تقول عن ابنك.. عن هؤلاء الأبناء الداعشيين الأوروبيين ( من أصول شمال إفريقية) أو من يسمونهم معتنقي الإسلام من ديانات أخرى Les -convert-is... ماذا تقول عن ابنك وعنهم يا سيد جمشيد إبراهيم؟؟؟... أليس هؤلاء أخطر ألف مرة من غاز الفحم الذي يهدد البشرية... لأنهم جيراننا.. أو أصدقاء ورفاق عشنا معهم سنوات طويلة... واليوم يمكنهم أن يتغيروا بفتوى عجيبة غريبة.. ويحرقوا الأرض بما فيها من حياة... كما فعلوا بالعراق.. بليبيا.. بسوريا.. باليمن... وبعديد من مدن العالم التي فتحت صدرها لأجدادهم وآبائهم ولهم ولأولادهم.. ولأولاد أولادهم...
أنا لا أدين.. وأنا لا أحقد.. لأنني لا يمكن أن أترك للحقد هذا الوباء الحارق.. أن يحرق فكري وعلمانيتي وعقلي.. وتمسكي بالإنسانية.. لأنني هكذا اعتقدت وآمنت وفكرت وحللت.. منذ تعلمت القراءة والكتابة.. والتي تبقى أول وسيلة للمقارنة والتفكير...
لماذا يا صديقي لا نتابع تحليل الأديان بكل عمق وتفكير... حتى ننقذ ما تبقى من الجميل والإنساني منها... قبل انفجار براكينك وبراكينها التي تهدد البشرية... وقبل أن يصبح الحقد والتمييز الطائفي, بالعالم كله.. شريعة وقاعدة وكره الآخر.. وإزالته.. قانونا حربجيا بشريا عالميا...
لنفكر.. لنفكر.. يا صديقي... لنفكر..........
وحتى نلتقي.......
*************
عــلــى الـــهـــامــــش :
ــ تـــصـــريـــح ضـــروري.. ولفت نظر هــام.
رسالتي هذه ليست موجهة فقط إلى الزميل السيد جمشيد إبراهيم.. فقط وبالذات.. والذي اترم غالب كتاباته وسعتها وموضوعيتها وجرأتها الملجومة الملتزمة.. مقدرا ظروفه الوظيفية. رغم اعتقادي أننا لا نجب أن نتقيد بخشية الدفاع على مصالحنا الشخصية.. واتباع متابعة الحذر, كلما أردنا التطرق لموضوع حساس, يمكن أن يزعج بعض المؤسسات التي توزع الجوائز والهبات لكل من يحافظ على مراعاة الاعتدال.. بكل ما يخص حقائق معينة.. إنما دورنا أن نحافظ على حرية النقد.. وتجاوز شبكات وجنازير الممنوعات الدينية وغيرها.. وألا نلتزم إلا بحرية النقد والتوضيح والحفاظ على اكتمال حرية الفكر والنشر والتعبير...
لذلك رسالتي هذه لا تخص السيد جمشيد إبراهيم لوحده.. بل هي موجهة لجميع الزملاء بهذا الموقع الذين أحترم كتاباتهم وآراءهم وأفكارهم وتصريحاتهم.. دون استثناء.. لأنني فولتيري علماني بلا حدود... رغم اختلافي مع عدد كبير منهم... لأنني أشعر بوضوح ابتعادهم عن المواضيع الحساسة التي يجب معالجتها, دون تردد أو خشية.. حتى أنني لاحظت انغماس العديد من الأنتليجنسيا العربية والإسلامية.. سائرة بخط المحافظة على الاعتدال والمسايرة.. وخاصة المسايرة الطائفية والعرقية والعشائرية والدينية.. ومسايرة الأكثرية والحاكم.. وغالبا وراء اتجاه براميل النفط وأنابيب الغاز... والهدايا...وللأســف الشديد هذه التيارات الكتابية المسايرة.. ليست من عادة الكتاب العرب وحدهم.. بل نراها اليوم بغالب المواقع الفرنسية والإنكليزية والصحف الكبرى العالمية المشهورة... حيث أصبح التملق " ديانة وفهلوة وشطارة " حتى أصبحت الحقيقة مجنزة صامتة وصعبة الاختراق.. لأنها بيعت لمافيات البورصات العالمية وعصابات الرأسمالية المحلية.. تشتريها وتسيطر عليها.. وتسرح كل من يدافع عن الحقيقة والعدالة الإنسانية.. وتـفـرض هيمنة هذا الإعلام المعلب على كبرى سياسات العالم... والنادر من الأحرار الذي يحاول الاعتراض على هذه السياسات الجديدة.. يتعرض لقطع رزقه.. وأحيانا لقطع عنقه... لهذا اختفت الحقيقة عن غالب مواقع الإعلام التي كانت مثالا عالميا بكل العواصم الأوروبية...
لذلك تهيمن العتمة والظلام والغباء على الشعوب بكل مكان.. يـومـا بعد يــوم...........
بـــالانـــتـــظـــار...
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم... هـــنـــاك و هـــنـــا.. وبكل مكان بالعالم.. وخاصة للنادر القليل من الأحرار الصادقين الذين يدافعون عن الحريات العامة والديمقراطية والعلمانية ومساواة المرأة الكاملة بالرجل.. كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي وتأييدي ووفائي وولائي.. وأصدق تحية إنسانية طيبة مهذبة.
غـسـان صــابــور ـــ لـيـون فــرنــســا